❞ كان من أسباب انصرافي عن القرآن في شبابي ما قرأته عن أنهار العسل و أنهار الخمر في الجنة.. و أنا لا أحب العسل و لا أحب الخمر.. فاعتبرت هذه سذاجات و انسحب حكمي على القرآن ثم على الدين كله.
و الساذج في واقع الأمر.. لم يكن إلا أنا.
فأنا لم أحاول أن أتفهم النص القرآني و لا أن أعكف حتى على ظاهر عبارته فما بال باطنها.. و كنت في عجلة من أمري.. و كان الانصراف غايتي و شهوتي.. و غطت هذه الشهوة على كل شيء فضاعت معالم الحقيقة من أمامي.. و فاتتني أمور كانت شديدة الوضوح.
فماذا يقول القرآن في الجنة؟
(( مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ (15) )) [ محمد ]
و الآية تبدأ بأنها ضرب مثل. ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ.. )) و ليست إيرادا لأوصاف حرفية. فهذا أمر مستحيل لأن الجنة و الجحيم أمور غيبية بالنسبة لنا لا يمكن تصويرها في كلمات من قاموسنا.
تماما كما يسألك الطفل عن اللذة الجنسية.. فتحتار كيف تصفها له فهي بالنسبة له غيب خارج عن حدود خبراته تماما. و بعد أن تعجز عن توصيل المعنى إليه تقول على سبيل ضرب المثل و على سبيل التقريب.. إنها شيء مثل السكر.
لقد اخترت له شيئا من خبراته اليومية.
و مع ذلك فما أبعد المعنى.
و ما أبعد الفارق بين اللذة الجنسية و بين طعم السكر العادي المبتذل.
و بالمثل كان موقف القرآن في مخاطبة البدوي البسيط.
و كل أمنية البدوي الذي يعيش في هجير الصحراء أن يعثر على نبع ماء عذب. فكل ما يجد من مياه ما هي إلا ينابيع مالحة آسنة.
و كذلك اللبن.. فما أسرع ما يختمرو يتغير طعمه في حر الصحارى.. فيضرب له القرآن المثل من أعز ما يتمنى.
(( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا.. (26) )) [ البقرة ]
فكل الغاية هي تقريب تلك المعاني المستحيلة بقدر الإمكان.
و كل ما جاء عن الجنة و الجحيم ما هو إلا ألوان من ضرب المثال.. و ألوان من التقريب و ألوان من الرمز.
و في العهد القديم يصف ( أشعيا ) يوم الرضوان قائلا:
(( يصنع رب الجنود لجميع الشعوب في هذا الجبل وليمة سمائن و وليمة خمر و يمسح السيد الرب الدموع من كل الوجوه )).
و في تراتيل القديس ( أفرايم ):
(( و رأيت مساكن الصالحين.. رأيتهم تقطر منهم العطور و تزينهم ضفائر الفاكهة و الريحان.. و كل من عف عن الشهوات تلقته الحسان في صدر طهور )).
إنها صور مشتركة في جميع الأديان.
و لكن القرآن لا يتركنا في ضباب الأمثلة فما يلبث أن يقطع بالقول الفصل:
(( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) )) [ السجدة ]
إنه يحيل القضية كلها إلى غيب لا يمكن التعبير عنه بلغة الأرض.
هنا كل منى العين و القلب مما لا يمكن تصويره بألفاظ.
أما جهنم فهي شيء فظيع.. لا هي بالحياة و لا هي بالموت.
(( وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17) )) [ إبراهيم ]
(( فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ.. (24) )) [ البقرة ]
ثم يشرح لنا أكثر:
(( لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) )) [ الزمر ]
ها هو ذا يبين لنا حقيقة جديدة.. فيقول إنه يورد الألفاظ للتخويف. و لكنه ليس تخويفا على غير أساس.
إنه مثل تخويفك لابنك حين تحذره من إهمال نظافة أسنانه و تقول له: إذا لم تنظف أسنانك بالفرشاة فإن السوس سوف يأكل أسنانك.. تقول ذلك محبة منك و رحمة لطفلك.
و بالطبع.. السوس لن يأكل أسنانه.. إنما هي ميكروبات و فيروسات غير مرئية.
و لكن التخويف كان على أساس.. لأن ما سوف يحدث له إذا أهمل نظافة أسنانه سيكون ألعن من أكل السوس.
و من جرب الآلام الرهيبة لضرس مسوس.. يعرف أنها أسوأ من كل ما سمع من تحذيرات.
إنه تخويف العزيز الرحيم من شيء سوف يحدث بالفعل و سيكون أسوأ من جميع ما قيل و كتب.. مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر.
إن العذاب حق.. و الثواب حق.
و هنا يعترض معترض.
ألا يتنافى مع رحمة الله و مع عظمته أن يعذب.. و يعذب من !.. إنسانا مسكينا لا يساوي ذرة أو هباء في مملكة الله اللانهائية.
و هو اعتراض كان يشغلني دائما و كان يصرفني دائما عن قبول فكرة العذاب و بالتالي عن القرآن و عن الدين كله.
و السؤال يحتاج منا إلى أن نتعمق في معنى كلمة عذاب.
و الله بالفعل لا يعذب.
إنما هو فقط يعدل.
و لو أنه ساوى في آخرته بين ظالم و مظلوم.. و بين قتيل و القاتل الذي قتله.. لو أنه فعل ذلك بحجة الرحمة لكان أبعد ما يمكن عن الرحمة.. و عن العدل.. فالمساواة بين غير المتساويين ظلم فادح.. تعالى الله عن أن يقع فيه.
ثم هي الفوضى أن يكون الأبيض في عين الله كالأسود، و الأعمى كالبصير، و الميت كالحي، و الذي يسمع كمن لا يسمع.
و الكون ينفي الفوضى.
تأمل كل جزئية في الكون تكشف لك عن النظام المحكم و القانون الذي لا يفوته واحد من ألف من المليجرام.
و حركة إليكترون من مدار إلى مدار في داخل الذرة لا تتم إلا بحساب، فهو لا بد أن يعطي حزمة من الطاقة ليقفز إلى الخارج قفزة مساوية، و لا بد له أن يمتص حزمة أخرى ليقفز إلى الداخل قفزة مساوية.. إنه محاسب في حركاته.. و هو إليكترون.. فما بال الإنسان العاقل و هو بالنسبة للإليكترون كالمجرة و الفلك بالنسبة للإنسان.. و قد نفخ الله فيه من روحه فهو شيء عظيم.. و ليس في هوان الذرة و لا الإليكترون.
ثم ما معنى أن يموت مظلوما و ظالما فيصبح ترابا بلا بعث و يذهب ما حصله من خير و شر و علم و حكمة سدى.
إنها تكون مجرد سخافة.
(( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) )) [ الجاثية ]
و هو ظن خاطئ.. لأن الحياة تكون به مجرد لعبة عبثية و باطل في باطل.
(( أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى (36) )) [ القيامة ]
و العقل المتأمل لا يقول هذا أبدا. إنه ليتفكر في خلق الكون و نواميس الفلك المحكمة و يهتف من أعماقه:
(( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ.. (191) )) [ آل عمران ]
مستحيل أن ينتهي كل هذا إلى باطل.. لا بد أن هناك استمرار بطريقة ما.. و لا بد أن يتضح لنا الحكمة من كل هذا في ميقاتها.
إتها قضية عدالة و قضية منطق و ليست قضية تعذيب لهدف التعذيب، و الذي سوف يحدث لنا بعد البعث هو أن كل واحد ستلازمه رتبته و درجته التي حصلها في الدنيا لا أكثر.
(( فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) )) [ الفرقان ]
فمن عاش لا يسمع و لا يعقل و لا يبصر الحق سوف يحشره الله أعمى:
(( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) )) [ طه ]
إنها مجرد صفتك تلازمك (( سوف يكون لزاما )).
إن الله لا يعذبك.. و لكنك تعذب نفسك بجهلك.
(( وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) )) [ النحل ]
من عاش حيوانا لا هم له إلا أن يأكل و يضاجع فهو في الحياة الثانية له رتبة الحيوان أو الرتبة السفلى بالنسبة لغيره ممن عاشوا يتأملون و يعقلون.
(( وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (72) )) [ الإسراء ]
و في الآخرة تتزايد الفروق و تتضاعف.. فما بين اثنين سوف يكون أكثر بمراحل من فارق الدرجة بين حيوان و إنسان.
(( انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) )) [ الإسراء ]
(( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ.. (124) )) [ الأنعام ]
إن هذا الصغار سيعذب و يحرق.. لأنه سيكون حسرة على صاحبه حينما يرى مكانته و مكانة الآخرين و مقدار ما خسر و مقدار ما كسبوا.
(( رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ.. (192) )) [ آل عمران ]
الله يعتبر الخزي في هذه الآية أشد من النار إيلاما.
و كما يصف الإنجيل هذا العالم الآخر (( عالم البكاء و صرير الأسنان )). المجرم فيه يصر على أسنانه ندما على ما يرى من هوان شأنه أمام الدرجات العالية التي أصابها الآخرون. و يصف القرآن أهل الجنة في تلك الدرجات بأنهم المقربون. المقربون من الله.. من الحق.
(( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) )) [ القمر ]
و يروي لنا أن الله يكلمهم و ينظر إليهم و أنهم على أسرة الملك متقابلون قد نزع الله ما في قلوبهم من غل فأصبحوا إخوانا متحابين.
و يصف الجنة بأنها دار السلام.. و أنه لا حرب فيها و لا كذب و لا لغو و لا سباب.
و بعد أن يستطرد في الآية الثانية و السبعين من سورة التوبة في وصف الجنات التي تجري من تحتها الأنهار و المساكن الطيبة في جنات عدن يختم الآية قائلا:
(( وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ (72) )) [ التوبة ]
و المعنى واضح.. إن مقام الرضا.. رضا الله أعظم من كل تلك اللذات المادية.
ثم يتأكد المعنى من هذه الآية في سورة الإسراء التي توصي بالتهجد في الليل.
(( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا (79) )) [ الإسراء ]
إنها إذن مسألة مقامات. كل واحد يبعث على رتبته و مقامه.
الله لا يعذب للعذاب.
و إنما يأتي العذاب و احتراق الصدر من إحساس من هم في أسافل الدرجات بالغيرة و الحسد و الهوان و الخسران الأبدي الذي لا مخرج منه.. و سوف يحرق هذا الإحساس الصدور كما تحرقها النار و أكثر.. و سوف يكون هو النكال و التنكيل.. ينكل الواحد منا بنفسه بالدرجة التي وضع نفسه فيها و التي انحدر إليها بأعماله في الدنيا.
و مما يدل على أن النار في الآخرة هي غير ما نعرف من نارنا هذه الآيات من سورة الأعراف:
(( وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُواْ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا ( حتى إذا أدرك بعضهم بعضا ) قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ (38) )) [ الأعراف ]
إنه حوار و مكالمة في النار تجرى بين المعذبين.. و في مثل نارنا لا يمكن أن يجرى حوار بين اثنين يحترقان.
و المعنى الثاني العميق في الآية (( لكل ضعف و لكن لا تعلمون )).
