❞ مع بدايةِ الصبحِ
أُهديها ورداًبطعمِ الندى
وأسيرُ مع بؤسي وأصحبهُ
على أملٍ أن يرحل غدَ
ولي موعدٌ مع فرحي
وأسالهُ بالله أن لا يُخّلفَ موعدَ
مالِ افراحي كدخان سجائري
مالِ أحزاني معي سرمدَ
أشعثٌ أنا كالون مواجعي
فهل يوماً تمطرُ سمواتي؟
أم أنها ستأتي بالمطرِ الأسودَ
أحببتُ وجعي وعشقتهُ
وكأنهُ أقسمَ على صحبتي
ومن يومها لم يُخلف ذاك الموعدَ
في داخلي أصواتُ حزنٍ
ترحل ولكن يبقى الصدى
لن تراني يا حزني منكسراً
بل تراني لربي ساجدَ
✏️ محمد الشيخ. ❝ ⏤الكاتب محمد الشيخ
❞ مع بدايةِ الصبحِ
أُهديها ورداًبطعمِ الندى
وأسيرُ مع بؤسي وأصحبهُ
على أملٍ أن يرحل غدَ
ولي موعدٌ مع فرحي
وأسالهُ بالله أن لا يُخّلفَ موعدَ
مالِ افراحي كدخان سجائري
مالِ أحزاني معي سرمدَ
أشعثٌ أنا كالون مواجعي
فهل يوماً تمطرُ سمواتي؟
أم أنها ستأتي بالمطرِ الأسودَ
أحببتُ وجعي وعشقتهُ
وكأنهُ أقسمَ على صحبتي
ومن يومها لم يُخلف ذاك الموعدَ
في داخلي أصواتُ حزنٍ
ترحل ولكن يبقى الصدى
لن تراني يا حزني منكسراً
بل تراني لربي ساجدَ
❞ صار يفهم لماذا لا تريد أمه مغادرة السرير ؛ لقد أفلتت من نطاق الجاذبية ، لولا أن الطفو في اللا مكان يعجبها . لقد عاشت في زمنه هو ، في عاداته هو . وعندما رحل صارت عالقة في اللازمن ، تتساءل عما ستفعله بنفسها . قهوته الصباحية ، سجائره ، جريدة اليوم ، خروجه للمشي في التاسعة صباحا ، دلق الماء في حوض النخلة ، لعن صلبوخ، وحتى طريقته التي لا تطاق في التذمرمن الغبار أسفل الثلاجة ، وأعلى فتحات التكييف . عندما يدلف إلى مكتبه ليقرأ في الثانية عشر وحتى الثانية ظهرا ، يصبح في مقدورها أن تمارس حياة تخصها ؛ تتابع قنوات الطبخ أو تقرأ القرآن . لكن اليوم الذي لا يبدأ به لا يبدأ أبداً. ❝ ⏤بثينة العيسي
❞ صار يفهم لماذا لا تريد أمه مغادرة السرير ؛ لقد أفلتت من نطاق الجاذبية ، لولا أن الطفو في اللا مكان يعجبها . لقد عاشت في زمنه هو ، في عاداته هو . وعندما رحل صارت عالقة في اللازمن ، تتساءل عما ستفعله بنفسها . قهوته الصباحية ، سجائره ، جريدة اليوم ، خروجه للمشي في التاسعة صباحا ، دلق الماء في حوض النخلة ، لعن صلبوخ، وحتى طريقته التي لا تطاق في التذمرمن الغبار أسفل الثلاجة ، وأعلى فتحات التكييف . عندما يدلف إلى مكتبه ليقرأ في الثانية عشر وحتى الثانية ظهرا ، يصبح في مقدورها أن تمارس حياة تخصها ؛ تتابع قنوات الطبخ أو تقرأ القرآن . لكن اليوم الذي لا يبدأ به لا يبدأ أبداً. ❝
❞ أشهر قصة تُحكى عن شرود الذهن هي قصة إديسون العالم الأميركي العبقري الذي لم يحضر حفل زفافه. السبب هو أنه انشغل في المختبر بتجربة مهمة، وقد بحثوا عنه كثيراً فاتضح أنه كتب موعد الزفاف في مفكرته لكنه نسي!
لا أعرف ما قاله لعروسه في تلك الليلة السوداء لكن التاريخ لا يذكر أن فسخ الخطبة قد تم على كل حال.
