في خبر يصلح أن يدرّس يوما في كتب الكوميديا السوداء السياسية. أعلنت اسرائيل الصهيونية أنها قررت تقديم موعد التخلص من رسائل الى الله.
نعم رسائل الى الله .. هكذا يسمونها ..
وهى تلك الرسائل التي يكتبها الزائرون على قصاصات ورقية صغيرة ثم يحشرونها بين حجارة ما تسميه اسرائيل حائط المبكى. بينما يعرفه المسلمون بأسمه التاريخي الحقيقي حائط البراق في قلب القدس. ذلك الجدار العتيق الذي صار في الرواية الصهيونية صندوق بريد سماوي. بينما هو في الحقيقة جزء من السور الغربي للمسجد الاقصى المبارك.
عشرات الآلاف من الأوراق الصغيرة التي كتبها أصحابها بلهجات الأرض كلها. أحلاما واعترافات وطلبات عون من السماء. جرى استخراجها هذا العام قبل موعدها المعتاد الذي يسبق عادة عيد الفصح اليهودى .
لكن يبدو ان الحرب اسرع من التقويم الديني. وان الصواريخ اسرع من الطقوس. فجرى التعجيل بافراغ الحائط لأن المواقع المقدسة في البلدة القديمة أغلقت تحت وطأة التهديدات الأمنية الحالية.
وهكذا وجد الحاخامات انفسهم في مشهد اقرب الى موظفي بريد سماوي متقاعدين يمدون اصابعهم داخل شقوق الحجر القديم. يسحبون ورقة بعد ورقة. امنية بعد امنية. وكأنهم يفرغون صندوق بريد ضاق بكمية الرجاء البشري. ثم تجمع الأوراق بعناية وتنقل لدفنها وفق التقاليد في جبل الزيتون. لأن النصوص التي يذكر فيها اسم الله لا تلقى في القمامة بل توارى في التراب. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.
الرسائل التي كتبها الناس الى السماء انتهت مدفونة في الأرض.
لكن القصة ليست مجرد طقوس دينية. بل حكاية طويلة من اعادة تسمية الاشياء. فالجدار الذي يقف الناس امامه اليوم لم يكن يوما اسمه حائط المبكى في الذاكرة الإسلامية أو العربية. بل كان وما يزال حائط البراق. وهو الموضع الذي ربط فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - دابته ليلة الإسراء والمعراج. وهو جزء لا يتجزأ من سور المسجد الاقصى. غير ان السياسة حين تتدخل في الجغرافيا لا تكتفي بالسيطرة على الأرض. بل تعيد أيضا تسمية الأشياء. وهكذا تحول الجدار في الخطاب الصهيوني الى رمز ديني خاص. بينما بقي في الوعي الاسلامي شاهدا على قصة أخرى أقدم وأعمق.
والغريب ان الدولة التي تمتلئ سماؤها بالصواريخ المضادة والقبة الحديدية. وتدار فيها الحروب بأحدث تقنيات القرن الحادي والعشرين. ما زالت تترك في أحد جدرانها صندوق بريد للسماء. بشر يكتبون امنياتهم ويظنون ان الطريق الى الله يمر عبر شقوق حجر قديم. ثم تأتي السلطات في موسم ما لتفرغ البريد الالهي وتنقله الى المقبرة.
اي حماقة أكثر من هذا . رسائل الى الله تجمع بقرار اداري. وتنقل في اكياس. وتدفن في الأرض. وكأن السماء في النهاية اصبحت فرعا تابعا للأرشيف الصهيونى .
ربما لو كان للحجارة ان تتكلم لقالت ببساطة. انا بريئة منكم ومن أفعالكم . وانا لست حائط البكاء كما تسموننى . بل حائط البراق كما عرفني التاريخ.
اما عن الرسائل ذاتها فالله لا يحتاج أن تحشر إليه بين الحجارة كي يقراها.
الله يقرأ القلوب مباشرة. بلا وسطاء. وبلا صناديق بريد. وبلا مواسم لتنظيف الدعاء.
الا سحقا لهذا الادعاء.. ❝ ⏤فتحى عبدالحميد
❞ رسائل إلى ربهم ..