إن أمامنا اثنين يتعذب الواحد منهما ضعف الآخر مع أنهما في المكان نفسه، و معنى هذا أن العذاب في الشخص و ليس في المكان ذاته.. و هذا لا ينفي أن يكون العذاب المذكور حسيا، بل إنه من الممكن أن يكون معنويا و حسيا في نفس الوقت ( كما يحدث أن يتعرض اثنان للحر اللافح فيصاب أحدهما بالصداع على حين يتحمل الآخر بسبب اختلاف درجات اللياقة عند الإثنين ) و الصداع ألم حسي و معنوي.
و لا ينفي أن يكون نارا و لكنها نار غير ما نعرف من نارنا.
و يروي القرآن عن أهل الجنة و كيف أنهم يتذكرون و هم يأكلون فاكهة الجنة أنهم قد رزقوا أنواع هذه الفاكهة حينما كانوا على الأرض ( مع الفارق في الجودة ).
و كيف أن لهم زوجات في الجنة و لكنهن زوجات مطهرات ( لسن كزوجات الأرض يعانين الحيض و المخاض شكسات غيورات متسلطات ).
تقول الآية عن هؤلاء الصالحين في الجنة:
(( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) )) [ البقرة ]
و الجنة بهذه الصورة هي درجة و مقام.. فيها كل ما نعرف على الأرض و لكن مع تفاوت هائل في الرتبة.. تفاوت يفوق التصور.. تفاوت مثل التفاوت بين الزمن و الأبد و مثل التفاوت الذي ذكرناه بين طعم قطعة السكر و طعم اللذة الجنسية الحادة بالنسبة لبالغ.
و إذا ذكر العسل في مثل هذه الجنة فهو عسل و لكم لا كما نعرف من عسل، و اللبن هو اللبن و لكن لا كما نعرف من لبن، و النساء لا كما نعرف من نساء.
إنها ستكون أشياء مدهشة كالغيب بالنسبة لما نعلم.. يقول الشاعر عن امرأة يحبها إن جسمها يضيء كأنها صيغت من النور.. إنها أحلام يمكن أن تكون هناك حقائق.
و بالمثل ما يروي القرآن عن النار.. فهي نار لا كما نعرف من نار.. نار تنبت فيها شجرة لها ثمر ( شجرة الزقوم ).. و فيها ماء حميم يشربه أهلها.. و المعذبون فيها يتكلمون و يتحاورون فأجسادهم لا يمكن أن تكون لها نفس كيمياء الأجساد كما نعلمها و إلا لتبخرت دخانا في لحظات و لما استطاعوا أن يتبادلوا كلمة.
و معنى هذا أننا سوف نبعث أجسادا و لكن لا كالأجساد.. ربما كيانات لها ذات الهيئة و الصورة و لكن من مادة مختلفة هي بالنسبة لنا غيب.. إنها لن تكون الأجساد الترابية التي نتكون منها الآن في حياتنا الأرضية.
و لهذا يمكن أن تتضاعف المتع حسيا و معنويا بطريقة نجهلها.
كما تتضاعف درجات العذاب حسيا و معنويا عما نعلم و كما يتوزع الناس مراتب و درجات بحسب لياقتهم.. تكون لكل مرتبة مواصفاتها الحياتية التي تكفل لمن فيها حظوظا من السعادة أو الشقاء كل حسب قدره، و أتصور أن أعلى الناس قدرا في الجنة هم الذين سيرتفعون عن متع الحواس و جنة الحواس و يختار لهم الرحمن درجة الحياة الروحية الخالصة إلى جواره في سدرة المنتهى، حيث لا تكون اللذة هي لذة طعام و لا لذة شراب و لا لذة حور عين و إنما لذة النظر إلى الله في كماله و لذة تأمل الحق و الجمال و صورة الخير المطلق.
إنها لذة الجالس (( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) )) [ القمر ]
و هي مرتبة المفضلين من الأنبياء و من في مقامهم.
و هكذا تشتمل الجنة على جميع الدرجات من المتع الحسية من مأكل و مشرب ارتفاعا حتى المتع الروحية الخالصة ينال كل منا ما تؤهله له رتبته.
كل هذه آيات كواشف ذات دلالة تدلنا على أن النار ليست هي نارنا و لا الجنة هي سوق الخضار و لا الله هو الباطش الإرهابي.
و إنما الله سوف يبعث كل واحد على رتبته و مقامه و درجته، لأن هذا عين العدل و هو العادل.
و إنما سوف يتأتى العذاب من تفاوت الرتب تفاوتا عظيما، ثم بالسقوط في تقييم أبدي لا مخرج منه يلزم صاحبه كما تلزم الإصبع بصمتها.
و هو عذاب أكيد و جحيم أكيد سوف نراه عيانا و يقينا:
(( كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) )) [ التكاثر ]
و لأن الله يعلم أن هذا العذاب سوف يكون رهيبا.. فقد حذرنا و خوفنا بالألفاظ المجلجلة و أرسل لنا الأنبياء مبشرين منذرين مؤيدين بالمعجزات و الخوارق و الآيات و الكتب.. فعل ذلك رحمة منه و حنانا و عطفا.. و هو القائل في حديثه القدسي: (( سبقت رحمتي غضبي )).
و في سورة الفاتحة يصف نفسه أولا بأنه الرحمن الرحيم قبل أن يقول مالك يوم الدين.. و هو يوم الحساب.. يوم الغضب.. يوم يحق القول على العالمين بلا رجعة.
و لأنه رحيم فقد فتح باب التوبة و إصلاح الخطأ على مصراعيه.
(( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.. (53) )) [ الزمر ]
ثم أقام شروط المغفرة:
(( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) )) [ طه ]
و أمر بالصلاة.. ثم قال: (( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.. (45) )) [ العنكبوت ]
أن تتذكر أن هناك قوة إلهية و أن يشخص هذا المعنى في ذاكرتك و في أفعالك على الدوام.. ينجيك و يحقق لك شرط المؤمن و يكون أفضل من صلاة المصلي الذي ليس في قلبه ذكر.
و كلمة (( الذكر )) في القرآن كلمة عميقة المعنى و الدلالة. فالقرآن نفسه اسمه ذكر، و التدين و الإيمان هو مجرد تذكر:
(( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (9) )) [ الزمر ]
(( وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) )) [ الصافات ]
(( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) )) [ الحجر ]
(( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17) )) [ القمر ]
(( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) )) [ الغاشية ]
(( وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (29) )) [ ص ]
(( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201) )) [ الأعراف ]
و هنا ينبغي أن نقف وقفة تأمل طويلة.
فما هو هذا التذكر المطلوب.
إن أحدث النظريات النفسية تقول لنا: إن المعارف كلها تكون مخبوءة مكنوزة داخل نفس الإنسان و لكن تحجبها عنه غرائزه و شهواته.. و لهذا فالتعلم هو في حقيقته تذكر. بارتفاع حجب النفس و شفوفها.. و لا يكون تعلما من عدم.
فالطفل لا يتعلم أن ( 2 + 2 = 4 ) و إنما هو فقط يتذكر حقيقة باطنة في روحه، ولد بها.
و بالمثل الإحساس بالجمال و الطرب هو نوع من التذكر المبهم لعالم القدس و ما فيه.. عالم الملكوت الذي كنا فيه قبل النزول إلى الأرحام.
و لهذا السبب فإن جمال المرأة مثلا هو جمال زائر و ليس جمالا مقيما لأنه ليس جمالها هي.. و إنما هو ظل ينعكس عليها من الملكوت.. ثم ما يلبث أن يفارقها حينما يتغلب قانون المادة و الشيخوخة و التراب.
قبل ميلادنا.. كانت لنا ثمة حياة كأرواح.
و في ذلك تقول الآية القرآنية البديعة:
(( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) )) [ الأعراف ]
و الآية تروي ما كان في الغيب قبل الميلاد و قبل النزول إلى الدنيا.
و كل الخلائق مما خلق الله و يخلق و سيخلق مثل الذر في كفه ينظر إليهم و يشهدهم على أنفسهم.. ألست بربكم.. فيقولون بلى شهدنا.. و هو بهذا يأخذ عليهم ميثاقا غليظا لأنه يعلم أنه بعد الهبوط في الأرحام و انسدال حجاب اللحم الكثيف و نزول غشاوة الحواس و الشهوات و الغرائز و الأهواء أنهم سوف ينسون تماما.. و سوف يتخبطون في نكران وكفر و جهالة.
و هو.. رحمة منه يرسل لهم الأنبياء يذكرونهم.
و يقول لمحمد – صلى الله عليه و سلم - :
(( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ (22) )) [ الغاشية ]
و يقول عن الإيمان إنه حياة.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ.. (24) )) [ الأنفال ]
لأن اتصال الوجود الدنيوي بالتذكر بالوجود الملكوتي الأول ثم بالوجود الأخروي.. هو فطنة الإنسان إلى حياته بكاملها. و هي الحياة كل الحياة.
و الله ليس بحاجة إلى صلاتنا و لا إلى صيامنا و لكن نحن المحتاجون.. لعلنا في صلاتنا العميقة نتذكر و لعلنا بالعبادة و التوجه نتصل بنبع وجودنا.. و نستمد منه حياتنا.
إن الصلاة و العبادة استمداد. نحن الذين نحتاج إليها لتكون لنا حياة. و ليس الله.. لأن الله هو الحي بذاته المستغني بوجوده عن كل شيء.
أما نحن فلا يمكن أن تكون لنا حياة إلا بمدد منه.. من الله.. الحي الذي به الحياة.
و نفهم من هذا أن الله فرض الفروض ووضع شرائع العبادات من أجلنا و ليس من أجل أن يشعر بألوهيته. فهو في غنى عنا.. و في غنى عن أن يعذبنا.. و في غنى عن أن يطلب منا طلبا أو يفرض علينا فرضا.
(( مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ.. (147) )) [ النساء ]
لا مصلحة لله في تعذيب خلقه و لا حاجة له في ذلك.
و هو بالفعل لا يفرض علينا فرضا و لا يطالبنا بطلب و لا يقيم علينا عذابا، كل هذا يبدو من ظاهر العبارات فقط. أما باطن القرآن الذي يكشف نفسه لكل من جاهد في الفهم، إن الله هو الرحيم مطلق الرحمة، العادل مطلق العدل الذي يعطي مطلق العطاء و لا يأخذ شيئا و لا يحتاج لشيء.
و إذا كان في الدنيا ألوان من العذاب فهي من عيون رحمته.
(( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21) )) [ السجدة ]
إنها محاولات لإيقاظ العقل الغافل لعله يتذكر و يرجع و ينجو بنفسه من عذاب أكبر في الطريق. عذاب لن يكون منه مخرج و لا مهرب. حينما تحق على كل واحد رتبته و درجته.
و نفهم من القرآن أن سنة الله أن يوقظ الغافلين في الأرض فيبتليهم بكل صنوف البؤس و المرض و العذاب لعلهم يفطنون إلى ما في الدنيا من زوال و ما وراءها من حقيقة باقية.. يفعل هذا رحمة بهم و لأنه يعلم ما ينتظرهم من ناموس عادل لن يلطف بهم.. حتى إذا نفذت فيهم كل هذه الآلام الدنيوية و لم يتيقظوا.. فتح الله عليهم أبواب كنوزه ليتمتعوا.. و حقت عليهم كلمته بالهلاك في الآخرة.
(( وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44) )) [ الأنعام ]
فما يبدو لنا أنه نعمة قد يكون في الحقيقة نقمة:
(( فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55) )) [ التوبة ]
(( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ (56) )) [ المؤمنون ]
(( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (178) )) [ آل عمران ]
فليس الخير الظاهر في الدنيا و النعمة الغامرة بعلامة رضا الله في جميع الأحوال.. و لا عذاب الدنيا و بلائها بعلامة غضب الله في كل حال.. فقد يكون الخير غضبا و قد يكون البلاء لطفا.. و لا يكشف لك عن الحقيقة إلا صوت ضميرك.. إذا رأيت البلاء يطهرك فهو نعمة.. و إذا رأيت النعمة تطغيك فهي غضب.
ثم يتكلم القرآن عن أهل الجحيم:
(( إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) )) [ يونس ]
و إنهم إذ ينزل بهم عذاب الجحيم ليصطرخون متوسلين:
(( يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ.. (27) )) [ الأنعام ]
(( وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) )) [ الأنعام ]
إن الله يعلم أنهم لو ردوا للدنيا لعادوا إلى كبريائهم.
إنه جهل و إصرار على الجهل لا وسيلة لعلاجه.. لا الأنبياء و لا المعجزات و لا الخوارق و الآيات.. و لا حتى مرورهم على الجحيم بكاف لردهم إلى معرفة.
و من هنا يبدو البقاء في الجحيم رحمة، فهو بالنسبة لبعض الجبارين الوسيلة الوحيدة إلى المعرفة و التقويم.
إن الله رحيم دائما حتى في جحيمه.. و لهذا سمى نفسه (( الرحمن )).. أي الرحيم مطلق الرحمة في جميع الأحوال لمن يستحق و من لا يستحق.. يرحم من يستحق بالجنة و يرحم من لا يستحق بالجحيم.. فالجحيم كما رأينا هو تعريف لمن لا يعرف و لمن فشلت معه كل وسائل التعريف فهو نوع من الرحمة.. و لهذا يقول في أجمل آياته:
(( عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.. (156) )) [ الأعراف ]
فأدخل عذابه ضمن رحمته التي وسعت كل شيء، و يفسر لنا الحساب فيقول:
(( اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) )) [ الإسراء ]
و الحساب هنا يبدو أنه حساب النفس للنفس و تنكيل النفس بالنفس و مواجهة النفس للنفس.
لقد لزم كل واحد عمله كظله و لا خلاص.. و حق القول.. و نفذ العدل الأزلي.
و لكن هذه المعاني تضيع في النظرة المتعجلة و القراءة السطحية و الوقوف عند الحروف و عند جلجلة الألفاظ.
و الألفاظ التي وصف الله بها القيامة كلها ألفاظ رهيبة ذات جلجلة و صلصلة.. تقرع الآذان كالأجراس، فهي الساعة، و الواقعة، و القارعة، و الزلزلة، و الدمدمة، و الغاشية، و الراجفة، و الرادفة، و الزجرة، و السكرة، و الطامة، و الحاقة، و الصاخة.
هل سمعت لفظا اسمه (( الصاخة )) ؟!
إنه لفظ يخرق طبلة الأذن.. لأن الله علم أن الواحد منا في هذه الدنيا تتخطفه الشهوات و تبرق في عينيه المطامع فهو لا يعقل.. و هو أصم لا يسمع.
فهتف في أذنه بهذه الكلمة.. التي تكاد تخرق السمع من فرط ارتفاع ذبذبتها ليوقظه:
(( فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) )) [ عبس ]
فعل هذا رحمة و لطفا و حنانا.. تعالى الله عن أن يعذبنا شهوة في عذاب.
و ما العذاب إلا لزوم ما يلزم و حلول الصفة بموصوفها و انتظام الأرواح في سلم درجاتها الحق و انسدال الستار على هذا العالم الذي يتبارى فيه الناس على نوال ما لا يستحقون.
و نعطي مثلا لهذا التفاوت في الرتب فيما يشعر به كل منا في حياته الخاصة.. من تفاوت المستويات التي يمكن أن يعيش فيها.. لا نقصد مستويات الدخل.. و إنما نقصد شيئا أعمق.. نقصد المستويات الوجودية ذاتها.
فالواحد منا يمكن أن يعيش على مستوى متطلبات جسده، كل همه أن يأكل و يشرب و يضاجع كالبهيمة.
و يمكن أن يسكت ذلك السعار الجسدي ليستسلم لسعار آخر هو سعار النفس بين غيرة و حسد و غضب و شماتة و رغبة في السيطرة و جوع للظهور و تعطش للشهرة و استئثار لأسباب القوة بتكديس الأموال و الممتلكات و تربص لاصطياد المناصب.
و أكثر الناس لا يرتفعون عن هذه الدرجة و يموتون عليها و لا يكون العقل عندهم إلا وسيلة احتيال لبلوغ هذه الاسباب.
و الحياة بالنسبة لهذه الكثرة من الناس غابة و الشعور الطبيعي هو العدوان و تنازع البقاء و الصراع.. و الهدف هو التهام كل ما يمكن التهامه و انتهاز ما يمكن انتهازه.. و الواحد منهم تجده يتأرجح كالبندول من لهيب رغبة إلى لهيب رغبة أخرى.. يسلمه مطمع إلى مطمع و هو في ضرام من هذه الرغبات لا ينتهي.
و هناك قلة قليلة تكتشف زيف هذه الحياة و تصحو على إدراك واضح بأن هذا اللون من الحياة عبودية لا حرية.. و أنها كانت حياة أشبه بالسخرة و الأشغال الشاقة خضوعا لغرائز همجية لا تشبع و أطماع لا مضمون لها و لا معنى و لا قيمة.. كلها إلى زوال.
فتبدأ هذه القلة القليلة في إسكات هذا الصوت و في تكبيل هذه النفس الهائجة، و قد اكتشفت أنها حجاب على الرؤية و تشويش على الفهم.
و هكذا ترتفع هذه القلة القليلة في الرتبة لتعيش بمنطق آخر.. هو أن تعطي لا أن تأخذ.. و تحب لا أن تكره.. و تصبح هموم هذه القلة هي إدراك الحقيقة.
و على هذه القلة تنزل سكينة القلب فيتذكر الواحد منهم ماضيه حينما كان عبدا لسعار نفسه و كأنه خارج من جحيم !
و مثل هؤلاء يموتون و قد انعتقوا من وهم النفس و الجسد و بلغوا خلاصهم الروحي و أيقنوا حقيقة ذواتهم كأرواح كانت تبتلى في تجربة.
و ما أشبه الجسد – في الرتبة – بالتراب.. و النفس بالنار و الروح بالنور و هي مجرد ألفاظ للتقريب.. و لكنها تكشف لنا أن حكاية الرتب هي حكاية حقيقية.. و أن كل من يموت على رتبة يبعث عليها و أن هذا هو عين العدل و ليس تجبرا.. و قد يكون العذاب فوق الوصف إذا تجردت النفوس من أجسادها الترابية و لم يبق منها إلا سعار خالص و جوع بحت و اضطرام مطلق برغبات لا ترتوي ثم عدوان بين نفوس شرسة لا هدنة بينها و لا سلام و لا مصالحة إلى الأبد.. على عكس أرواح تتعايش في محبة و تتأمل الحق في عالم ملكوتي.
أكاد أجزم بأن ألفاظ القرآن بما فيها من جلجلة و صلصلة حينما تصف الجحيم إنما هي نذير حقيقي بعذاب فوق التصور و سوف نعذبه لأنفسنا بأنفسنا عدلا و صدقا على رتبة استحقها كل منا بعمله.. و أكاد أضع يدي على الحقيقة.. لا ريب فيها.
تعالى الله عن أن يعذبنا شهوة في عذاب.. و هو الحق العدل الحكم.
و في أخبار داود أن الله قال له:
(( يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني و جليس لمن جالسني و صاحب لمن صاحبني و مختار لمن اختارني.. و مطيع لمن أطاعني.. من طلبني بالحق وجدني و من طلب غيري لم يجدني )).
أنعم به من رب رحيم.. و تقدس و تعالى عن الظلم و العدوان.
~~. ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ كان من أسباب انصرافي عن القرآن في شبابي ما قرأته عن أنهار العسل و أنهار الخمر في الجنة. و أنا لا أحب العسل و لا أحب الخمر. فاعتبرت هذه سذاجات و انسحب حكمي على القرآن ثم على الدين كله.
و الساذج في واقع الأمر. لم يكن إلا أنا.
فأنا لم أحاول أن أتفهم النص القرآني و لا أن أعكف حتى على ظاهر عبارته فما بال باطنها. و كنت في عجلة من أمري. و كان الانصراف غايتي و شهوتي. و غطت هذه الشهوة على كل شيء فضاعت معالم الحقيقة من أمامي. و فاتتني أمور كانت شديدة الوضوح.
و الآية تبدأ بأنها ضرب مثل. ((مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ. )) و ليست إيرادا لأوصاف حرفية. فهذا أمر مستحيل لأن الجنة و الجحيم أمور غيبية بالنسبة لنا لا يمكن تصويرها في كلمات من قاموسنا.
تماما كما يسألك الطفل عن اللذة الجنسية. فتحتار كيف تصفها له فهي بالنسبة له غيب خارج عن حدود خبراته تماما. و بعد أن تعجز عن توصيل المعنى إليه تقول على سبيل ضرب المثل و على سبيل التقريب. إنها شيء مثل السكر.
لقد اخترت له شيئا من خبراته اليومية.
و مع ذلك فما أبعد المعنى.
و ما أبعد الفارق بين اللذة الجنسية و بين طعم السكر العادي المبتذل.
و بالمثل كان موقف القرآن في مخاطبة البدوي البسيط.
و كل أمنية البدوي الذي يعيش في هجير الصحراء أن يعثر على نبع ماء عذب. فكل ما يجد من مياه ما هي إلا ينابيع مالحة آسنة.
و كذلك اللبن. فما أسرع ما يختمرو يتغير طعمه في حر الصحارى. فيضرب له القرآن المثل من أعز ما يتمنى.
ها هو ذا يبين لنا حقيقة جديدة. فيقول إنه يورد الألفاظ للتخويف. و لكنه ليس تخويفا على غير أساس.
إنه مثل تخويفك لابنك حين تحذره من إهمال نظافة أسنانه و تقول له: إذا لم تنظف أسنانك بالفرشاة فإن السوس سوف يأكل أسنانك. تقول ذلك محبة منك و رحمة لطفلك.
و بالطبع. السوس لن يأكل أسنانه. إنما هي ميكروبات و فيروسات غير مرئية.
و لكن التخويف كان على أساس. لأن ما سوف يحدث له إذا أهمل نظافة أسنانه سيكون ألعن من أكل السوس.
و من جرب الآلام الرهيبة لضرس مسوس. يعرف أنها أسوأ من كل ما سمع من تحذيرات.
إنه تخويف العزيز الرحيم من شيء سوف يحدث بالفعل و سيكون أسوأ من جميع ما قيل و كتب. مما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر.
إن العذاب حق. و الثواب حق.
و هنا يعترض معترض.
ألا يتنافى مع رحمة الله و مع عظمته أن يعذب. و يعذب من !. إنسانا مسكينا لا يساوي ذرة أو هباء في مملكة الله اللانهائية.
و هو اعتراض كان يشغلني دائما و كان يصرفني دائما عن قبول فكرة العذاب و بالتالي عن القرآن و عن الدين كله.