وهناك نيوتن عالم الرياضيات الذي كان جالساً قرب المدفأة لكنه لا يشعر بالدفء. فطلب من خادمه أن ينزع المدفأة من الجدار ويقربها منه، فقال له الخادم في أدب:
ـ لماذا لا يقوم سيدي بتقريب مقعده من النار؟
هنا شهق نيوتن، وأعلن أن خادمه عبقري حاضر الذهن فعلاً!
القصة الأغرب هي (تشسترتون) الكاتب المسرحي البريطاني الشهير الذي وقف في طابور مكتب البريد ليحصل على حوالة مالية، فلما بلغ الشباك اكتشف أنه نسي اسمه!، وكان أول ما قاله للموظف المذهول:
ـ معذرة يا سيدي... لكن هل تعرف اسمي؟!!
يمكننا بسهولة أن نتصور ما قاله الموظف وما فعله.
شرود ذهن العباقرة أمر معروف للجميع، وإن كان يسبب الدهشة أولاً.
وكثيراً ما يدفع الناس إلى اعتبار العبقري على شيء من ""الخبال"" أو الجنون... لكنهم بعد ذلك يقبلونه باحترام.
لكني أعترف أن شرود الذهن لا يدل على العبقرية في كل الظروف، بل قد يدل على عقل خاو تماماً. وباعتباري من الذين اشتهروا بشرود الذهن، فإنني أقر وأعترف أن أغلب الأوقات التي شوهدت فيها شارداً لم يكن في رأسي أي شيء مفيد، لكن الناس تنظر لي في احترام، وتتصور أني أنظم قصيدة عصماء أو قصة عبقرية.
أشهر من عرف بشرود الذهن في عالم الأدب هو الأديب المصري (توفيق الحكيم)، لكن المخرج (محمد كريم) جلس معه طويلاً أثناء كتابة سيناريو فيلم (رصاصة في القلب) ولاحظ أن جزءاً من هذا الشرود إرادي تماماً. مثلاً، لاحظ أن توفيق الحكيم يجلس شارد الذهن وذقنه مستندة على مقبض عصاه، فيقول له محمد كريم: هناك فتاة حسناء سألت عنك أمس.
عندها يفيق الفيلسوف الشارد على الفور، ويستفسر عن كل التفاصيل. هذا إذن شرود إرادي يفيق منه متى أراد.
الموسيقار عبد الوهاب اشتهر بالشرود الحقيقي، ويقول كل من اقتربوا منه إنه كان يزوم كالقطط طيلة الوقت لأن الألحان لا تكف عن زيارة عقله.
أحمد شوقي الشاعر كان شارد الذهن كذلك، وكان يخرج علبة السجائر كل بضع دقائق ليدون على هامشها بضعة أبيات قبل أن تضيع.
على كل حال، يمكنك أن تنجو بشرودك فلا يسخر منك أحد إذا أقنعت الناس أنك فنان. وهو حل لا بد أن تلجأ إليه إذا أردت أن تنجو من مواقف محرجة جداً.
مثلاً، ذات مرة كنت شارد الذهن وقابلت امرأة ذات وجه مألوف على سلم بيتي فهززت رأسي وقلت في وقار متحفظ: مساء الخير.
وواصلت النزول، فقط بعد ربع ساعة تذكرت أن التي قابلتها هي أختي! والله العظيم حدث هذا وليس من تأليفي.
في مرة أخرى كانت زميلة عمل مملة تكلمني بصوت رتيب عن أشياء كثيرة، فلجأت إلى الحل الأمثل وهو صوت (م م م!) كل ثلاثين ثانية بما يوحي بأنني أتابعها.
وفجأة فطنت إلى أنها تنظر لي في لوم وقد كفت عن الكلام الرتيب، ولما نظرت إليها قالت:
ـ أنا أسألك!!، وكالعادة لا إجابة عندك إلا (م م م).
هذه مواقف محرجة جداً لهذا عليك أن تقنع الناس على سبيل الاعتذار أنك عبقري وأنك تفكر في عظائم الأمور. عليك أن تعتذر ثم تخرج ورقة مطوية وتدون فيها بعض الكلمات بلهفة ويد ترتجف، ثم تتنهد في ارتياح كمن فرغ من آخر بيتين في ملحمة الإلياذة.