بقلم / فتحى عبدالحميد
في خبر يصلح أن يدرّس يوما في كتب الكوميديا السوداء السياسية. أعلنت اسرائيل الصهيونية أنها قررت تقديم موعد التخلص من رسائل الى الله.
نعم رسائل الى الله . هكذا يسمونها .
وهى تلك الرسائل التي يكتبها الزائرون على قصاصات ورقية صغيرة ثم يحشرونها بين حجارة ما تسميه اسرائيل حائط المبكى. بينما يعرفه المسلمون بأسمه التاريخي الحقيقي حائط البراق في قلب القدس. ذلك الجدار العتيق الذي صار في الرواية الصهيونية صندوق بريد سماوي. بينما هو في الحقيقة جزء من السور الغربي للمسجد الاقصى المبارك.
عشرات الآلاف من الأوراق الصغيرة التي كتبها أصحابها بلهجات الأرض كلها. أحلاما واعترافات وطلبات عون من السماء. جرى استخراجها هذا العام قبل موعدها المعتاد الذي يسبق عادة عيد الفصح اليهودى .
لكن يبدو ان الحرب اسرع من التقويم الديني. وان الصواريخ اسرع من الطقوس. فجرى التعجيل بافراغ الحائط لأن المواقع المقدسة في البلدة القديمة أغلقت تحت وطأة التهديدات الأمنية الحالية.
وهكذا وجد الحاخامات انفسهم في مشهد اقرب الى موظفي بريد سماوي متقاعدين يمدون اصابعهم داخل شقوق الحجر القديم. يسحبون ورقة بعد ورقة. امنية بعد امنية. وكأنهم يفرغون صندوق بريد ضاق بكمية الرجاء البشري. ثم تجمع الأوراق بعناية وتنقل لدفنها وفق التقاليد في جبل الزيتون. لأن النصوص التي يذكر فيها اسم الله لا تلقى في القمامة بل توارى في التراب. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها.
الرسائل التي كتبها الناس الى السماء انتهت مدفونة في الأرض.
لكن القصة ليست مجرد طقوس دينية. بل حكاية طويلة من اعادة تسمية الاشياء. فالجدار الذي يقف الناس امامه اليوم لم يكن يوما اسمه حائط المبكى في الذاكرة الإسلامية أو العربية. بل كان وما يزال حائط البراق. وهو الموضع الذي ربط فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - دابته ليلة الإسراء والمعراج. وهو جزء لا يتجزأ من سور المسجد الاقصى. غير ان السياسة حين تتدخل في الجغرافيا لا تكتفي بالسيطرة على الأرض. بل تعيد أيضا تسمية الأشياء. وهكذا تحول الجدار في الخطاب الصهيوني الى رمز ديني خاص. بينما بقي في الوعي الاسلامي شاهدا على قصة أخرى أقدم وأعمق.
والغريب ان الدولة التي تمتلئ سماؤها بالصواريخ المضادة والقبة الحديدية. وتدار فيها الحروب بأحدث تقنيات القرن الحادي والعشرين. ما زالت تترك في أحد جدرانها صندوق بريد للسماء. بشر يكتبون امنياتهم ويظنون ان الطريق الى الله يمر عبر شقوق حجر قديم. ثم تأتي السلطات في موسم ما لتفرغ البريد الالهي وتنقله الى المقبرة.
اي حماقة أكثر من هذا . رسائل الى الله تجمع بقرار اداري. وتنقل في اكياس. وتدفن في الأرض. وكأن السماء في النهاية اصبحت فرعا تابعا للأرشيف الصهيونى .
ربما لو كان للحجارة ان تتكلم لقالت ببساطة. انا بريئة منكم ومن أفعالكم . وانا لست حائط البكاء كما تسموننى . بل حائط البراق كما عرفني التاريخ.
اما عن الرسائل ذاتها فالله لا يحتاج أن تحشر إليه بين الحجارة كي يقراها.
الله يقرأ القلوب مباشرة. بلا وسطاء. وبلا صناديق بريد. وبلا مواسم لتنظيف الدعاء.