و السؤال يحتاج منا إلى أن نتعمق في معنى كلمة عذاب.
و الله بالفعل لا يعذب.
إنما هو فقط يعدل.
و لو أنه ساوى في آخرته بين ظالم و مظلوم. و بين قتيل و القاتل الذي قتله. لو أنه فعل ذلك بحجة الرحمة لكان أبعد ما يمكن عن الرحمة. و عن العدل. فالمساواة بين غير المتساويين ظلم فادح. تعالى الله عن أن يقع فيه.
ثم هي الفوضى أن يكون الأبيض في عين الله كالأسود، و الأعمى كالبصير، و الميت كالحي، و الذي يسمع كمن لا يسمع.
و الكون ينفي الفوضى.
تأمل كل جزئية في الكون تكشف لك عن النظام المحكم و القانون الذي لا يفوته واحد من ألف من المليجرام.
و حركة إليكترون من مدار إلى مدار في داخل الذرة لا تتم إلا بحساب، فهو لا بد أن يعطي حزمة من الطاقة ليقفز إلى الخارج قفزة مساوية، و لا بد له أن يمتص حزمة أخرى ليقفز إلى الداخل قفزة مساوية. إنه محاسب في حركاته. و هو إليكترون. فما بال الإنسان العاقل و هو بالنسبة للإليكترون كالمجرة و الفلك بالنسبة للإنسان. و قد نفخ الله فيه من روحه فهو شيء عظيم. و ليس في هوان الذرة و لا الإليكترون.
ثم ما معنى أن يموت مظلوما و ظالما فيصبح ترابا بلا بعث و يذهب ما حصله من خير و شر و علم و حكمة سدى.
مستحيل أن ينتهي كل هذا إلى باطل. لا بد أن هناك استمرار بطريقة ما. و لا بد أن يتضح لنا الحكمة من كل هذا في ميقاتها.
إتها قضية عدالة و قضية منطق و ليست قضية تعذيب لهدف التعذيب، و الذي سوف يحدث لنا بعد البعث هو أن كل واحد ستلازمه رتبته و درجته التي حصلها في الدنيا لا أكثر.
الله يعتبر الخزي في هذه الآية أشد من النار إيلاما.
و كما يصف الإنجيل هذا العالم الآخر (( عالم البكاء و صرير الأسنان )). المجرم فيه يصر على أسنانه ندما على ما يرى من هوان شأنه أمام الدرجات العالية التي أصابها الآخرون. و يصف القرآن أهل الجنة في تلك الدرجات بأنهم المقربون. المقربون من الله. من الحق.
إنها إذن مسألة مقامات. كل واحد يبعث على رتبته و مقامه.
الله لا يعذب للعذاب.
و إنما يأتي العذاب و احتراق الصدر من إحساس من هم في أسافل الدرجات بالغيرة و الحسد و الهوان و الخسران الأبدي الذي لا مخرج منه. و سوف يحرق هذا الإحساس الصدور كما تحرقها النار و أكثر. و سوف يكون هو النكال و التنكيل. ينكل الواحد منا بنفسه بالدرجة التي وضع نفسه فيها و التي انحدر إليها بأعماله في الدنيا.
و مما يدل على أن النار في الآخرة هي غير ما نعرف من نارنا هذه الآيات من سورة الأعراف:
إنه حوار و مكالمة في النار تجرى بين المعذبين. و في مثل نارنا لا يمكن أن يجرى حوار بين اثنين يحترقان.
و المعنى الثاني العميق في الآية (( لكل ضعف و لكن لا تعلمون )).
إن أمامنا اثنين يتعذب الواحد منهما ضعف الآخر مع أنهما في المكان نفسه، و معنى هذا أن العذاب في الشخص و ليس في المكان ذاته. و هذا لا ينفي أن يكون العذاب المذكور حسيا، بل إنه من الممكن أن يكون معنويا و حسيا في نفس الوقت ( كما يحدث أن يتعرض اثنان للحر اللافح فيصاب أحدهما بالصداع على حين يتحمل الآخر بسبب اختلاف درجات اللياقة عند الإثنين ) و الصداع ألم حسي و معنوي.
و لا ينفي أن يكون نارا و لكنها نار غير ما نعرف من نارنا.
و يروي القرآن عن أهل الجنة و كيف أنهم يتذكرون و هم يأكلون فاكهة الجنة أنهم قد رزقوا أنواع هذه الفاكهة حينما كانوا على الأرض ( مع الفارق في الجودة ).
و كيف أن لهم زوجات في الجنة و لكنهن زوجات مطهرات ( لسن كزوجات الأرض يعانين الحيض و المخاض شكسات غيورات متسلطات ).
و الجنة بهذه الصورة هي درجة و مقام. فيها كل ما نعرف على الأرض و لكن مع تفاوت هائل في الرتبة. تفاوت يفوق التصور. تفاوت مثل التفاوت بين الزمن و الأبد و مثل التفاوت الذي ذكرناه بين طعم قطعة السكر و طعم اللذة الجنسية الحادة بالنسبة لبالغ.
و إذا ذكر العسل في مثل هذه الجنة فهو عسل و لكم لا كما نعرف من عسل، و اللبن هو اللبن و لكن لا كما نعرف من لبن، و النساء لا كما نعرف من نساء.
إنها ستكون أشياء مدهشة كالغيب بالنسبة لما نعلم. يقول الشاعر عن امرأة يحبها إن جسمها يضيء كأنها صيغت من النور. إنها أحلام يمكن أن تكون هناك حقائق.
و بالمثل ما يروي القرآن عن النار. فهي نار لا كما نعرف من نار. نار تنبت فيها شجرة لها ثمر ( شجرة الزقوم ). و فيها ماء حميم يشربه أهلها. و المعذبون فيها يتكلمون و يتحاورون فأجسادهم لا يمكن أن تكون لها نفس كيمياء الأجساد كما نعلمها و إلا لتبخرت دخانا في لحظات و لما استطاعوا أن يتبادلوا كلمة.
و معنى هذا أننا سوف نبعث أجسادا و لكن لا كالأجساد. ربما كيانات لها ذات الهيئة و الصورة و لكن من مادة مختلفة هي بالنسبة لنا غيب. إنها لن تكون الأجساد الترابية التي نتكون منها الآن في حياتنا الأرضية.
و لهذا يمكن أن تتضاعف المتع حسيا و معنويا بطريقة نجهلها.
كما تتضاعف درجات العذاب حسيا و معنويا عما نعلم و كما يتوزع الناس مراتب و درجات بحسب لياقتهم. تكون لكل مرتبة مواصفاتها الحياتية التي تكفل لمن فيها حظوظا من السعادة أو الشقاء كل حسب قدره، و أتصور أن أعلى الناس قدرا في الجنة هم الذين سيرتفعون عن متع الحواس و جنة الحواس و يختار لهم الرحمن درجة الحياة الروحية الخالصة إلى جواره في سدرة المنتهى، حيث لا تكون اللذة هي لذة طعام و لا لذة شراب و لا لذة حور عين و إنما لذة النظر إلى الله في كماله و لذة تأمل الحق و الجمال و صورة الخير المطلق.
إنها لذة الجالس (( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ (55) )) [ القمر ]
و هي مرتبة المفضلين من الأنبياء و من في مقامهم.
و هكذا تشتمل الجنة على جميع الدرجات من المتع الحسية من مأكل و مشرب ارتفاعا حتى المتع الروحية الخالصة ينال كل منا ما تؤهله له رتبته.
كل هذه آيات كواشف ذات دلالة تدلنا على أن النار ليست هي نارنا و لا الجنة هي سوق الخضار و لا الله هو الباطش الإرهابي.
و إنما الله سوف يبعث كل واحد على رتبته و مقامه و درجته، لأن هذا عين العدل و هو العادل.
و إنما سوف يتأتى العذاب من تفاوت الرتب تفاوتا عظيما، ثم بالسقوط في تقييم أبدي لا مخرج منه يلزم صاحبه كما تلزم الإصبع بصمتها.
و هو عذاب أكيد و جحيم أكيد سوف نراه عيانا و يقينا:
و لأن الله يعلم أن هذا العذاب سوف يكون رهيبا. فقد حذرنا و خوفنا بالألفاظ المجلجلة و أرسل لنا الأنبياء مبشرين منذرين مؤيدين بالمعجزات و الخوارق و الآيات و الكتب. فعل ذلك رحمة منه و حنانا و عطفا. و هو القائل في حديثه القدسي: (( سبقت رحمتي غضبي )).
و في سورة الفاتحة يصف نفسه أولا بأنه الرحمن الرحيم قبل أن يقول مالك يوم الدين. و هو يوم الحساب. يوم الغضب. يوم يحق القول على العالمين بلا رجعة.
و لأنه رحيم فقد فتح باب التوبة و إصلاح الخطأ على مصراعيه.
و أمر بالصلاة. ثم قال: (( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. (45) )) [ العنكبوت ]
أن تتذكر أن هناك قوة إلهية و أن يشخص هذا المعنى في ذاكرتك و في أفعالك على الدوام. ينجيك و يحقق لك شرط المؤمن و يكون أفضل من صلاة المصلي الذي ليس في قلبه ذكر.
و كلمة (( الذكر )) في القرآن كلمة عميقة المعنى و الدلالة. فالقرآن نفسه اسمه ذكر، و التدين و الإيمان هو مجرد تذكر:
إن أحدث النظريات النفسية تقول لنا: إن المعارف كلها تكون مخبوءة مكنوزة داخل نفس الإنسان و لكن تحجبها عنه غرائزه و شهواته. و لهذا فالتعلم هو في حقيقته تذكر. بارتفاع حجب النفس و شفوفها. و لا يكون تعلما من عدم.
فالطفل لا يتعلم أن ( 2 + 2 = 4 ) و إنما هو فقط يتذكر حقيقة باطنة في روحه، ولد بها.
و بالمثل الإحساس بالجمال و الطرب هو نوع من التذكر المبهم لعالم القدس و ما فيه. عالم الملكوت الذي كنا فيه قبل النزول إلى الأرحام.
و لهذا السبب فإن جمال المرأة مثلا هو جمال زائر و ليس جمالا مقيما لأنه ليس جمالها هي. و إنما هو ظل ينعكس عليها من الملكوت. ثم ما يلبث أن يفارقها حينما يتغلب قانون المادة و الشيخوخة و التراب.
و الآية تروي ما كان في الغيب قبل الميلاد و قبل النزول إلى الدنيا.
و كل الخلائق مما خلق الله و يخلق و سيخلق مثل الذر في كفه ينظر إليهم و يشهدهم على أنفسهم. ألست بربكم. فيقولون بلى شهدنا. و هو بهذا يأخذ عليهم ميثاقا غليظا لأنه يعلم أنه بعد الهبوط في الأرحام و انسدال حجاب اللحم الكثيف و نزول غشاوة الحواس و الشهوات و الغرائز و الأهواء أنهم سوف ينسون تماما. و سوف يتخبطون في نكران وكفر و جهالة.
لأن اتصال الوجود الدنيوي بالتذكر بالوجود الملكوتي الأول ثم بالوجود الأخروي. هو فطنة الإنسان إلى حياته بكاملها. و هي الحياة كل الحياة.
