❞ إلهي ..
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك .
أنت الفاعل سبحانك و أنت مجري الأقدار و الأحكام .. و أنت الذي امتحنت و قويت و أضعفت و سترت و كشفت .. و ما أنا إلا السلب و العدم .. و كل توفيق لي كان منك و كل هداية لي كانت بفضلك و كل نور كان من نورك .. ما أنا إلا العين و المحل و كل ما جرى علي من استحقاقي و كل ما أظهرت فيّ كان بعدلك و رحمتك .. ما كان لي من الأمر شيء .
و هل لنا من الأمر شيء !؟
مولاي .. يقولون إن أكبر الخطايا هي خطايا العارفين .. و لكني أسألك يارب أين العارف أو الجاهل الذي استطاع أن يسلم من الفتنة دون رحمة منك .. و أنت الذي سويت نفوسنا و خلقتها و وصفتها بأنها
( لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) .
و أين من له الحول و القوة بدونك .. و هذا جبريل يقول لنبيك لا حول من معصية إلا بعصمة الله و لا قوة على طاعة الله إلا بتمكين الله .
و هل استعصم الذين استعصموا إلا بعصمتك و هل تاب الذين تابوا إلا بتوبتك .. و هل استغفروا إلا بمغفرتك .
إلهي .. لقد تنفست أول ما تنفست بك و نطقت بك و سمعت بك و أبصرت بك و مشيت بك و اهتديت بك .. و ضللت عندما خرجت عن أمرك .
سألتك يارب بعبوديتي أن ترفع عني غضبك .. فها أنا ذا و قد خلعت عن نفسي كل الدعاوي و تبرأت من كل حوْل و طوْل و لبست الذل في رحاب قدرتك .
إنك لن تضيعني و أنا عبدك .
لن تضيع عبداً ذل لربوبيتك و خشع لجلالك .
و كيف يضيع عبد عند مولىً رحيم فكيف إذا كان هذا المولى هو أرحم الراحمين .
ربّ اجذبني إليك بحبلك الممدود لأخرج من ظلمتي إلى نورك و من عدميتي إلى وجودك و من هواني إلى عزتك .. فأنت العزيز حقاً الذي لن تضرك ذنوبي و لن تنفعك حسناتي .
إن كل ذنوبنا يارب لن تنقص من ملكك .
و كل حسناتنا لن تزيد من سلطانك .
فأنت أنت المتعال على كل ما خلقت المستغني عن كل ما صنعت .
و أنت القائل :
هؤلاء في الجنة و لا أبالي و هؤلاء في النار و لا أبالي .
و أنت القائل على لسان نبيك :
( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )
فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء .. فأنا المحتاج.. أنا المشكلة .. و أنا المسألة .
أنا العدم و أنت الوجود فلا تضيعني .
عاوني يارب على أن اتخطى نفسي إلى نفسي .. أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك في جوارك و رحمتك و نورك و وجهك .
لقد جربت حيازة كل شيء فما ازددت إلا فقراً و كلما طاوعت رغائبي ازدادت جوعاً و إلحاحاً و تنوعاً .
حينما طاوعت شهوتي إلى المال ازددت بالغنى طمعاً و حرصاً و حينما طاوعت شهوتي إلى النساء ازددت بالإشباع عطشاً و تطلعاً إلى التلوين و التغيير .. و كأنما أشرب من ماء مالح فأزداد على الشرب ظمأً على ظمأ .
و ما حسبته حرية كان عبودية و خضوعاً للحيوان المختفي تحت جلدي ثم هبوطاً إلى درك الآلية المادية و إلى سجن الضرورات و ظلمة الحشوة الطينية و غلظتها .
كنت أسقط و أنا أحسب أني أحلق و أرفرف .
و خدعني شيطاني حينما غلف هذه الرغبات بالشعر و زوقها بالخيال الكاذب و زينها بالعطور و زفها في أبهة الكلمات و بخور العواطف ، و لكن صحوة الندم كانت توقظني المرة بعد المرة على اللاشيء و الخواء .
إلهي .. لم تعد الدنيا و لا نفسي الطامعة في الدنيا و لا العلوم التي تسخر لي هذه الدنيا و لا الكلمات التي احتال بها على هذه الدنيا .. مرادي و لا بضاعتي .
و إنما أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلوبي فعاوني بك عليك و خلصني بك من سواك و أخرجني بنورك من عبوديتي لغيرك فكل طلب لغيرك خسار .
أنت أنت وحدك .. و ما أرتضي مشوار هذه الدنيا إلا لدلالة هذا المشوار عليك و ما يبهرني الجمال إلا لصدوره عنك و ما أقصد الخير و لا العدل و الحرية و لا الحق إلا لأنها تجليات و أحكام أسمائك الحسنى يامن تسميت بأنك الحق .
و لكن تلك هجرة لا أقدر عليها بدونك و نظرة لا أقوى عليها بغير معونتك .. فعاوني و اشدد أزري .. فحسبي النية و المبادرة فذلك جهد الفقير .. فليس أفقر مني .. و هل بعد العدم فقر .. و قد جئت إلى الدنيا معدماً و أخرج منها معدماً و أجوزها معدماً .. زادي منك و قوتي منك و رؤيتي منك و نوري منك .
و اليوم جاءت الهجرة الكبرى التي أعبر فيها بحار الدنيا دون أن أبتل و أخوض نارها دون أن أحترق .. فكيف السبيل إلى ذلك دون يدك مضمومة إلى يدي .
و هل يدي إلا من صنع يدك ؟ .. و هل يدي إلا من يدك ؟!
و هل هناك إلا يد واحدة ؟
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
سبحانك لا أرى لي يداً .
سبحانك لا أرى سواك .
لا إله إلا الله .
لا إله إلا الله حقاً و صدقاً .
و ذاتك هي واحدة الحسن .
الحسن كله منها .
و الحب كله لها .
و يدك هي واحدة المشيئة .
الفعل كله منها و القوة كلها بها و إن تعددت الأيدي في الظاهر و ظن الظانون تعدد المشيئات .. و إن تعدد المحبون و تعددت المحبوبات .. ما يركع الكل إلا على بابك و ما يلثم الكل إلا أعتابك .. مؤمنون و كفرة .. و إن ظن الكافر أنه يلثم ديناراً أو يقبل خداً فإنما هي أيادي رحمتك أو أيادي لعنتك هي ما يلثم و يقبل دون أن يدري .
و إنما هي أسماء و أفعال و أوصاف .
و المسمى واحد .
و الفاعل واحد .
و الموصوف واحد .
لا إله إلا هو .
لا إله إلا الله .
الحمد له في الأول و الآخر .
رفعت الأقلام و طويت الصحف و انتهت الكلمات
مقال / دعاء العبد الخطاء
من كتاب / أناشيد الإثم والبراءة
للدكتور / مصطفى محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ إلهي .