غرابة أطوار؟ ربما... لكنها ليست أغرب من أن تقابل أختك فلا تعرفها، أو تكتشف زميلتك انك لا تسمع حرفًا مما تقول.
وكمــــا هي العــــــادة، شرود الذهن سوف يجــــــعلني أفرغ من كتابة هذا المقال ثم أرسله لزوج خالتي كما أفعـل في كل مرة، بدلاً من إرساله لهذه الجريدة الغراء، وسأزعم أنني كنت أفكر في المقال التالي!
#أحمد_خالد_توفيق
الشاردون. ❝ ⏤أحمد خالد توفيق
❞ أشهر قصة تُحكى عن شرود الذهن هي قصة إديسون العالم الأميركي العبقري الذي لم يحضر حفل زفافه. السبب هو أنه انشغل في المختبر بتجربة مهمة، وقد بحثوا عنه كثيراً فاتضح أنه كتب موعد الزفاف في مفكرته لكنه نسي!
لا أعرف ما قاله لعروسه في تلك الليلة السوداء لكن التاريخ لا يذكر أن فسخ الخطبة قد تم على كل حال.
وهناك نيوتن عالم الرياضيات الذي كان جالساً قرب المدفأة لكنه لا يشعر بالدفء. فطلب من خادمه أن ينزع المدفأة من الجدار ويقربها منه، فقال له الخادم في أدب:
ـ لماذا لا يقوم سيدي بتقريب مقعده من النار؟
هنا شهق نيوتن، وأعلن أن خادمه عبقري حاضر الذهن فعلاً!
القصة الأغرب هي (تشسترتون) الكاتب المسرحي البريطاني الشهير الذي وقف في طابور مكتب البريد ليحصل على حوالة مالية، فلما بلغ الشباك اكتشف أنه نسي اسمه!، وكان أول ما قاله للموظف المذهول:
ـ معذرة يا سيدي.. لكن هل تعرف اسمي؟!!
يمكننا بسهولة أن نتصور ما قاله الموظف وما فعله.
شرود ذهن العباقرة أمر معروف للجميع، وإن كان يسبب الدهشة أولاً.
وكثيراً ما يدفع الناس إلى اعتبار العبقري على شيء من ""الخبال"" أو الجنون.. لكنهم بعد ذلك يقبلونه باحترام.
لكني أعترف أن شرود الذهن لا يدل على العبقرية في كل الظروف، بل قد يدل على عقل خاو تماماً. وباعتباري من الذين اشتهروا بشرود الذهن، فإنني أقر وأعترف أن أغلب الأوقات التي شوهدت فيها شارداً لم يكن في رأسي أي شيء مفيد، لكن الناس تنظر لي في احترام، وتتصور أني أنظم قصيدة عصماء أو قصة عبقرية.
أشهر من عرف بشرود الذهن في عالم الأدب هو الأديب المصري (توفيق الحكيم)، لكن المخرج (محمد كريم) جلس معه طويلاً أثناء كتابة سيناريو فيلم (رصاصة في القلب) ولاحظ أن جزءاً من هذا الشرود إرادي تماماً. مثلاً، لاحظ أن توفيق الحكيم يجلس شارد الذهن وذقنه مستندة على مقبض عصاه، فيقول له محمد كريم: هناك فتاة حسناء سألت عنك أمس.
عندها يفيق الفيلسوف الشارد على الفور، ويستفسر عن كل التفاصيل. هذا إذن شرود إرادي يفيق منه متى أراد.
الموسيقار عبد الوهاب اشتهر بالشرود الحقيقي، ويقول كل من اقتربوا منه إنه كان يزوم كالقطط طيلة الوقت لأن الألحان لا تكف عن زيارة عقله.
أحمد شوقي الشاعر كان شارد الذهن كذلك، وكان يخرج علبة السجائر كل بضع دقائق ليدون على هامشها بضعة أبيات قبل أن تضيع.
على كل حال، يمكنك أن تنجو بشرودك فلا يسخر منك أحد إذا أقنعت الناس أنك فنان. وهو حل لا بد أن تلجأ إليه إذا أردت أن تنجو من مواقف محرجة جداً.
مثلاً، ذات مرة كنت شارد الذهن وقابلت امرأة ذات وجه مألوف على سلم بيتي فهززت رأسي وقلت في وقار متحفظ: مساء الخير.