و الله ليس بحاجة إلى صلاتنا و لا إلى صيامنا و لكن نحن المحتاجون. لعلنا في صلاتنا العميقة نتذكر و لعلنا بالعبادة و التوجه نتصل بنبع وجودنا. و نستمد منه حياتنا.
إن الصلاة و العبادة استمداد. نحن الذين نحتاج إليها لتكون لنا حياة. و ليس الله. لأن الله هو الحي بذاته المستغني بوجوده عن كل شيء.
أما نحن فلا يمكن أن تكون لنا حياة إلا بمدد منه. من الله. الحي الذي به الحياة.
و نفهم من هذا أن الله فرض الفروض ووضع شرائع العبادات من أجلنا و ليس من أجل أن يشعر بألوهيته. فهو في غنى عنا. و في غنى عن أن يعذبنا. و في غنى عن أن يطلب منا طلبا أو يفرض علينا فرضا.
و هو بالفعل لا يفرض علينا فرضا و لا يطالبنا بطلب و لا يقيم علينا عذابا، كل هذا يبدو من ظاهر العبارات فقط. أما باطن القرآن الذي يكشف نفسه لكل من جاهد في الفهم، إن الله هو الرحيم مطلق الرحمة، العادل مطلق العدل الذي يعطي مطلق العطاء و لا يأخذ شيئا و لا يحتاج لشيء.
و إذا كان في الدنيا ألوان من العذاب فهي من عيون رحمته.
إنها محاولات لإيقاظ العقل الغافل لعله يتذكر و يرجع و ينجو بنفسه من عذاب أكبر في الطريق. عذاب لن يكون منه مخرج و لا مهرب. حينما تحق على كل واحد رتبته و درجته.
و نفهم من القرآن أن سنة الله أن يوقظ الغافلين في الأرض فيبتليهم بكل صنوف البؤس و المرض و العذاب لعلهم يفطنون إلى ما في الدنيا من زوال و ما وراءها من حقيقة باقية. يفعل هذا رحمة بهم و لأنه يعلم ما ينتظرهم من ناموس عادل لن يلطف بهم. حتى إذا نفذت فيهم كل هذه الآلام الدنيوية و لم يتيقظوا. فتح الله عليهم أبواب كنوزه ليتمتعوا. و حقت عليهم كلمته بالهلاك في الآخرة.
فليس الخير الظاهر في الدنيا و النعمة الغامرة بعلامة رضا الله في جميع الأحوال. و لا عذاب الدنيا و بلائها بعلامة غضب الله في كل حال. فقد يكون الخير غضبا و قد يكون البلاء لطفا. و لا يكشف لك عن الحقيقة إلا صوت ضميرك. إذا رأيت البلاء يطهرك فهو نعمة. و إذا رأيت النعمة تطغيك فهي غضب.
إن الله يعلم أنهم لو ردوا للدنيا لعادوا إلى كبريائهم.
إنه جهل و إصرار على الجهل لا وسيلة لعلاجه. لا الأنبياء و لا المعجزات و لا الخوارق و الآيات. و لا حتى مرورهم على الجحيم بكاف لردهم إلى معرفة.
و من هنا يبدو البقاء في الجحيم رحمة، فهو بالنسبة لبعض الجبارين الوسيلة الوحيدة إلى المعرفة و التقويم.
إن الله رحيم دائما حتى في جحيمه. و لهذا سمى نفسه (( الرحمن )). أي الرحيم مطلق الرحمة في جميع الأحوال لمن يستحق و من لا يستحق. يرحم من يستحق بالجنة و يرحم من لا يستحق بالجحيم. فالجحيم كما رأينا هو تعريف لمن لا يعرف و لمن فشلت معه كل وسائل التعريف فهو نوع من الرحمة. و لهذا يقول في أجمل آياته:
و الحساب هنا يبدو أنه حساب النفس للنفس و تنكيل النفس بالنفس و مواجهة النفس للنفس.
لقد لزم كل واحد عمله كظله و لا خلاص. و حق القول. و نفذ العدل الأزلي.
و لكن هذه المعاني تضيع في النظرة المتعجلة و القراءة السطحية و الوقوف عند الحروف و عند جلجلة الألفاظ.
و الألفاظ التي وصف الله بها القيامة كلها ألفاظ رهيبة ذات جلجلة و صلصلة. تقرع الآذان كالأجراس، فهي الساعة، و الواقعة، و القارعة، و الزلزلة، و الدمدمة، و الغاشية، و الراجفة، و الرادفة، و الزجرة، و السكرة، و الطامة، و الحاقة، و الصاخة.
هل سمعت لفظا اسمه (( الصاخة )) ؟!
إنه لفظ يخرق طبلة الأذن. لأن الله علم أن الواحد منا في هذه الدنيا تتخطفه الشهوات و تبرق في عينيه المطامع فهو لا يعقل. و هو أصم لا يسمع.
فهتف في أذنه بهذه الكلمة. التي تكاد تخرق السمع من فرط ارتفاع ذبذبتها ليوقظه:
فعل هذا رحمة و لطفا و حنانا. تعالى الله عن أن يعذبنا شهوة في عذاب.
و ما العذاب إلا لزوم ما يلزم و حلول الصفة بموصوفها و انتظام الأرواح في سلم درجاتها الحق و انسدال الستار على هذا العالم الذي يتبارى فيه الناس على نوال ما لا يستحقون.
و نعطي مثلا لهذا التفاوت في الرتب فيما يشعر به كل منا في حياته الخاصة. من تفاوت المستويات التي يمكن أن يعيش فيها. لا نقصد مستويات الدخل. و إنما نقصد شيئا أعمق. نقصد المستويات الوجودية ذاتها.
فالواحد منا يمكن أن يعيش على مستوى متطلبات جسده، كل همه أن يأكل و يشرب و يضاجع كالبهيمة.
و يمكن أن يسكت ذلك السعار الجسدي ليستسلم لسعار آخر هو سعار النفس بين غيرة و حسد و غضب و شماتة و رغبة في السيطرة و جوع للظهور و تعطش للشهرة و استئثار لأسباب القوة بتكديس الأموال و الممتلكات و تربص لاصطياد المناصب.
و أكثر الناس لا يرتفعون عن هذه الدرجة و يموتون عليها و لا يكون العقل عندهم إلا وسيلة احتيال لبلوغ هذه الاسباب.
و الحياة بالنسبة لهذه الكثرة من الناس غابة و الشعور الطبيعي هو العدوان و تنازع البقاء و الصراع. و الهدف هو التهام كل ما يمكن التهامه و انتهاز ما يمكن انتهازه. و الواحد منهم تجده يتأرجح كالبندول من لهيب رغبة إلى لهيب رغبة أخرى. يسلمه مطمع إلى مطمع و هو في ضرام من هذه الرغبات لا ينتهي.
و هناك قلة قليلة تكتشف زيف هذه الحياة و تصحو على إدراك واضح بأن هذا اللون من الحياة عبودية لا حرية. و أنها كانت حياة أشبه بالسخرة و الأشغال الشاقة خضوعا لغرائز همجية لا تشبع و أطماع لا مضمون لها و لا معنى و لا قيمة. كلها إلى زوال.
فتبدأ هذه القلة القليلة في إسكات هذا الصوت و في تكبيل هذه النفس الهائجة، و قد اكتشفت أنها حجاب على الرؤية و تشويش على الفهم.
و هكذا ترتفع هذه القلة القليلة في الرتبة لتعيش بمنطق آخر. هو أن تعطي لا أن تأخذ. و تحب لا أن تكره. و تصبح هموم هذه القلة هي إدراك الحقيقة.
و على هذه القلة تنزل سكينة القلب فيتذكر الواحد منهم ماضيه حينما كان عبدا لسعار نفسه و كأنه خارج من جحيم !
و مثل هؤلاء يموتون و قد انعتقوا من وهم النفس و الجسد و بلغوا خلاصهم الروحي و أيقنوا حقيقة ذواتهم كأرواح كانت تبتلى في تجربة.
و ما أشبه الجسد – في الرتبة – بالتراب. و النفس بالنار و الروح بالنور و هي مجرد ألفاظ للتقريب. و لكنها تكشف لنا أن حكاية الرتب هي حكاية حقيقية. و أن كل من يموت على رتبة يبعث عليها و أن هذا هو عين العدل و ليس تجبرا. و قد يكون العذاب فوق الوصف إذا تجردت النفوس من أجسادها الترابية و لم يبق منها إلا سعار خالص و جوع بحت و اضطرام مطلق برغبات لا ترتوي ثم عدوان بين نفوس شرسة لا هدنة بينها و لا سلام و لا مصالحة إلى الأبد. على عكس أرواح تتعايش في محبة و تتأمل الحق في عالم ملكوتي.
أكاد أجزم بأن ألفاظ القرآن بما فيها من جلجلة و صلصلة حينما تصف الجحيم إنما هي نذير حقيقي بعذاب فوق التصور و سوف نعذبه لأنفسنا بأنفسنا عدلا و صدقا على رتبة استحقها كل منا بعمله. و أكاد أضع يدي على الحقيقة. لا ريب فيها.
تعالى الله عن أن يعذبنا شهوة في عذاب. و هو الحق العدل الحكم.
و في أخبار داود أن الله قال له:
(( يا داود أبلغ أهل أرضي أني حبيب لمن أحبني و جليس لمن جالسني و صاحب لمن صاحبني و مختار لمن اختارني. و مطيع لمن أطاعني. من طلبني بالحق وجدني و من طلب غيري لم يجدني )).
أنعم به من رب رحيم. و تقدس و تعالى عن الظلم و العدوان.
❞ كلنا من أصل واحد .. من خامة واحدة .
ولكن لكل منا فرديته الخاصة به .
والفرق بين مخلوق ومخلوق ليس مجرّد فرق كميّ في الذرات , وإنما هناك فرق أكبر وأعقد في العلاقات بين تلك الذّرات وفي كيفيات الترابط بينها .
ونعلم الآن من أمر توليف الجينات الوراثية في الخلية الأولى أن جميع الأجِنّة الآدمية يتم توليفها من أكثر من عشرين حرفاً كيميائياً من بروتين DNA و RNA .. كما تتألف جميع الكتب والمؤلفات من الحروف الأبجدية , فيكون لكل كتاب روحه وشخصيته ونوعيته كمخلوق مستقل متفرِّد مع أن جميع الكتب مؤلفة من الحروف نفسها .
ويبلغ هذا التفرُد لدرجة أن ينفرد كل واحد ببصمة خاصة مختلفة . لا تتشابه بصمتان لاثنين ولو كانا توأمين منذ بدء الخليقة إلى الآن برغم آلاف آلاف وملايين ملايين الملايين من الأفراد .
ونعلم الآن أن لكل جسد شفرة كيميائية خاصة به بحيث يصبح من العسير وأحياناً من المستحيل ترقيع جسدٍ بقطعةٍ من جسد آخر .. فما يلبث أن يرفض الجسد الرقعة الغريبة كما لو كانت ميكروباً أو جسماً أجنبياً أو استعماراً .. وهذه هي كبرى المشكلات في جراحات الترقيع ونقل الأعضاء .
وأطول مدة عاشها قلب منقول كانت عشرين شهراً وتحت مطر مستمر من حقن التخدير والأقراص المضادة للحساسية لمنع الجسد من رفض العضو الغريب .