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك .
أنت الفاعل سبحانك و أنت مجري الأقدار و الأحكام . و أنت الذي امتحنت و قويت و أضعفت و سترت و كشفت . و ما أنا إلا السلب و العدم . و كل توفيق لي كان منك و كل هداية لي كانت بفضلك و كل نور كان من نورك . ما أنا إلا العين و المحل و كل ما جرى علي من استحقاقي و كل ما أظهرت فيّ كان بعدلك و رحمتك . ما كان لي من الأمر شيء .
و هل لنا من الأمر شيء !؟
مولاي . يقولون إن أكبر الخطايا هي خطايا العارفين . و لكني أسألك يارب أين العارف أو الجاهل الذي استطاع أن يسلم من الفتنة دون رحمة منك . و أنت الذي سويت نفوسنا و خلقتها و وصفتها بأنها
( لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) .
و أين من له الحول و القوة بدونك . و هذا جبريل يقول لنبيك لا حول من معصية إلا بعصمة الله و لا قوة على طاعة الله إلا بتمكين الله .
و هل استعصم الذين استعصموا إلا بعصمتك و هل تاب الذين تابوا إلا بتوبتك . و هل استغفروا إلا بمغفرتك .
إلهي . لقد تنفست أول ما تنفست بك و نطقت بك و سمعت بك و أبصرت بك و مشيت بك و اهتديت بك . و ضللت عندما خرجت عن أمرك .
سألتك يارب بعبوديتي أن ترفع عني غضبك . فها أنا ذا و قد خلعت عن نفسي كل الدعاوي و تبرأت من كل حوْل و طوْل و لبست الذل في رحاب قدرتك .
إنك لن تضيعني و أنا عبدك .
لن تضيع عبداً ذل لربوبيتك و خشع لجلالك .
و كيف يضيع عبد عند مولىً رحيم فكيف إذا كان هذا المولى هو أرحم الراحمين .
ربّ اجذبني إليك بحبلك الممدود لأخرج من ظلمتي إلى نورك و من عدميتي إلى وجودك و من هواني إلى عزتك . فأنت العزيز حقاً الذي لن تضرك ذنوبي و لن تنفعك حسناتي .
إن كل ذنوبنا يارب لن تنقص من ملكك .
و كل حسناتنا لن تزيد من سلطانك .
فأنت أنت المتعال على كل ما خلقت المستغني عن كل ما صنعت .
و أنت القائل :
هؤلاء في الجنة و لا أبالي و هؤلاء في النار و لا أبالي .
و أنت القائل على لسان نبيك :
( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )
فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء . فأنا المحتاج. أنا المشكلة . و أنا المسألة .
أنا العدم و أنت الوجود فلا تضيعني .
عاوني يارب على أن اتخطى نفسي إلى نفسي . أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك في جوارك و رحمتك و نورك و وجهك .
لقد جربت حيازة كل شيء فما ازددت إلا فقراً و كلما طاوعت رغائبي ازدادت جوعاً و إلحاحاً و تنوعاً .
حينما طاوعت شهوتي إلى المال ازددت بالغنى طمعاً و حرصاً و حينما طاوعت شهوتي إلى النساء ازددت بالإشباع عطشاً و تطلعاً إلى التلوين و التغيير . و كأنما أشرب من ماء مالح فأزداد على الشرب ظمأً على ظمأ .
و ما حسبته حرية كان عبودية و خضوعاً للحيوان المختفي تحت جلدي ثم هبوطاً إلى درك الآلية المادية و إلى سجن الضرورات و ظلمة الحشوة الطينية و غلظتها .
كنت أسقط و أنا أحسب أني أحلق و أرفرف .
و خدعني شيطاني حينما غلف هذه الرغبات بالشعر و زوقها بالخيال الكاذب و زينها بالعطور و زفها في أبهة الكلمات و بخور العواطف ، و لكن صحوة الندم كانت توقظني المرة بعد المرة على اللاشيء و الخواء .
إلهي . لم تعد الدنيا و لا نفسي الطامعة في الدنيا و لا العلوم التي تسخر لي هذه الدنيا و لا الكلمات التي احتال بها على هذه الدنيا . مرادي و لا بضاعتي .
و إنما أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلوبي فعاوني بك عليك و خلصني بك من سواك و أخرجني بنورك من عبوديتي لغيرك فكل طلب لغيرك خسار .
أنت أنت وحدك . و ما أرتضي مشوار هذه الدنيا إلا لدلالة هذا المشوار عليك و ما يبهرني الجمال إلا لصدوره عنك و ما أقصد الخير و لا العدل و الحرية و لا الحق إلا لأنها تجليات و أحكام أسمائك الحسنى يامن تسميت بأنك الحق .
و لكن تلك هجرة لا أقدر عليها بدونك و نظرة لا أقوى عليها بغير معونتك . فعاوني و اشدد أزري . فحسبي النية و المبادرة فذلك جهد الفقير . فليس أفقر مني . و هل بعد العدم فقر . و قد جئت إلى الدنيا معدماً و أخرج منها معدماً و أجوزها معدماً . زادي منك و قوتي منك و رؤيتي منك و نوري منك .
و اليوم جاءت الهجرة الكبرى التي أعبر فيها بحار الدنيا دون أن أبتل و أخوض نارها دون أن أحترق . فكيف السبيل إلى ذلك دون يدك مضمومة إلى يدي .
و هل يدي إلا من صنع يدك ؟ . و هل يدي إلا من يدك ؟!
و هل هناك إلا يد واحدة ؟
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
سبحانك لا أرى لي يداً .
سبحانك لا أرى سواك .
لا إله إلا الله .
لا إله إلا الله حقاً و صدقاً .
و ذاتك هي واحدة الحسن .
الحسن كله منها .
و الحب كله لها .
و يدك هي واحدة المشيئة .
الفعل كله منها و القوة كلها بها و إن تعددت الأيدي في الظاهر و ظن الظانون تعدد المشيئات . و إن تعدد المحبون و تعددت المحبوبات . ما يركع الكل إلا على بابك و ما يلثم الكل إلا أعتابك . مؤمنون و كفرة . و إن ظن الكافر أنه يلثم ديناراً أو يقبل خداً فإنما هي أيادي رحمتك أو أيادي لعنتك هي ما يلثم و يقبل دون أن يدري .
و إنما هي أسماء و أفعال و أوصاف .
و المسمى واحد .
و الفاعل واحد .
و الموصوف واحد .
لا إله إلا هو .
لا إله إلا الله .
الحمد له في الأول و الآخر .
رفعت الأقلام و طويت الصحف و انتهت الكلمات
مقال / دعاء العبد الخطاء
من كتاب / أناشيد الإثم والبراءة
للدكتور / مصطفى محمود (رحمه الله). ❝
❞ إلهي ..