وواصلت النزول، فقط بعد ربع ساعة تذكرت أن التي قابلتها هي أختي! والله العظيم حدث هذا وليس من تأليفي.
في مرة أخرى كانت زميلة عمل مملة تكلمني بصوت رتيب عن أشياء كثيرة، فلجأت إلى الحل الأمثل وهو صوت (م م م!) كل ثلاثين ثانية بما يوحي بأنني أتابعها.
وفجأة فطنت إلى أنها تنظر لي في لوم وقد كفت عن الكلام الرتيب، ولما نظرت إليها قالت:
ـ أنا أسألك!!، وكالعادة لا إجابة عندك إلا (م م م).
هذه مواقف محرجة جداً لهذا عليك أن تقنع الناس على سبيل الاعتذار أنك عبقري وأنك تفكر في عظائم الأمور. عليك أن تعتذر ثم تخرج ورقة مطوية وتدون فيها بعض الكلمات بلهفة ويد ترتجف، ثم تتنهد في ارتياح كمن فرغ من آخر بيتين في ملحمة الإلياذة.
غرابة أطوار؟ ربما.. لكنها ليست أغرب من أن تقابل أختك فلا تعرفها، أو تكتشف زميلتك انك لا تسمع حرفًا مما تقول.
وكمــــا هي العــــــادة، شرود الذهن سوف يجــــــعلني أفرغ من كتابة هذا المقال ثم أرسله لزوج خالتي كما أفعـل في كل مرة، بدلاً من إرساله لهذه الجريدة الغراء، وسأزعم أنني كنت أفكر في المقال التالي!
❞ الأوهام حولك فى كل مكان ..
والحل الوحيد أمامك هو أن تكون سيد هذه الأوهام ..
وأن تصنعها بيدك ...
دنيانا غريبة .. وحياتنا مصنوعة من الوهم .
الواقع حولنا جامد ميت عديم المعنى .. ونحن الذين نعطيه المعنى والقيمة والأهمية ..
نجعله ينبض بالحياة ..
الكراسى والأشجار والحيوانات والنساء والفواكه .. تظل أشياء لا معنى لها حتى نحبها
ونشتهيها ونطلبها ونجرى وراءها .. فتنبض بالأهمية والحياة ..
المرأة تظل كمية مهملة .. تظل غير موجودة فى حياتنا تماماً .. حتى نحبها فتوجد ..
وتصبح شيئاً مهما .. يسعدنا ويشقينا ..
نحن الذين نعطيها القيمة والأهمية ثم نحبها .. وفى الحقيقة نحب الوهم الذى خلقناه منها
ولا نحبها فى ذاتها ..
ونحن الذين نسبغ الخطر على الأشياء ثم نخاف منها ونجزع ..
وفى الحقيقة نفزع من الخطورة التى أسبغناها عليها .. وليس منها لذاتها
لا شئ له قيمة فى ذاته .. كل شئ زائل ..
ونحن الذين نعطيه قيمته وأهميته .. ثم نتألم ونتعذب من أجل هذه الأهمية المزعومة .
نفنى فى حب الأشخاص .. والأشخاص الذين نفنى فيهم ..زائلون فانون بطبيعتهم ..
وهذا أمر مضحك .. ولكنه لا يضحكنا ..وإنما يبكينا ويعذبنا ..
لأن غرضنا يلتبس علينا ..فنحب الأشخاص .. على حين أننا فى الحقيقة نحب المعانى
التى تصورناها فى هؤلاء الأشخاص .
ونحن مساكين .. لأننا لا نجد فى الحياة شيئاً خالصاً صافياً ..
لا نجد معانى خاصة صافية .. المعانى دائاً مزروعة فى أشخاص ..
والأوهام مزروعة فى الحقائق .. والتصور مزروع فى الواقع ..
ونحن أنفسنا .. مزروعين فى أجسادنا ..
نحن نسيج غريب من الوهم والحقيقة .. من الواقع والتصور .. من الوجود والفناء ..
نحن الوهم الأكبر .. والعذاب الأكبر ..
والفنان أكثرنا عذابا ..لأن الأوهام مادة حياته ..
والخيالات .. والأفكار .. والأنغام .. هى متعته ومهنته ولقمته .. فهو يأكل من أعصابه وأحلامه ..
الراحة تقتله .. والاستقرار يقتله .. والواقع يقتله .. والاطمئنان يقتله ..