ومعنى هذا أن الفردية والتفرد حقيقة جوهرية يشهد بها العِلم .. وهي حقيقة لم ألتفت إليها في بداية تطوري الفكري .. واعتقدت بأن الجوهري والباقي هو المجتمع وليس الفرد .. الإنسان وليس فلاناً , والحياة وليس الأحياء .. الوجود لا الموجودات .. الكل وليس الآحاد .
وهذا أثر من آثار فلسفة وحدة الوجود الهندية القائلة إن الوجود هو الله وهو الباقي .. أما جميع الموجودات فهي " MAYA " والمايا هي الوهم الزائل .
وكل فرد مصيره إلى فناء حقيقي لا بعث بعده , واعتقدت بأن خلود الفرد هو بقدر ما يترك لأولاده من توجيه وتربية وعلوم ومعارف .
أما هو ذاته فإنه ينتهي إلى التراب إلى غير عودة .
نصيبنا من الخلود هو ما نضيفه إلى وعاء الكل .
أما شخوصنا و أفردنا فمصيرها إلى العدم .
وما الشخصية ؟!
لم أفهم من الشخصية في البداية أكثر من أنها ردود فعل ظرفية على مواقف مؤقتة . وبالتالي حينما تنتهي هذه الظروف وتتغيّر الأوقات لا يبقى من الشخصية شيء .. ومآلها أن تتفكك بالشيخوخة نتيجة تفكك ألياف الترابط الموجودة بالمخ .. وحين تفسد الأعصاب وتَفنَى بالموت تفنى الذات الخاصة بها .
إعتقدت أن الشخصية ليست سوى انفصال محدد لصفات معينة بتأثير تجارب حية وأفعال منعكسة عصبية .. بعضها موروث في شكل غرائز ، وبعضها مكتسَب عن طريق الممارسة الحِسية .. وهذه الممارسة تسجَل في المخ وتنطبع على الذاكرة . فإذا انتهى المخ وتعفنت خلايا الذاكرة فلا محل لافتراض بقاء آخر روحاني لهذا الترابط المادي البحت .
بهذا الفهم المادي المسطح تصورت الإنسان في البداية , وكنت أقول لنفسي إن الشخصية ليست شيئاً واحداً وإنما هي سيل من الشخصيات المختلفة لا تنقطع عن الجريان .. فشخصيتي في سن العاشرة .. غيرها في سن العشرين .. غيرها في سن الثلاثين .. وفي كل لحظة هناك شيء يضاف إلى نفسي .. و شيء ينقص منها .. فأية واحدة من هذه النفوس سوف تُبعَث وتعاقَب ؟
وهؤلاء المصابون بانقسام الشخصية أيهما سوف يذهب إلى العالم الآخر .. الدكتور جيكل أم مستر هايد ؟!
ونسيت بهذا التلاعب اللفظي الحقيقة الأولية البسيطة أننا حينما نطبع من الكتاب طبعة ثانية فإننا لا نطبع صفحةً أو فصلاً , وإنما نطبعه كله في أصوله ليصدُر كلّه في أصوله .
وهكذا يكون بعث الروح .. ككل بكل فصولها وأصولها كما تُنبت البذرة من ظلام الأرض حاوية لكل إمكانيات الفروع والأوراق والثمار .
ولكن النظرة المادية التي تميل بطبيعتها إلى التحليل والتشريح والتقطيع كانت هي الغالبة طول الوقت .. ولهذا كانت تغيب عني دائماً صورة الأمور في كليّتها وكنت أتصور أني يمكن أن أفهم الروح إذا شرَّحت الجسد .. إذ لا فرق بين الإثنين ..
الروح هي البدن ..
والعقل هو المخ ..
والشخصية هي ردود الفعل ومجموع الأفعال المنعكسة ..
والعاطفة في نهاية الأمر جوع جسماني .
ونقف الآن وقفة طويلة لنسأل : هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع والجنس ومجموعة الإستشعارات التي يدرِك بها الجسد ما يحتاجه ؟
لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفس .. ولا حقيقة الإنسان .. وأعود إلى صفحات كتاب لغز الموت ، ولغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل .
إن الإنسان لَيُضحِي بلقمته وبيته وفراشه الدافئ في سبيل أهداف ومُثل وغايات شديدة التجريد .. كالعدل والحق والخير والحرية .. فأين حوافز الجوع والجنس هنا ؟! ..
والمحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد .. أين هو من التفسير المادي ؟!
إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس والذات حقيقة متجاوزة وعالية على الجسد ليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية .
تلك الإرادة الهائلة التي تدوس على الجسد وتضحي به هي حقيقة متجاوزة عالية بطبيعتها وآمرة ومهيمنة على الجسد .. وليست للجسد تبعاً و ذيلاً .
وإذا كنت أنا الجسد .. فكيف أتحكم في الجسد وأُخضِعه ؟!
وإذا كنت أنا الجوع .. فكيف أتحكم في الجوع ؟!
إن مجرد الهيمنة الداخلية على جميع عناصر الجسد ومفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي والمفارق الذي تتألف منه الذات الإنسانية .
عن طريق النفس أتحكم في الجسد .
وعن طريق العقل أتحكم في النفس .
وعن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده .
هذا التفاضل بين وجود ووجود يعلو عليه و يحكمه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد وحاكمة عليه وليست ذيلاً وتابعاً تموت بموته .
والذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير .. عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم .
إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة ومستمرة في أثناء النوم .. وجميع الأفعال المنعكسة واللاإرادية تحدث بانتظام .
فالقلب يدق والنَفَس يتردد والغدد تفرز والأحشاء تتلوى والأعضاء التناسلية تهتاج والذراع ينقبض لشكّة الدبوس .. ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة .. مجرد شجرة .. أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية . فأين الإنسان ؟!
إن النوم ثم اليقظة .. وهو النموذج المصغر للموت ثم البعث .. يكشف لنا مرة أخرى عن ذلك العنصر المتعالي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة فجأة وبلا مقدمات هتلر أو نيرون .. فإذا بذلك الممد كالثور الهامد يصحو ليقتل ويغزو ويسحق ويمحق وإن الفرق لهائل أكبر من أن يفسَر بتغير مادي يتم في لحظات .
والماديّون يقولون إن النفس حقيقة موضوعية وبالتالي هي مادة .
ونحن نسأل كيف تكون النفس موضوعاً ؟ وموضوع بالنسبة لمن .. ؟
موضوع بالنسبة للآخرين ؟ وكيف ؟! والآخرون لا يرونها ولا يدركون وجودها إلا استنباطاً من ظواهر السلوك .. وهي ظواهر أغلبها كاذب .. فكل منّا يمثل على الناس .. بل يمثل على نفسه .. وسلوكه الظاهر قَلما يدل عليه .
أم هي موضوع بالنسبة لصاحبها ؟
وكل منا لو اتخذ نفسه موضوعاً فإنها تبرد وتستحيل تحت مشرط التحليل إلى جثة , وتستخفي وتهرب من يديه لأنها لا يمكن أن تكون موضوعاً ولا أن توضع تحت مجهر مثل ورقة شجرة , لأن جوهرها بالدرجة الأولى في ذاتيتها , وحقيقتها أنها الوجه الآخر من الصورة فهي الذات في مقابل الجسد الذي هو موضوع ..
وكِلا القطبين .. الذات والموضوع .. هما وجها الحقيقة .. فإذا عرّفنا المادة بأنها كل ما هو موضوعي فلا بد من الإعتراف بأن هناك في الوجود شيئاً آخر غير المادة هو الوجه الآخر من الحقيقة .. الذي هو الذات .
وتقودنا عملية الإدراك إلى إثبات أكيد بأن هناك شيئين في كل لحظة .. الشيء المدرك .. والنفس المدركة خارجه .
وما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر .
ولو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً .. ولا نصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئاً وإنه لقانون معروف أن الحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها .
لا يمكن أن تدرِك الحركة وأنت تتحرك معها في الفلك نفسه .. وإنما لابد لك من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها ..
ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في أسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته .. لا تستطيع إدراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الأسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج .
وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض .. كما أنه لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وإنما تستطيع رصدها من القمر .
وهكذا دائماً .. لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها ولاحظتها كموضوع .
وأنت تدرك مرور الزمن لابد أن تكون ذاتك المدركة خارج الزمن . وهي نتيجة مذهلة تثبت لنا الروح أو الذات المدركة كوجود مستقل متعالٍ على الزمن ومتجاوز له وخارج عنه .
فها نحن أولاء أمام حقيقة إنسانية جزء منها غارق في الزمن ينصرم مع الزمن ويكبر معه ويشيخ معه ويهرم معه ( وهو الجسد ) وجزء منها خارج عن هذا الزمن يلاحظه من عتبة السكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا فهو لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم ..
ويوم يسقط الجسد تراباً سوف يظل هو على حاله حيّاً حياته الخاصة غير الزمنية .. ولا نجد لهذا الجزء إسماً غير الإسم الذي أطلقته الأديان وهو الروح .
وكل منا يستطيع أن يلمس هذا الوجود الروحي بداخله .. ويدرك أنه وجود مغاير في نوعيته للوجود الخارجي النابض المتغير الذي يتدفق حولنا في شلال من التغيرات .
كل منا يستطيع أن يحس بداخله حالة حضور وديمومة وامتثال وشخوص وكينونة حاضرة دائماً ومغايرة تماماً للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه .
هذه هي الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الداخلي والتي أسميتها حالة ( حضور ) .. هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح .. أو المطلق .. أو المجرد .
ونحن حينما ندرك الجمال ونميزه من القبح .. وندرك الحق ونميزه من الباطل .. وندرك العدل ونميزه من الظلم .. فنحن في كل مرة نقيس بمعيار .. بمسطرة منفصلة عن الحادث الذي نقيسه .. فنحن إذن نقيس من العتبة نفسها .. عتبة الروح ..
فالوجود الروحي يمثله فينا أيضاً الضمير ويدل عليه أيضاً الإحساس بالجمال .. وتدل عليه الحاسة الخفية التي تميز الحق من الباطل والزائف من الصحيح .. وتدل عليه الحرية الداخلية .. فالروح هي منطقة السريرة والحرية المطلقة والإختيار والتمييز .
وحينما نعيش حياتنا لا نضع اعتباراً للموت .. ونتصرف في كل لحظة دون أن نحسب حساباً للموت .. وننظر إلى الموت كأنه اللامعقول ..
فنحن في الواقع نفكر ونتصرف بهذه الـ أنا العميقة التي هي الروح والتي لا تعرف الموت بطبيعتها .
فالموت بالنسبة للروح التي تعيش خارج منطقة الزمن هو بالنسبة لها .. لا أكثر من تغيير ثوب .. لا أكثر من انتقال ..
أما الموت كفناء وكعدم فهو أمر لا تعرفه , فهي أبداً ودائماً كانت حالة حضور وشخوص .. إنها كانت دائماً هنا .
إنها الحَضرة المستمرة التي لم ولا يطرأ عليها طارئ الزوال .. وكل ما سوف يحدث لها بالموت .. أنها سوف تخلع الثوب الجسدي الترابي ..
وكما تقول الصوفية تلبس الثوب البرزخي .. ثم تخلع الثوب البرزخي لتلبس الثوب الملكوتي .. ثم تخلع الثوب الملكوتي لتلبس الثوب الجبروتي ..