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك .
أنت الفاعل سبحانك و أنت مجري الأقدار و الأحكام .. و أنت الذي امتحنت و قويت و أضعفت و سترت و كشفت .. و ما أنا إلا السلب و العدم .. و كل توفيق لي كان منك و كل هداية لي كانت بفضلك و كل نور كان من نورك .. ما أنا إلا العين و المحل و كل ما جرى علي من استحقاقي و كل ما أظهرت فيّ كان بعدلك و رحمتك .. ما كان لي من الأمر شيء .
و هل لنا من الأمر شيء !؟
مولاي .. يقولون إن أكبر الخطايا هي خطايا العارفين .. و لكني أسألك يارب أين العارف أو الجاهل الذي استطاع أن يسلم من الفتنة دون رحمة منك .. و أنت الذي سويت نفوسنا و خلقتها و وصفتها بأنها
( لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) .
و أين من له الحول و القوة بدونك .. و هذا جبريل يقول لنبيك لا حول من معصية إلا بعصمة الله و لا قوة على طاعة الله إلا بتمكين الله .
و هل استعصم الذين استعصموا إلا بعصمتك و هل تاب الذين تابوا إلا بتوبتك .. و هل استغفروا إلا بمغفرتك .
إلهي .. لقد تنفست أول ما تنفست بك و نطقت بك و سمعت بك و أبصرت بك و مشيت بك و اهتديت بك .. و ضللت عندما خرجت عن أمرك .
سألتك يارب بعبوديتي أن ترفع عني غضبك .. فها أنا ذا و قد خلعت عن نفسي كل الدعاوي و تبرأت من كل حوْل و طوْل و لبست الذل في رحاب قدرتك .
إنك لن تضيعني و أنا عبدك .
لن تضيع عبداً ذل لربوبيتك و خشع لجلالك .
و كيف يضيع عبد عند مولىً رحيم فكيف إذا كان هذا المولى هو أرحم الراحمين .
ربّ اجذبني إليك بحبلك الممدود لأخرج من ظلمتي إلى نورك و من عدميتي إلى وجودك و من هواني إلى عزتك .. فأنت العزيز حقاً الذي لن تضرك ذنوبي و لن تنفعك حسناتي .
إن كل ذنوبنا يارب لن تنقص من ملكك .
و كل حسناتنا لن تزيد من سلطانك .
فأنت أنت المتعال على كل ما خلقت المستغني عن كل ما صنعت .
و أنت القائل :
هؤلاء في الجنة و لا أبالي و هؤلاء في النار و لا أبالي .
و أنت القائل على لسان نبيك :
( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )
فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء .. فأنا المحتاج.. أنا المشكلة .. و أنا المسألة .
أنا العدم و أنت الوجود فلا تضيعني .
عاوني يارب على أن اتخطى نفسي إلى نفسي .. أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك في جوارك و رحمتك و نورك و وجهك .
لقد جربت حيازة كل شيء فما ازددت إلا فقراً و كلما طاوعت رغائبي ازدادت جوعاً و إلحاحاً و تنوعاً .
حينما طاوعت شهوتي إلى المال ازددت بالغنى طمعاً و حرصاً و حينما طاوعت شهوتي إلى النساء ازددت بالإشباع عطشاً و تطلعاً إلى التلوين و التغيير .. و كأنما أشرب من ماء مالح فأزداد على الشرب ظمأً على ظمأ .
و ما حسبته حرية كان عبودية و خضوعاً للحيوان المختفي تحت جلدي ثم هبوطاً إلى درك الآلية المادية و إلى سجن الضرورات و ظلمة الحشوة الطينية و غلظتها .
كنت أسقط و أنا أحسب أني أحلق و أرفرف .
و خدعني شيطاني حينما غلف هذه الرغبات بالشعر و زوقها بالخيال الكاذب و زينها بالعطور و زفها في أبهة الكلمات و بخور العواطف ، و لكن صحوة الندم كانت توقظني المرة بعد المرة على اللاشيء و الخواء .
إلهي .. لم تعد الدنيا و لا نفسي الطامعة في الدنيا و لا العلوم التي تسخر لي هذه الدنيا و لا الكلمات التي احتال بها على هذه الدنيا .. مرادي و لا بضاعتي .
و إنما أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلوبي فعاوني بك عليك و خلصني بك من سواك و أخرجني بنورك من عبوديتي لغيرك فكل طلب لغيرك خسار .
أنت أنت وحدك .. و ما أرتضي مشوار هذه الدنيا إلا لدلالة هذا المشوار عليك و ما يبهرني الجمال إلا لصدوره عنك و ما أقصد الخير و لا العدل و الحرية و لا الحق إلا لأنها تجليات و أحكام أسمائك الحسنى يامن تسميت بأنك الحق .
و لكن تلك هجرة لا أقدر عليها بدونك و نظرة لا أقوى عليها بغير معونتك .. فعاوني و اشدد أزري .. فحسبي النية و المبادرة فذلك جهد الفقير .. فليس أفقر مني .. و هل بعد العدم فقر .. و قد جئت إلى الدنيا معدماً و أخرج منها معدماً و أجوزها معدماً .. زادي منك و قوتي منك و رؤيتي منك و نوري منك .
و اليوم جاءت الهجرة الكبرى التي أعبر فيها بحار الدنيا دون أن أبتل و أخوض نارها دون أن أحترق .. فكيف السبيل إلى ذلك دون يدك مضمومة إلى يدي .
و هل يدي إلا من صنع يدك ؟ .. و هل يدي إلا من يدك ؟!
و هل هناك إلا يد واحدة ؟
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
سبحانك لا أرى لي يداً .
سبحانك لا أرى سواك .
لا إله إلا الله .
لا إله إلا الله حقاً و صدقاً .
و ذاتك هي واحدة الحسن .
الحسن كله منها .
و الحب كله لها .
و يدك هي واحدة المشيئة .
الفعل كله منها و القوة كلها بها و إن تعددت الأيدي في الظاهر و ظن الظانون تعدد المشيئات .. و إن تعدد المحبون و تعددت المحبوبات .. ما يركع الكل إلا على بابك و ما يلثم الكل إلا أعتابك .. مؤمنون و كفرة .. و إن ظن الكافر أنه يلثم ديناراً أو يقبل خداً فإنما هي أيادي رحمتك أو أيادي لعنتك هي ما يلثم و يقبل دون أن يدري .
و إنما هي أسماء و أفعال و أوصاف .
و المسمى واحد .
و الفاعل واحد .
و الموصوف واحد .
لا إله إلا هو .
لا إله إلا الله .
الحمد له في الأول و الآخر .
رفعت الأقلام و طويت الصحف و انتهت الكلمات
. ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ إلهي .
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك .
أنت الفاعل سبحانك و أنت مجري الأقدار و الأحكام . و أنت الذي امتحنت و قويت و أضعفت و سترت و كشفت . و ما أنا إلا السلب و العدم . و كل توفيق لي كان منك و كل هداية لي كانت بفضلك و كل نور كان من نورك . ما أنا إلا العين و المحل و كل ما جرى علي من استحقاقي و كل ما أظهرت فيّ كان بعدلك و رحمتك . ما كان لي من الأمر شيء .
و هل لنا من الأمر شيء !؟
مولاي . يقولون إن أكبر الخطايا هي خطايا العارفين . و لكني أسألك يارب أين العارف أو الجاهل الذي استطاع أن يسلم من الفتنة دون رحمة منك . و أنت الذي سويت نفوسنا و خلقتها و وصفتها بأنها
( لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ) .
و أين من له الحول و القوة بدونك . و هذا جبريل يقول لنبيك لا حول من معصية إلا بعصمة الله و لا قوة على طاعة الله إلا بتمكين الله .
و هل استعصم الذين استعصموا إلا بعصمتك و هل تاب الذين تابوا إلا بتوبتك . و هل استغفروا إلا بمغفرتك .
إلهي . لقد تنفست أول ما تنفست بك و نطقت بك و سمعت بك و أبصرت بك و مشيت بك و اهتديت بك . و ضللت عندما خرجت عن أمرك .
سألتك يارب بعبوديتي أن ترفع عني غضبك . فها أنا ذا و قد خلعت عن نفسي كل الدعاوي و تبرأت من كل حوْل و طوْل و لبست الذل في رحاب قدرتك .
إنك لن تضيعني و أنا عبدك .
لن تضيع عبداً ذل لربوبيتك و خشع لجلالك .
و كيف يضيع عبد عند مولىً رحيم فكيف إذا كان هذا المولى هو أرحم الراحمين .
ربّ اجذبني إليك بحبلك الممدود لأخرج من ظلمتي إلى نورك و من عدميتي إلى وجودك و من هواني إلى عزتك . فأنت العزيز حقاً الذي لن تضرك ذنوبي و لن تنفعك حسناتي .
إن كل ذنوبنا يارب لن تنقص من ملكك .
و كل حسناتنا لن تزيد من سلطانك .
فأنت أنت المتعال على كل ما خلقت المستغني عن كل ما صنعت .
و أنت القائل :
هؤلاء في الجنة و لا أبالي و هؤلاء في النار و لا أبالي .
و أنت القائل على لسان نبيك :
( ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم )
فها أنا أدعوك فلا أكف عن الدعاء . فأنا المحتاج. أنا المشكلة . و أنا المسألة .
أنا العدم و أنت الوجود فلا تضيعني .
عاوني يارب على أن اتخطى نفسي إلى نفسي . أتخطى نفسي الأمارة الطامعة في حيازة الدنيا إلى نفسي الطامعة فيك في جوارك و رحمتك و نورك و وجهك .
لقد جربت حيازة كل شيء فما ازددت إلا فقراً و كلما طاوعت رغائبي ازدادت جوعاً و إلحاحاً و تنوعاً .
حينما طاوعت شهوتي إلى المال ازددت بالغنى طمعاً و حرصاً و حينما طاوعت شهوتي إلى النساء ازددت بالإشباع عطشاً و تطلعاً إلى التلوين و التغيير . و كأنما أشرب من ماء مالح فأزداد على الشرب ظمأً على ظمأ .
و ما حسبته حرية كان عبودية و خضوعاً للحيوان المختفي تحت جلدي ثم هبوطاً إلى درك الآلية المادية و إلى سجن الضرورات و ظلمة الحشوة الطينية و غلظتها .
كنت أسقط و أنا أحسب أني أحلق و أرفرف .
و خدعني شيطاني حينما غلف هذه الرغبات بالشعر و زوقها بالخيال الكاذب و زينها بالعطور و زفها في أبهة الكلمات و بخور العواطف ، و لكن صحوة الندم كانت توقظني المرة بعد المرة على اللاشيء و الخواء .
إلهي . لم تعد الدنيا و لا نفسي الطامعة في الدنيا و لا العلوم التي تسخر لي هذه الدنيا و لا الكلمات التي احتال بها على هذه الدنيا . مرادي و لا بضاعتي .
و إنما أنت وحدك مرادي و مقصودي و مطلوبي فعاوني بك عليك و خلصني بك من سواك و أخرجني بنورك من عبوديتي لغيرك فكل طلب لغيرك خسار .
أنت أنت وحدك . و ما أرتضي مشوار هذه الدنيا إلا لدلالة هذا المشوار عليك و ما يبهرني الجمال إلا لصدوره عنك و ما أقصد الخير و لا العدل و الحرية و لا الحق إلا لأنها تجليات و أحكام أسمائك الحسنى يامن تسميت بأنك الحق .
و لكن تلك هجرة لا أقدر عليها بدونك و نظرة لا أقوى عليها بغير معونتك . فعاوني و اشدد أزري . فحسبي النية و المبادرة فذلك جهد الفقير . فليس أفقر مني . و هل بعد العدم فقر . و قد جئت إلى الدنيا معدماً و أخرج منها معدماً و أجوزها معدماً . زادي منك و قوتي منك و رؤيتي منك و نوري منك .
و اليوم جاءت الهجرة الكبرى التي أعبر فيها بحار الدنيا دون أن أبتل و أخوض نارها دون أن أحترق . فكيف السبيل إلى ذلك دون يدك مضمومة إلى يدي .
و هل يدي إلا من صنع يدك ؟ . و هل يدي إلا من يدك ؟!
و هل هناك إلا يد واحدة ؟
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .
سبحانك لا أرى لي يداً .
سبحانك لا أرى سواك .
لا إله إلا الله .
لا إله إلا الله حقاً و صدقاً .
و ذاتك هي واحدة الحسن .
الحسن كله منها .
و الحب كله لها .
و يدك هي واحدة المشيئة .
الفعل كله منها و القوة كلها بها و إن تعددت الأيدي في الظاهر و ظن الظانون تعدد المشيئات . و إن تعدد المحبون و تعددت المحبوبات . ما يركع الكل إلا على بابك و ما يلثم الكل إلا أعتابك . مؤمنون و كفرة . و إن ظن الكافر أنه يلثم ديناراً أو يقبل خداً فإنما هي أيادي رحمتك أو أيادي لعنتك هي ما يلثم و يقبل دون أن يدري .
و إنما هي أسماء و أفعال و أوصاف .
و المسمى واحد .
و الفاعل واحد .
و الموصوف واحد .
لا إله إلا هو .
لا إله إلا الله .
الحمد له في الأول و الآخر .
رفعت الأقلام و طويت الصحف و انتهت الكلمات. ❝
❞ الحب قصة جميلة .. الموت مؤلفها..