والفضيلة بشكلها المألوف تقتله ..
الفضيلة عنده تنمو من الشك .. وكل القيم والأفكار والمبادئ تنمو من الشك
وتتطور وتأخد أشكالاً جديدة باستمرار ..
وعليه دائماً أن يسبح فى دوامة الشك .. ليبتكر ويجدد ويخلق .. ويرتفع فىق المألوف .
لى صديق فنان مرهف الأعصاب .. يعيش دائماً فى شك .. وقلق ..
وأرق .. وملل وخوف .. وحب ..
عيناه زائغتان يسكنهما فزع غريب هادئ .. وقلبه تعتصره هواجس عنيفة ..
وحياته صراع لا ينتهى مع هذه الأشباح التى لا ذيل لها ولا رأس ..
يحاول أن يتغلب عليها بالشاى والقهوة والسجائر والخمر والأقراص المسكنة ..
والإغراق فى الكتب والإغراق السهرات .. والإغراق فى الناس ..
والضحك .. والصياح ..
وأحيانا ينجح ويفلت من هذا الحصار الداخلى الغريب ويخرج إلى الدنيا ..
يلهو ويقفز ويرقص كالطفل ..
وأحيانا يفشل .. فتجره الأشباح إلى ظلامها ويزوغ بصره ويبدو كالغريق
الذى يغوص شيئاً فشيئاً فى لجةٍ عميقة ..
مشكلته أنه لا ينام .. يقضى ليالى بطولها مؤرقاً لا يذوق طعم النوم ..
يصرخ ويتوسل أن أعطيه أقراصاً منومة ..
ومن عادتى أن أعطيه أقراصا من النشا .. أقول لها إنها أقراص شديدة المفعول ..
وهى نفس الطريقة التى يستعملونها فى عيادات الأمراض النفسية ..
ويبتلع الأقراص المزيفة .. وبعد دقائق تثقل أجفانه وبعد دقائق أخرى يزحف النوم إلى عينيه ..
ويروح فى سباتٍ عميق .. ليس بمفعول الأقراص .. ولكن بمفعول الوهم ..
إن مرضه وهم .. ودواءه وهم .. وهو نفسه وهم ..وكلنا أوهام ..
أوهام .. تعسة .. كبيرة ..
مقال: الوهم
للدكتور / مصطفى محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ الأوهام حولك فى كل مكان .
والحل الوحيد أمامك هو أن تكون سيد هذه الأوهام .
وأن تصنعها بيدك ..
دنيانا غريبة . وحياتنا مصنوعة من الوهم .
الواقع حولنا جامد ميت عديم المعنى . ونحن الذين نعطيه المعنى والقيمة والأهمية .
نجعله ينبض بالحياة .
الكراسى والأشجار والحيوانات والنساء والفواكه . تظل أشياء لا معنى لها حتى نحبها
ونشتهيها ونطلبها ونجرى وراءها . فتنبض بالأهمية والحياة .
المرأة تظل كمية مهملة . تظل غير موجودة فى حياتنا تماماً . حتى نحبها فتوجد .
وتصبح شيئاً مهما . يسعدنا ويشقينا .
نحن الذين نعطيها القيمة والأهمية ثم نحبها . وفى الحقيقة نحب الوهم الذى خلقناه منها
ولا نحبها فى ذاتها .
ونحن الذين نسبغ الخطر على الأشياء ثم نخاف منها ونجزع .
وفى الحقيقة نفزع من الخطورة التى أسبغناها عليها . وليس منها لذاتها
لا شئ له قيمة فى ذاته . كل شئ زائل .
ونحن الذين نعطيه قيمته وأهميته . ثم نتألم ونتعذب من أجل هذه الأهمية المزعومة .
نفنى فى حب الأشخاص . والأشخاص الذين نفنى فيهم .زائلون فانون بطبيعتهم .
وهذا أمر مضحك . ولكنه لا يضحكنا .وإنما يبكينا ويعذبنا .
لأن غرضنا يلتبس علينا .فنحب الأشخاص . على حين أننا فى الحقيقة نحب المعانى
التى تصورناها فى هؤلاء الأشخاص .
ونحن مساكين . لأننا لا نجد فى الحياة شيئاً خالصاً صافياً .
لا نجد معانى خاصة صافية . المعانى دائاً مزروعة فى أشخاص .