كادحة من درجة إلى درجة ارتفاعاً إلى خالقها .. كل روح ترتفع بقدر صفائها وشفافيتها وقدرتها على التحليق .. على حين تتهابط الأرواح الكثيفة إلى ظلمات سحيقة وتنقضي عليها الآباد وهي تحاول الخلاص .
وأترك الصوفيين لمشاهداتهم حتى لا نضيع معهم في التيه , وليس هدفي من هذه الدراسة عبور حاجز الموت لمعرفة ما وراءه , فهذا طمع في غير مطمع ورغبة في مستحيل .
ويكفيني أن أقف بالقارئ ليتأمل نفسه ويكتشف ذاته العميقة الحاكمة الآمرة المتعالية على جسده الترابي .. تلك التي أسميتها الروح .. و التي استدللت عليها بأبلغ دلالة .. بشعور الحضرة التي يشعر بها كل منا في داخل نفسه .
تلك الحضرة المستمرة التي لا يطرأ عليها طارئ الزوال ولا تهُب عليها رياح التغير وكأنها العين المفتوحة داخلنا على الدوام .
ذلك الصحو الداخلي .
ذلك النور غير المرئي في نفوسنا والذي نرى على ضوئه طريق الحق ونعرف طريق .. القبح من الجمال .. والخير من الشر .
تلك العتبة التي نرصد من فوقها حركة الزمن وندرك مروره .. ونرى مرور الأشياء وندرك حركتها .
تلك النقطة في داخل الدائرة .
المركز الذي تدور حوله أحداثنا الدنيوية الزمنية وهو شاخص في مكانه لا يتحرك ولا ينصرم له وجود .. " الروح " ..
حقيقتنا المطلقة التي هي برغم ذلك لغز .
هل الروح أبدية .. أو أن لها زمناً آخر ذا تقويم مختلف .. اليوم فيه بألف سنة ؟
وما العلاقة بين الروح والجسد ؟
وما العلاقة بين العقل والمخ ؟
وما العلاقة بين الذاكرة والتحصيل واستظهار العلوم ؟
إنه موضوع آخر له شرح يطول .
**********************
مقال / الجســـد
من كتاب / رحلتي من الشك إلى الإيمان
للدكتور / مصطفى محمود ( رحمه الله ). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ كلنا من أصل واحد . من خامة واحدة .
ولكن لكل منا فرديته الخاصة به .
والفرق بين مخلوق ومخلوق ليس مجرّد فرق كميّ في الذرات , وإنما هناك فرق أكبر وأعقد في العلاقات بين تلك الذّرات وفي كيفيات الترابط بينها .
ونعلم الآن من أمر توليف الجينات الوراثية في الخلية الأولى أن جميع الأجِنّة الآدمية يتم توليفها من أكثر من عشرين حرفاً كيميائياً من بروتين DNA و RNA . كما تتألف جميع الكتب والمؤلفات من الحروف الأبجدية , فيكون لكل كتاب روحه وشخصيته ونوعيته كمخلوق مستقل متفرِّد مع أن جميع الكتب مؤلفة من الحروف نفسها .
ويبلغ هذا التفرُد لدرجة أن ينفرد كل واحد ببصمة خاصة مختلفة . لا تتشابه بصمتان لاثنين ولو كانا توأمين منذ بدء الخليقة إلى الآن برغم آلاف آلاف وملايين ملايين الملايين من الأفراد .
ونعلم الآن أن لكل جسد شفرة كيميائية خاصة به بحيث يصبح من العسير وأحياناً من المستحيل ترقيع جسدٍ بقطعةٍ من جسد آخر . فما يلبث أن يرفض الجسد الرقعة الغريبة كما لو كانت ميكروباً أو جسماً أجنبياً أو استعماراً . وهذه هي كبرى المشكلات في جراحات الترقيع ونقل الأعضاء .
وأطول مدة عاشها قلب منقول كانت عشرين شهراً وتحت مطر مستمر من حقن التخدير والأقراص المضادة للحساسية لمنع الجسد من رفض العضو الغريب .
ومعنى هذا أن الفردية والتفرد حقيقة جوهرية يشهد بها العِلم . وهي حقيقة لم ألتفت إليها في بداية تطوري الفكري . واعتقدت بأن الجوهري والباقي هو المجتمع وليس الفرد . الإنسان وليس فلاناً , والحياة وليس الأحياء . الوجود لا الموجودات . الكل وليس الآحاد .
وهذا أثر من آثار فلسفة وحدة الوجود الهندية القائلة إن الوجود هو الله وهو الباقي . أما جميع الموجودات فهي ˝ MAYA ˝ والمايا هي الوهم الزائل .
وكل فرد مصيره إلى فناء حقيقي لا بعث بعده , واعتقدت بأن خلود الفرد هو بقدر ما يترك لأولاده من توجيه وتربية وعلوم ومعارف .
أما هو ذاته فإنه ينتهي إلى التراب إلى غير عودة .
نصيبنا من الخلود هو ما نضيفه إلى وعاء الكل .
أما شخوصنا و أفردنا فمصيرها إلى العدم .
وما الشخصية ؟!
لم أفهم من الشخصية في البداية أكثر من أنها ردود فعل ظرفية على مواقف مؤقتة . وبالتالي حينما تنتهي هذه الظروف وتتغيّر الأوقات لا يبقى من الشخصية شيء . ومآلها أن تتفكك بالشيخوخة نتيجة تفكك ألياف الترابط الموجودة بالمخ . وحين تفسد الأعصاب وتَفنَى بالموت تفنى الذات الخاصة بها .
إعتقدت أن الشخصية ليست سوى انفصال محدد لصفات معينة بتأثير تجارب حية وأفعال منعكسة عصبية . بعضها موروث في شكل غرائز ، وبعضها مكتسَب عن طريق الممارسة الحِسية . وهذه الممارسة تسجَل في المخ وتنطبع على الذاكرة . فإذا انتهى المخ وتعفنت خلايا الذاكرة فلا محل لافتراض بقاء آخر روحاني لهذا الترابط المادي البحت .
بهذا الفهم المادي المسطح تصورت الإنسان في البداية , وكنت أقول لنفسي إن الشخصية ليست شيئاً واحداً وإنما هي سيل من الشخصيات المختلفة لا تنقطع عن الجريان . فشخصيتي في سن العاشرة . غيرها في سن العشرين . غيرها في سن الثلاثين . وفي كل لحظة هناك شيء يضاف إلى نفسي . و شيء ينقص منها . فأية واحدة من هذه النفوس سوف تُبعَث وتعاقَب ؟
وهؤلاء المصابون بانقسام الشخصية أيهما سوف يذهب إلى العالم الآخر . الدكتور جيكل أم مستر هايد ؟!
ونسيت بهذا التلاعب اللفظي الحقيقة الأولية البسيطة أننا حينما نطبع من الكتاب طبعة ثانية فإننا لا نطبع صفحةً أو فصلاً , وإنما نطبعه كله في أصوله ليصدُر كلّه في أصوله .
وهكذا يكون بعث الروح . ككل بكل فصولها وأصولها كما تُنبت البذرة من ظلام الأرض حاوية لكل إمكانيات الفروع والأوراق والثمار .
ولكن النظرة المادية التي تميل بطبيعتها إلى التحليل والتشريح والتقطيع كانت هي الغالبة طول الوقت . ولهذا كانت تغيب عني دائماً صورة الأمور في كليّتها وكنت أتصور أني يمكن أن أفهم الروح إذا شرَّحت الجسد . إذ لا فرق بين الإثنين .
الروح هي البدن .
والعقل هو المخ .
والشخصية هي ردود الفعل ومجموع الأفعال المنعكسة .
والعاطفة في نهاية الأمر جوع جسماني .
ونقف الآن وقفة طويلة لنسأل : هل صحيح أن النفس ما هي إلا مجرد حوافز الجوع والجنس ومجموعة الإستشعارات التي يدرِك بها الجسد ما يحتاجه ؟
لو قلنا هذا فنحن أمام تفسير مادي متهافت فما هكذا حقيقة النفس . ولا حقيقة الإنسان . وأعود إلى صفحات كتاب لغز الموت ، ولغز الحياة حيث ناقشت الموضوع بالتفصيل .
إن الإنسان لَيُضحِي بلقمته وبيته وفراشه الدافئ في سبيل أهداف ومُثل وغايات شديدة التجريد . كالعدل والحق والخير والحرية . فأين حوافز الجوع والجنس هنا ؟! .
والمحارب المقاتل في الميدان الذي يضحي بنفسه على مدفعه في سبيل غد لم يأت بعد . أين هو من التفسير المادي ؟!
إننا أمام إثبات قاطع بأن النفس والذات حقيقة متجاوزة وعالية على الجسد ليست مجرد احتياجات الجسد الحسية معكوسة في مرآة داخلية .
تلك الإرادة الهائلة التي تدوس على الجسد وتضحي به هي حقيقة متجاوزة عالية بطبيعتها وآمرة ومهيمنة على الجسد . وليست للجسد تبعاً و ذيلاً .
وإذا كنت أنا الجسد . فكيف أتحكم في الجسد وأُخضِعه ؟!
وإذا كنت أنا الجوع . فكيف أتحكم في الجوع ؟!
إن مجرد الهيمنة الداخلية على جميع عناصر الجسد ومفردات الغرائز هي الشهادة الكاشفة عن ذلك العنصر المتعالي والمفارق الذي تتألف منه الذات الإنسانية .
عن طريق النفس أتحكم في الجسد .
وعن طريق العقل أتحكم في النفس .
وعن طريق البصيرة أضع للعقل حدوده .
هذا التفاضل بين وجود ووجود يعلو عليه و يحكمه هو الإثبات الواقعي الذي يقودنا إلى الروح كحقيقة عالية متجاوزة للجسد وحاكمة عليه وليست ذيلاً وتابعاً تموت بموته .
والذي يقول إن الإنسان مجموعة وظائف فسيولوجية مادية لا غير . عليه أن يفسر لنا أين يذهب ذلك الإنسان في لحظة النوم .
إن جميع الوظائف الفسيولوجية قائمة ومستمرة في أثناء النوم . وجميع الأفعال المنعكسة واللاإرادية تحدث بانتظام .
فالقلب يدق والنَفَس يتردد والغدد تفرز والأحشاء تتلوى والأعضاء التناسلية تهتاج والذراع ينقبض لشكّة الدبوس . ومع ذلك فنحن أمام رجل نائم أشبه بشجرة . مجرد شجرة . أو حياة بدائية لا تختلف عن الحياة الحشرية . فأين الإنسان ؟!
إن النوم ثم اليقظة . وهو النموذج المصغر للموت ثم البعث . يكشف لنا مرة أخرى عن ذلك العنصر المتعالي الذي يخلق بحضوره في تلك الجثة النائمة فجأة وبلا مقدمات هتلر أو نيرون . فإذا بذلك الممد كالثور الهامد يصحو ليقتل ويغزو ويسحق ويمحق وإن الفرق لهائل أكبر من أن يفسَر بتغير مادي يتم في لحظات .
والماديّون يقولون إن النفس حقيقة موضوعية وبالتالي هي مادة .