الحياة حرارة .. و احتراق .. الموت نسيجها .. و الهلاك صميمها.
أجسادنا تتساقط و هي تمشي .. في كل لحظة هناك شيء يتساقط منها..
و كلما حياتنا كلما تآكلت في نفس الوقت..
العدم كامن في الوجود .. كامن في أجسادنا .. كامن في إحساساتنا و مشاعرنا..
الخوف .. الشك .. التردد .. القلق .. الكسل .. التراخي .. اليأس .. القنوط .. كل هذه علامات
سكون في الشعور .. كلها إحساسات عدمية تفسيرها الوحيد أن هناك فجوة في تكويننا .. فجوة نراها
بعين الشعور فنخاف و نجزع و نقلق..
فجوة نطل عليها من داخلنا و إن كنا لا نراها بعيننا الواعية .. و لا نتذكرها إلا حينما يقال لنا .. فلان
مات.
مات .. ؟! مات ازاي ده كان لسه سهران معانا امبارح لنص الليل .. شيء عجيب..
و نمصمص شفاهنا .. ثم ننسى كل شيء و نعود إلى حياتنا الآلية .. و لكن عيننا الداخلية تظل مطلة
على هذه الفجوة .. و باطننا يظل يرتجف .ذا القلق المبهم..
الموت بالنسبة لكل منا .. أزمة .. و سؤال .. يبعث على الدهشة و القلق .. والذعر.
و لكنه بالنسبة للكون شيء آخر.
إنه بالنسبة للكون ضرورة و فضيلة .. و خير..
الموت و الحياة حينما ننظر لهما من بعيد .. و هما يعملان في الكون يظهران و هما يخلقان الواقع.
الموت يبدو مكملاً للحياة .. يبدو كالبستاني الذي يقتلع النباتات الفاسدة و يسوي الأرض و يحرثها
ليفسح ا.ال للبذور الصغيرة الرقيقة لتطرح ثمارها.
يبدو كالرسام الذي يمحو بفرشاته خطاً ليثبت على اللوحة خطاً جديد أفضل منه.
يبدو خالقاً في ثوب هدام .. فهو يهدم حائط الجسد .. لأن خلف الحائط يوجد ماء الحياة الجاري.
حاول أن تتخيل الدنيا بلا موت .. الدنيا من أيام آدم .. و المخلوقات و هي تتراكم فيها .. و لا تموت
.
الناس .. و الذباب .. و الضفادع .. و الحشائش .. و الديدان .. و هي تتراكم .. و يصعد بعضها على
أكتاف بعض .. حتى تسد عين الشمس..
إن الحياة تبدو شيئاً كالاختناق..
إن الكائن الحي يحب نفسه فقط .. و يحب اللحظة الصغيرة التي يعيشها و لهذا يكره الموت .. و لكن
الموت يحب كل اللحظات و يحب الزمن .. و يحب المستقبل .. و لهذا يتساقط الناس من غرباله كالنشارة
ليقوم على أشلائهم ناس آخرون أحسن منهم و هكذا دواليك.
الموت هو عملية المونتاج التي تعمل في الشريط الوجودي كله فتقصه إلى عدة لقطات واقعية .. كل منها
له عمر محدود..
و الموت يخلق واقع الأشياء الجامدة أيضاً كما يخلق واقع المخلوقات الحية.
الأشياء الجامدة لها .اية .. و العين تدركها لأن لها .اية .. .اية في الطول و العرض و العمق .. و لو
كانت لا .ائية في طولها و عرضها و عمقها لاختفت .. و لأصبحت عالية في الإدراك .. غير موجودة
..
إن التناهي هو الذي يوجدها..
و التناهي هو الموت.
كل ما في الكون من إنسان و حيوان و نبات و جماد إذن متناهٍ له حدود .. الموت يأكل أطرافه .. و
يقص حواشيه .. و يبرزه .. و يوجده و يخلقه في نفس الوقت..
الموت فضيلة و خير بالنسبة للكون كله لأن به تكون الأشياء موجودة و تكون المخلوقات مضطربة
بالشعور و الحياة.
و لكنه شر الرذائل بالنسبة للإنسان الفرد .. بالنسبة لك أنت .. و لي أنا .. لأنه ينفقنا كضرائب إنشاء
و تعمير .. و يقدمنا قرابين على مذبح الوجود.
و نحن لا نفهم هذا النوع من القربان .. و لا نستطيع أن نفهمه لأنه قربان فظيع .. و تضحية معناها أن
نموت و ذلك.
نحن نعيش في مأساتنا الشخصية .. و نرى الموت كفجوة تفغر فاها تحت أقدامنا فنتشبث بأي شيء نجده
حولنا .. و نتشبث بها و نحتمي من الجرف الذي ينهار تحتنا.
و نبصر بالمرأة تمد لنا يديها و قلبها و جسدها .. و تتراقص مثل كوبري عائم على نهر الفناء .. فنهرع
إليها محاولين النجاة .. و نشعر بجنون اللذة و السرور و الفرح و نحن بين ذراعيها .. نشعر بأننا نولد من
جديد .. و نبعث .. و نهرب من المصير..
و نموت .. و لكن بعد أن نكون قد زرعنا صورتنا في جسدها و قمنا بتهريب جزء من وجودنا عبر هذا
الكوبري الجميل من اللحم و الدم .. الذي مدته لنا مع ابتسامتها.
إن الحب كله قصة جميلة .. مؤلفها الموت نفسه .. و ليس الحب فقط .. بل كل العواطف و التروات و
المخاوف و الآمال و شطحات الخيال و الفكر و الفن و الأخلاق .. كل هذه القيم العظيمة تدين
للموت بوجودها.
أعطني أي مثال أخلاقي .. و أنا أكشف لك عن الموت في مضمونه.
الشجاعة قيمتها في أنها تتحدى الموت.
و الإصرار قيمته في أنه يواجه الموت .. و هكذا كل مثل أخلاقي .. قوته في أنه يواجه مقاومة .. و هو
ينهار .. و ينهار مضمونه حينما لا تكون هناك مقاومة في مواجهته.
الفنان و الفيلسوف و رجل الدين ثلاثة يقفون على بوابة الموت..
الفيلسوف يحاول أن يجد تفسيراً..
و رجل الدين يحاول أن يجد سبيلاً للاطمئنان..
و الفنان يحاول أن يجد سبيلاً إلى الخلود .. يحاول أن يترك مولوداً غير شرعي على الباب يخلد اسمه ..
قطعة موسيقية أو تمثالاً أو قصة أو قصيدة.
كلنا يخلقنا الموت .. الموت المدهش.
لو لم نكن نموت لما شعرنا بالحب .. فما الحب إلا هيستريا التشبث و التعلق بالحياة .. و محاولة تهريبها
كالمخدرات في بطون الأمهات.
و ما الداعي إلى أخلاق في مجتمع من الخالدين .. إن الأخلاق هي الخرسانة و المسلح الذي ندعم به
بيوتنا المنهارة .. و نمسك به هياكلنا الفانية .. فإذا كنا من الخالدين لا نمرض و لا نموت و لا نضعف و
لا يصيبنا شر فما لزوم الأخلاق.
إن كل ما هو جميل و خير و حسن في مجتمعنا خارج من هذه الفجوة .. الموت.
و كل ما هو جميل في إنسانيتنا خارج من هذه الفجوة أيضاً.
إن حياتنا غير منفصلة عن موتنا .. فكل منهما مشروط بالآخر.
و الأصدق أن نقول أنه لا توجد حالتان .. حياة و موت .. و لكن حالة واحدة هي الصيرورة .. حالة
متناقضة في داخلها و محتوية على الاثنين معاً : الحياة و الموت..
حالة متحركة نابضة صائرة من حياة إلى موت و من موت إلى حياة و في كل لحظة منها تحمل
الجرثومتين , جرثومة نموها و جرثومة فنائها في نفس الوقت.
و هما جرثومتان لا هدنة بينهما .. و لا تعادل و إنما صراع و توتر و تمزق و شرر متطاير مثل الشرر
الذي يتطاير من قطبي الكهرباء السالب و الموجب حينما يلتقيان .. و هما مثلهما أيضاً .. تبعثان حرارة
و نوراً .. هما العاطفة و الوعي اللذان يندلعان في عقل الإنسان الذي يعيش هذا الصراع بسالبه و موجبه
..
و هو الصراع يبدو فيه العنصر الموجب أقوى من السالب .. و تبدو الحياة غلابة صاعدة منتصرة..
* * *
كلام جميل .. و لكنه مع هذا كله لا يجعل الموت جميلاً في عيوننا.
إنه يفشل حتى في الاعتذار لنا عن عزرائيل و أفعاله .. حتى و لو كانت في صالح الكون .. فمالنا و
الكون .. نحن كون في ذاتنا .. و عزرائيل ينتهك أطهر حرماتنا , نفوسنا .. أنا .. و أنت.
إن أجمل اللحظات في حياتي هي التي أقول فيها .. أنا فعلت .. أنا قدمت .. أنا أنجزت .. أنا اخترعت
..أنا .. أنا..
لا يوجد شيء في وجودي .. أو وجودك .. أغلى من هذه الكلمة الصغيرة .. أنا .. فكيف يمكن أن
أتصور أن أموت..
إني أستطيع إحداث الموت .. أستطيع أن أقتل و أن أنتحر..
كيف يكون الموت أحد اختراعاتي ؟؟ ..وأكون أنا أحد ضحاياه في نفس الوقت.
أين اللغز الحقيقي .. أهو الموت .. أم هو هذه الكلمة الصغيرة .. أنا ؟..
..
مقال / عملية تهريب
من كتاب / لغز الموت
للدكتور مصطفي محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ الحب قصة جميلة . الموت مؤلفها.
الحياة حرارة . و احتراق . الموت نسيجها . و الهلاك صميمها.
أجسادنا تتساقط و هي تمشي . في كل لحظة هناك شيء يتساقط منها.
و كلما حياتنا كلما تآكلت في نفس الوقت.
العدم كامن في الوجود . كامن في أجسادنا . كامن في إحساساتنا و مشاعرنا.
الخوف . الشك . التردد . القلق . الكسل . التراخي . اليأس . القنوط . كل هذه علامات
سكون في الشعور . كلها إحساسات عدمية تفسيرها الوحيد أن هناك فجوة في تكويننا . فجوة نراها
بعين الشعور فنخاف و نجزع و نقلق.
فجوة نطل عليها من داخلنا و إن كنا لا نراها بعيننا الواعية . و لا نتذكرها إلا حينما يقال لنا . فلان
مات.
مات . ؟! مات ازاي ده كان لسه سهران معانا امبارح لنص الليل . شيء عجيب.
و نمصمص شفاهنا . ثم ننسى كل شيء و نعود إلى حياتنا الآلية . و لكن عيننا الداخلية تظل مطلة
على هذه الفجوة . و باطننا يظل يرتجف .ذا القلق المبهم.
الموت بالنسبة لكل منا . أزمة . و سؤال . يبعث على الدهشة و القلق . والذعر.
و لكنه بالنسبة للكون شيء آخر.
إنه بالنسبة للكون ضرورة و فضيلة . و خير.
الموت و الحياة حينما ننظر لهما من بعيد . و هما يعملان في الكون يظهران و هما يخلقان الواقع.
الموت يبدو مكملاً للحياة . يبدو كالبستاني الذي يقتلع النباتات الفاسدة و يسوي الأرض و يحرثها
ليفسح ا.ال للبذور الصغيرة الرقيقة لتطرح ثمارها.
يبدو كالرسام الذي يمحو بفرشاته خطاً ليثبت على اللوحة خطاً جديد أفضل منه.
يبدو خالقاً في ثوب هدام . فهو يهدم حائط الجسد . لأن خلف الحائط يوجد ماء الحياة الجاري.
حاول أن تتخيل الدنيا بلا موت . الدنيا من أيام آدم . و المخلوقات و هي تتراكم فيها . و لا تموت
.
الناس . و الذباب . و الضفادع . و الحشائش . و الديدان . و هي تتراكم . و يصعد بعضها على
أكتاف بعض . حتى تسد عين الشمس.
إن الحياة تبدو شيئاً كالاختناق.
إن الكائن الحي يحب نفسه فقط . و يحب اللحظة الصغيرة التي يعيشها و لهذا يكره الموت . و لكن
الموت يحب كل اللحظات و يحب الزمن . و يحب المستقبل . و لهذا يتساقط الناس من غرباله كالنشارة
ليقوم على أشلائهم ناس آخرون أحسن منهم و هكذا دواليك.
الموت هو عملية المونتاج التي تعمل في الشريط الوجودي كله فتقصه إلى عدة لقطات واقعية . كل منها
له عمر محدود.
و الموت يخلق واقع الأشياء الجامدة أيضاً كما يخلق واقع المخلوقات الحية.
الأشياء الجامدة لها .اية . و العين تدركها لأن لها .اية . .اية في الطول و العرض و العمق . و لو
كانت لا .ائية في طولها و عرضها و عمقها لاختفت . و لأصبحت عالية في الإدراك . غير موجودة
.
إن التناهي هو الذي يوجدها.
و التناهي هو الموت.
كل ما في الكون من إنسان و حيوان و نبات و جماد إذن متناهٍ له حدود . الموت يأكل أطرافه . و
يقص حواشيه . و يبرزه . و يوجده و يخلقه في نفس الوقت.