ونحن نسأل كيف تكون النفس موضوعاً ؟ وموضوع بالنسبة لمن . ؟
موضوع بالنسبة للآخرين ؟ وكيف ؟! والآخرون لا يرونها ولا يدركون وجودها إلا استنباطاً من ظواهر السلوك . وهي ظواهر أغلبها كاذب . فكل منّا يمثل على الناس . بل يمثل على نفسه . وسلوكه الظاهر قَلما يدل عليه .
أم هي موضوع بالنسبة لصاحبها ؟
وكل منا لو اتخذ نفسه موضوعاً فإنها تبرد وتستحيل تحت مشرط التحليل إلى جثة , وتستخفي وتهرب من يديه لأنها لا يمكن أن تكون موضوعاً ولا أن توضع تحت مجهر مثل ورقة شجرة , لأن جوهرها بالدرجة الأولى في ذاتيتها , وحقيقتها أنها الوجه الآخر من الصورة فهي الذات في مقابل الجسد الذي هو موضوع .
وكِلا القطبين . الذات والموضوع . هما وجها الحقيقة . فإذا عرّفنا المادة بأنها كل ما هو موضوعي فلا بد من الإعتراف بأن هناك في الوجود شيئاً آخر غير المادة هو الوجه الآخر من الحقيقة . الذي هو الذات .
وتقودنا عملية الإدراك إلى إثبات أكيد بأن هناك شيئين في كل لحظة . الشيء المدرك . والنفس المدركة خارجه .
وما كنا نستطيع إدراك مرور الزمن لولا أن الجزء المدرك فينا يقف على عتبة منفصلة وخارجة عن هذا المرور الزمني المستمر .
ولو كان إدراكنا يقفز مع عقرب الثواني كل لحظة لما استطعنا أن ندرك هذه الثواني أبداً . ولا نصرم إدراكنا كما تنصرم الثواني بدون أن يلاحظ شيئاً وإنه لقانون معروف أن الحركة لا يمكن رصدها إلا من خارجها .
لا يمكن أن تدرِك الحركة وأنت تتحرك معها في الفلك نفسه . وإنما لابد لك من عتبة خارجية تقف عليها لترصدها .
ولهذا تأتي عليك لحظة وأنت في أسانسير متحرك لا تستطيع أن تعرف هل هو واقف أم متحرك لأنك أصبحت قطعة واحدة معه في حركته . لا تستطيع إدراك هذه الحركة إلا إذا نظرت من باب الأسانسير إلى الرصيف الثابت في الخارج .
وبالمثل لا يمكنك رصد الشمس وأنت فوقها ولكن يمكنك رصدها من القمر أو الأرض . كما أنه لا يمكنك رصد الأرض وأنت تسكن عليها وإنما تستطيع رصدها من القمر .
وهكذا دائماً . لا تستطيع أن تحيط بحالة إلا إذا خرجت خارجها ولاحظتها كموضوع .
وأنت تدرك مرور الزمن لابد أن تكون ذاتك المدركة خارج الزمن . وهي نتيجة مذهلة تثبت لنا الروح أو الذات المدركة كوجود مستقل متعالٍ على الزمن ومتجاوز له وخارج عنه .
فها نحن أولاء أمام حقيقة إنسانية جزء منها غارق في الزمن ينصرم مع الزمن ويكبر معه ويشيخ معه ويهرم معه ( وهو الجسد ) وجزء منها خارج عن هذا الزمن يلاحظه من عتبة السكون ويدركه دون أن يتورط فيه ولهذا فهو لا يكبر ولا يشيخ ولا يهرم ولا ينصرم .
ويوم يسقط الجسد تراباً سوف يظل هو على حاله حيّاً حياته الخاصة غير الزمنية . ولا نجد لهذا الجزء إسماً غير الإسم الذي أطلقته الأديان وهو الروح .
وكل منا يستطيع أن يلمس هذا الوجود الروحي بداخله . ويدرك أنه وجود مغاير في نوعيته للوجود الخارجي النابض المتغير الذي يتدفق حولنا في شلال من التغيرات .
كل منا يستطيع أن يحس بداخله حالة حضور وديمومة وامتثال وشخوص وكينونة حاضرة دائماً ومغايرة تماماً للوجود المادي المتغير المتقلب النابض مع الزمن خارجه .
هذه هي الحالة الداخلية التي ندركها في لحظات الصحو الداخلي والتي أسميتها حالة ( حضور ) . هي المفتاح الذي يقودنا إلى الوجود الروحي بداخلنا ويضع يدنا على هذا اللغز الذي اسمه الروح . أو المطلق . أو المجرد .
ونحن حينما ندرك الجمال ونميزه من القبح . وندرك الحق ونميزه من الباطل . وندرك العدل ونميزه من الظلم . فنحن في كل مرة نقيس بمعيار . بمسطرة منفصلة عن الحادث الذي نقيسه . فنحن إذن نقيس من العتبة نفسها . عتبة الروح .
فالوجود الروحي يمثله فينا أيضاً الضمير ويدل عليه أيضاً الإحساس بالجمال . وتدل عليه الحاسة الخفية التي تميز الحق من الباطل والزائف من الصحيح . وتدل عليه الحرية الداخلية . فالروح هي منطقة السريرة والحرية المطلقة والإختيار والتمييز .
وحينما نعيش حياتنا لا نضع اعتباراً للموت . ونتصرف في كل لحظة دون أن نحسب حساباً للموت . وننظر إلى الموت كأنه اللامعقول .
فنحن في الواقع نفكر ونتصرف بهذه الـ أنا العميقة التي هي الروح والتي لا تعرف الموت بطبيعتها .
فالموت بالنسبة للروح التي تعيش خارج منطقة الزمن هو بالنسبة لها . لا أكثر من تغيير ثوب . لا أكثر من انتقال .
أما الموت كفناء وكعدم فهو أمر لا تعرفه , فهي أبداً ودائماً كانت حالة حضور وشخوص . إنها كانت دائماً هنا .
إنها الحَضرة المستمرة التي لم ولا يطرأ عليها طارئ الزوال . وكل ما سوف يحدث لها بالموت . أنها سوف تخلع الثوب الجسدي الترابي .
وكما تقول الصوفية تلبس الثوب البرزخي . ثم تخلع الثوب البرزخي لتلبس الثوب الملكوتي . ثم تخلع الثوب الملكوتي لتلبس الثوب الجبروتي .
كادحة من درجة إلى درجة ارتفاعاً إلى خالقها . كل روح ترتفع بقدر صفائها وشفافيتها وقدرتها على التحليق . على حين تتهابط الأرواح الكثيفة إلى ظلمات سحيقة وتنقضي عليها الآباد وهي تحاول الخلاص .
وأترك الصوفيين لمشاهداتهم حتى لا نضيع معهم في التيه , وليس هدفي من هذه الدراسة عبور حاجز الموت لمعرفة ما وراءه , فهذا طمع في غير مطمع ورغبة في مستحيل .
ويكفيني أن أقف بالقارئ ليتأمل نفسه ويكتشف ذاته العميقة الحاكمة الآمرة المتعالية على جسده الترابي . تلك التي أسميتها الروح . و التي استدللت عليها بأبلغ دلالة . بشعور الحضرة التي يشعر بها كل منا في داخل نفسه .
تلك الحضرة المستمرة التي لا يطرأ عليها طارئ الزوال ولا تهُب عليها رياح التغير وكأنها العين المفتوحة داخلنا على الدوام .
ذلك الصحو الداخلي .
ذلك النور غير المرئي في نفوسنا والذي نرى على ضوئه طريق الحق ونعرف طريق . القبح من الجمال . والخير من الشر .
تلك العتبة التي نرصد من فوقها حركة الزمن وندرك مروره . ونرى مرور الأشياء وندرك حركتها .
تلك النقطة في داخل الدائرة .
المركز الذي تدور حوله أحداثنا الدنيوية الزمنية وهو شاخص في مكانه لا يتحرك ولا ينصرم له وجود . ˝ الروح ˝ .
حقيقتنا المطلقة التي هي برغم ذلك لغز .
هل الروح أبدية . أو أن لها زمناً آخر ذا تقويم مختلف . اليوم فيه بألف سنة ؟
وما العلاقة بين الروح والجسد ؟
وما العلاقة بين العقل والمخ ؟
وما العلاقة بين الذاكرة والتحصيل واستظهار العلوم ؟
إنه موضوع آخر له شرح يطول .
**********************
مقال / الجســـد
من كتاب / رحلتي من الشك إلى الإيمان
للدكتور / مصطفى محمود ( رحمه الله ). ❝
❞ اشتراك ية,, شيوع ية ,, دكتاتور ية ,, ديمو قراط ية ,, رأس مال ية
,, vs ,,
إنسان
مرحباً بك في زي جديد فقد رأينا أن فراء الحيوان لم تعد مناسبه ,, لذا قد نستبدلها بسراويل عشبية لقليل من وقت قبل أن نستبدلها ,, بجلباب يعلوه زينة عرقية عربية او اسيوية ولعلها افريقية ولا فوت إن كان استبدال سوف يكون ,, بما هو منمق من تراسيم حليتها وزينتها اطواق أعناق ,, وذا قبل وصول لاستبدال بعري مجتزئ ,, يليه عري أشمل وصولا ليوم العري العالمي الذي نحياه برغم أننا مازلنا ننتظره ,, وكثر منا لا يعلمون بذلك فرجاء ممن يعلم أن يخبر من لا يعلم ,, أنه يُحاجي يوم العرض العظيم بأرض المحشر ,, ومرحباً بك ما دمت مقتنع أن الديناصور كان من ملايين السنوات ,, فأنت إذا منا وبك نحيا لنصل إلي ما نريد ,, سواء كان فراء أو جلباب أو أطواق عنق وصولا لعري الألباب والأفئدة ,, المهم إلا يكون منك خذلان لنا برأيك حول تصميمات وباترونات الأزياء حيث أننا بذلنا غالي ونفيث من أوقات تقديرها قرون لو تعلمون !!!. ❝ ⏤صاحب قناة حانة الكتاب
❞ اشتراك ية,, شيوع ية ,, دكتاتور ية ,, ديمو قراط ية ,, رأس مال ية
,, vs ,,
إنسان
مرحباً بك في زي جديد فقد رأينا أن فراء الحيوان لم تعد مناسبه ,, لذا قد نستبدلها بسراويل عشبية لقليل من وقت قبل أن نستبدلها ,, بجلباب يعلوه زينة عرقية عربية او اسيوية ولعلها افريقية ولا فوت إن كان استبدال سوف يكون ,, بما هو منمق من تراسيم حليتها وزينتها اطواق أعناق ,, وذا قبل وصول لاستبدال بعري مجتزئ ,, يليه عري أشمل وصولا ليوم العري العالمي الذي نحياه برغم أننا مازلنا ننتظره ,, وكثر منا لا يعلمون بذلك فرجاء ممن يعلم أن يخبر من لا يعلم ,, أنه يُحاجي يوم العرض العظيم بأرض المحشر ,, ومرحباً بك ما دمت مقتنع أن الديناصور كان من ملايين السنوات ,, فأنت إذا منا وبك نحيا لنصل إلي ما نريد ,, سواء كان فراء أو جلباب أو أطواق عنق وصولا لعري الألباب والأفئدة ,, المهم إلا يكون منك خذلان لنا برأيك حول تصميمات وباترونات الأزياء حيث أننا بذلنا غالي ونفيث من أوقات تقديرها قرون لو تعلمون !!!. ❝