الموت فضيلة و خير بالنسبة للكون كله لأن به تكون الأشياء موجودة و تكون المخلوقات مضطربة
بالشعور و الحياة.
و لكنه شر الرذائل بالنسبة للإنسان الفرد . بالنسبة لك أنت . و لي أنا . لأنه ينفقنا كضرائب إنشاء
و تعمير . و يقدمنا قرابين على مذبح الوجود.
و نحن لا نفهم هذا النوع من القربان . و لا نستطيع أن نفهمه لأنه قربان فظيع . و تضحية معناها أن
نموت و ذلك.
نحن نعيش في مأساتنا الشخصية . و نرى الموت كفجوة تفغر فاها تحت أقدامنا فنتشبث بأي شيء نجده
حولنا . و نتشبث بها و نحتمي من الجرف الذي ينهار تحتنا.
و نبصر بالمرأة تمد لنا يديها و قلبها و جسدها . و تتراقص مثل كوبري عائم على نهر الفناء . فنهرع
إليها محاولين النجاة . و نشعر بجنون اللذة و السرور و الفرح و نحن بين ذراعيها . نشعر بأننا نولد من
جديد . و نبعث . و نهرب من المصير.
و نموت . و لكن بعد أن نكون قد زرعنا صورتنا في جسدها و قمنا بتهريب جزء من وجودنا عبر هذا
الكوبري الجميل من اللحم و الدم . الذي مدته لنا مع ابتسامتها.
إن الحب كله قصة جميلة . مؤلفها الموت نفسه . و ليس الحب فقط . بل كل العواطف و التروات و
المخاوف و الآمال و شطحات الخيال و الفكر و الفن و الأخلاق . كل هذه القيم العظيمة تدين
للموت بوجودها.
أعطني أي مثال أخلاقي . و أنا أكشف لك عن الموت في مضمونه.
الشجاعة قيمتها في أنها تتحدى الموت.
و الإصرار قيمته في أنه يواجه الموت . و هكذا كل مثل أخلاقي . قوته في أنه يواجه مقاومة . و هو
ينهار . و ينهار مضمونه حينما لا تكون هناك مقاومة في مواجهته.
الفنان و الفيلسوف و رجل الدين ثلاثة يقفون على بوابة الموت.
الفيلسوف يحاول أن يجد تفسيراً.
و رجل الدين يحاول أن يجد سبيلاً للاطمئنان.
و الفنان يحاول أن يجد سبيلاً إلى الخلود . يحاول أن يترك مولوداً غير شرعي على الباب يخلد اسمه .
قطعة موسيقية أو تمثالاً أو قصة أو قصيدة.
كلنا يخلقنا الموت . الموت المدهش.
لو لم نكن نموت لما شعرنا بالحب . فما الحب إلا هيستريا التشبث و التعلق بالحياة . و محاولة تهريبها
كالمخدرات في بطون الأمهات.
و ما الداعي إلى أخلاق في مجتمع من الخالدين . إن الأخلاق هي الخرسانة و المسلح الذي ندعم به
بيوتنا المنهارة . و نمسك به هياكلنا الفانية . فإذا كنا من الخالدين لا نمرض و لا نموت و لا نضعف و
لا يصيبنا شر فما لزوم الأخلاق.
إن كل ما هو جميل و خير و حسن في مجتمعنا خارج من هذه الفجوة . الموت.
و كل ما هو جميل في إنسانيتنا خارج من هذه الفجوة أيضاً.
إن حياتنا غير منفصلة عن موتنا . فكل منهما مشروط بالآخر.
و الأصدق أن نقول أنه لا توجد حالتان . حياة و موت . و لكن حالة واحدة هي الصيرورة . حالة
متناقضة في داخلها و محتوية على الاثنين معاً : الحياة و الموت.
حالة متحركة نابضة صائرة من حياة إلى موت و من موت إلى حياة و في كل لحظة منها تحمل
الجرثومتين , جرثومة نموها و جرثومة فنائها في نفس الوقت.
و هما جرثومتان لا هدنة بينهما . و لا تعادل و إنما صراع و توتر و تمزق و شرر متطاير مثل الشرر
الذي يتطاير من قطبي الكهرباء السالب و الموجب حينما يلتقيان . و هما مثلهما أيضاً . تبعثان حرارة
و نوراً . هما العاطفة و الوعي اللذان يندلعان في عقل الإنسان الذي يعيش هذا الصراع بسالبه و موجبه
.
و هو الصراع يبدو فيه العنصر الموجب أقوى من السالب . و تبدو الحياة غلابة صاعدة منتصرة.
**
كلام جميل . و لكنه مع هذا كله لا يجعل الموت جميلاً في عيوننا.
إنه يفشل حتى في الاعتذار لنا عن عزرائيل و أفعاله . حتى و لو كانت في صالح الكون . فمالنا و
الكون . نحن كون في ذاتنا . و عزرائيل ينتهك أطهر حرماتنا , نفوسنا . أنا . و أنت.
إن أجمل اللحظات في حياتي هي التي أقول فيها . أنا فعلت . أنا قدمت . أنا أنجزت . أنا اخترعت
.أنا . أنا.
لا يوجد شيء في وجودي . أو وجودك . أغلى من هذه الكلمة الصغيرة . أنا . فكيف يمكن أن
أتصور أن أموت.
إني أستطيع إحداث الموت . أستطيع أن أقتل و أن أنتحر.
كيف يكون الموت أحد اختراعاتي ؟؟ .وأكون أنا أحد ضحاياه في نفس الوقت.
أين اللغز الحقيقي . أهو الموت . أم هو هذه الكلمة الصغيرة . أنا ؟.
.
مقال / عملية تهريب
من كتاب / لغز الموت
للدكتور مصطفي محمود (رحمه الله). ❝
❞ كانا يتمشيان على النيل و الشمس تغيب في الأفق و النسيم يداعب أغصان الشجر ..
قال و هو يمسك يدها في حب : أتعرفين ماذا تحت قدميك الآن ؟
قالت : ماذا تعني ؟!
أتعرفين على ماذا تقفين .. ؟
نظرت إليه تنتظر أن يكمل !
قال : هل تصدقين أن تحت قدميك عصراً رومانياً .. و عصراً فاطمياً .. و عصراً تركياً .. و عصراً فرعونياً و عصراً حجرياً ,
أكاد أسمع صهيل الخيل ، و جلجلة السلاح ,
أكاد أرى الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر
أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان ,
أكاد أرى الدموع تلمع على خدود آلت ترابا ...
أين ذهب الغضب ؟؟ .. أين ذهب الجنون ؟؟ .. أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟ .. أين ذهب الحقد و الحسد الذي كان في الصدرور !!
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها : ترى هل يبقى شيء من حبنا ؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء .. ؟
قال ضاحكاً : في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة
قالت : هل هذا رأيك ؟
قال : هذا حال أكثرُ الناس
قالت : وهل نحن من أكثر الناس ؟
قال : كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا - و هم يبكون - أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل ...
قالت : ألم يصدق بعضهم ؟
قال : نعم ، أقل القليل .. الذين استودعوا عند الله شيئاً .. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع ....
و أردف و هو ينظر إلى السماء : الذين أحبوا بعضهم فيه .. و نظروا إلى بعضهم في مرآته .. الذين أفشوه أسرارهم .. و أسلموه اختيارهم .. فأصبح هو مرادهم .. هؤلاء أهله .. الذين هم إليه وليسوا للتراب ...
قالت و هي تنظر في عينيه : و أين نحن من هؤلاء ؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء : الكل يدّعي أنه من هؤلاء .. لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صدق الدعوى ! .. و لهذا خلق الله الدنيا ، ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحق...
قالت : ألا ترى نفسك مخلصاً ؟
قال : لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه .. و ما أكثر ما يستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ، ثم أردف : الإخلاص ، هو أخفى الخفايا .. و هو سر لا يكاد يطلع عليه إلا الله !
قالت و يدها ترتجف في يده : إني خائفة
قال : و أنا أعيش هذا الخوف الجميل .. خوف يدعونا يدفعنا إلى إحسان العمل .. خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء .. لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور ... ألم يقل أبو بكر الصديق الصديق : مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف ، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل .. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون
قالت : ولماذا يمكر الله بنا ؟
قال : مكر الله ليس كمكرنا ..فنحن نمكر لنخفي الحقيقة .. أما الله فيمكر ليظهرها .. و هو يمكر بالمدعي ، حتى يُظهره على حقيقة نفسه ، فهو خير الماكرين
قالت : ألا توجد راحة ؟
قال : ليس دون المنتهى راحة
قالت : و متى نبلغ المنتهى ؟
قال : عنده .... \"و إنّ إلى ربكَ المنتهى\"
من كتاب / علـم نفـس قـرآنــي جــديد
للدكتور / مصطفى محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ كانا يتمشيان على النيل و الشمس تغيب في الأفق و النسيم يداعب أغصان الشجر .
قال و هو يمسك يدها في حب : أتعرفين ماذا تحت قدميك الآن ؟
قالت : ماذا تعني ؟!
أتعرفين على ماذا تقفين . ؟
نظرت إليه تنتظر أن يكمل !
قال : هل تصدقين أن تحت قدميك عصراً رومانياً . و عصراً فاطمياً . و عصراً تركياً . و عصراً فرعونياً و عصراً حجرياً ,
أكاد أسمع صهيل الخيل ، و جلجلة السلاح ,
أكاد أرى الناس تختصم و تتصارع و تتزوج و تتاجر
أكاد أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان ,
أكاد أرى الدموع تلمع على خدود آلت ترابا ..
أين ذهب الغضب ؟؟ . أين ذهب الجنون ؟؟ . أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟ . أين ذهب الحقد و الحسد الذي كان في الصدرور !!
قالت له و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها : ترى هل يبقى شيء من حبنا ؟ أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لاشيء . ؟
قال ضاحكاً : في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلقُ به الفتاة لمدى لبسة واحدة . ثم بعد ذلك تتغير الموضة
قالت : هل هذا رأيك ؟
قال : هذا حال أكثرُ الناس
قالت : وهل نحن من أكثر الناس ؟
قال : كلُّ الذين تحت قدمكِ قد أقسموا - و هم يبكون - أن مابينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل ..
قالت : ألم يصدق بعضهم ؟
قال : نعم ، أقل القليل . الذين استودعوا عند الله شيئاً . فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع ..
و أردف و هو ينظر إلى السماء : الذين أحبوا بعضهم فيه . و نظروا إلى بعضهم في مرآته . الذين أفشوه أسرارهم . و أسلموه اختيارهم . فأصبح هو مرادهم . هؤلاء أهله . الذين هم إليه وليسوا للتراب ..
قالت و هي تنظر في عينيه : و أين نحن من هؤلاء ؟
قال و هو مازال ينظر إلى السماء : الكل يدّعي أنه من هؤلاء . لكن الزمن هو وحده الذي يكشف صدق الدعوى ! . و لهذا خلق الله الدنيا ، ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحق..
قالت : ألا ترى نفسك مخلصاً ؟
قال : لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم فما أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه . و ما أكثر ما يستدرج إلى ثقة في النفس مبالغ فيها ، ثم أردف : الإخلاص ، هو أخفى الخفايا . و هو سر لا يكاد يطلع عليه إلا الله !
قالت و يدها ترتجف في يده : إني خائفة
قال : و أنا أعيش هذا الخوف الجميل . خوف يدعونا يدفعنا إلى إحسان العمل . خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء . لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور .. ألم يقل أبو بكر الصديق الصديق : مازلتُ أبيت على الخوف و أصحو على الخوف ، حتى لو رأيت إحدى قدمي تدخل الجنة فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل . فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون
قالت : ولماذا يمكر الله بنا ؟
قال : مكر الله ليس كمكرنا .فنحن نمكر لنخفي الحقيقة . أما الله فيمكر ليظهرها . و هو يمكر بالمدعي ، حتى يُظهره على حقيقة نفسه ، فهو خير الماكرين
قالت : ألا توجد راحة ؟
قال : ليس دون المنتهى راحة
قالت : و متى نبلغ المنتهى ؟
قال : عنده .. ˝و إنّ إلى ربكَ المنتهى˝
من كتاب / علـم نفـس قـرآنــي جــديد
للدكتور / مصطفى محمود (رحمه الله). ❝
❞ إلهي ..
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك ..
..
أناشيد الإثم و البراءة
د. مصطفى محمود رحمه الله
.... ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ إلهي .
إنك ترى نفسي و لا يراها سواك .
تراها كالبيت الكبير الذي تصدعت منه الجدران و تهاوت السقوف و انكفأت الموائد .
بيتاً مهجوراً يتعاوى فيه الذئاب و يلهو فيه القردة و تغرد العصافير .
ساعةً تتلألأ فيه الأنوار و تموج فيه أشعة القمر .
و ساعةً أخرى مظلماً مطموساً محطم المصابيح تسرح فيه العناكب .
مرةً تحنو عليه يد الربيع فتتفتح الزهور على نوافذه و تصدح البلابل و تغزل الديدان الحرير و تفرز النحلات الطنانة العسل.
و مرةً أخرى يأتي عليه الزلزال فلا يكاد يخلف جداراً قائماً لولا ذلك الحبل الممدود الذي ينزل بالنجدة من سماوات رحمتك .
حبل لا إله إلا أنت سبحانك .
.
أناشيد الإثم و البراءة
د. مصطفى محمود رحمه الله. ❝