والأوهام مزروعة فى الحقائق . والتصور مزروع فى الواقع .
ونحن أنفسنا . مزروعين فى أجسادنا .
نحن نسيج غريب من الوهم والحقيقة . من الواقع والتصور . من الوجود والفناء .
نحن الوهم الأكبر . والعذاب الأكبر .
والفنان أكثرنا عذابا .لأن الأوهام مادة حياته .
والخيالات . والأفكار . والأنغام . هى متعته ومهنته ولقمته . فهو يأكل من أعصابه وأحلامه .
الراحة تقتله . والاستقرار يقتله . والواقع يقتله . والاطمئنان يقتله .
والفضيلة بشكلها المألوف تقتله .
الفضيلة عنده تنمو من الشك . وكل القيم والأفكار والمبادئ تنمو من الشك
وتتطور وتأخد أشكالاً جديدة باستمرار .
وعليه دائماً أن يسبح فى دوامة الشك . ليبتكر ويجدد ويخلق . ويرتفع فىق المألوف .
لى صديق فنان مرهف الأعصاب . يعيش دائماً فى شك . وقلق .
وأرق . وملل وخوف . وحب .
عيناه زائغتان يسكنهما فزع غريب هادئ . وقلبه تعتصره هواجس عنيفة .
وحياته صراع لا ينتهى مع هذه الأشباح التى لا ذيل لها ولا رأس .
يحاول أن يتغلب عليها بالشاى والقهوة والسجائر والخمر والأقراص المسكنة .
والإغراق فى الكتب والإغراق السهرات . والإغراق فى الناس .
والضحك . والصياح .
وأحيانا ينجح ويفلت من هذا الحصار الداخلى الغريب ويخرج إلى الدنيا .
يلهو ويقفز ويرقص كالطفل .
وأحيانا يفشل . فتجره الأشباح إلى ظلامها ويزوغ بصره ويبدو كالغريق
الذى يغوص شيئاً فشيئاً فى لجةٍ عميقة .
مشكلته أنه لا ينام . يقضى ليالى بطولها مؤرقاً لا يذوق طعم النوم .
يصرخ ويتوسل أن أعطيه أقراصاً منومة .
ومن عادتى أن أعطيه أقراصا من النشا . أقول لها إنها أقراص شديدة المفعول .
وهى نفس الطريقة التى يستعملونها فى عيادات الأمراض النفسية .
ويبتلع الأقراص المزيفة . وبعد دقائق تثقل أجفانه وبعد دقائق أخرى يزحف النوم إلى عينيه .
ويروح فى سباتٍ عميق . ليس بمفعول الأقراص . ولكن بمفعول الوهم .
إن مرضه وهم . ودواءه وهم . وهو نفسه وهم .وكلنا أوهام .
أوهام . تعسة . كبيرة .
❞ كيف تكسب ألف جنيه فورا
اطمئن..
لن أقول لك اقطع الكوبون في أسفل الصفحة و أرسله مع اسمك و عنوانك مع الأجوبة على الاستفتاء كذا.. و لن أحول الموضوع إلى مسابقة تنفق عليها(( سيجنال)) أو إعلان توزع جوائزه (( رابسو)).
إنما الموضوع جد.
و سوف أفكر معك بجد. و لنبدأ من أمثلة بسيطة.
و في مثل هذا البرد الشديد لا بد أنك فكرت كيف تتدفأ.
و كذلك فكر الإنسان البدائي عندما داهمته أول موجة برد.. و أعمل ذهنه.. و ظل يخبط جبهته بيده و يخبط حجرا بحجر و هو شارد.. و اندلعت أول شرارة مصادفة من صك الحجر بالحجر.. و حملق الإنسان المذهول في هذه الظاهرة العجيبة.
و لا شك أنه قد اتخذها بعد ذلك لعبة.. حتى أمسكت الشرارة ذات مساء بعود قش جاف و أضرمته نارا.
و تعلم الإنسان منذ ذلك اليوم كيف يحتطب و يجمع الأخشاب، و يشعل النار و يرقص حولها، و يطهو طعامه و يتدفأ.
ثم اكتشف الفحم.
ثم اكتشف البترول.
ثم اكتشف الغاز الطبيعي القابل للاشتعال.
ثم اكتشف الكهرباء.
ثم اكتشف جهاز التكييف.
و كانت أول ثروة طبيعية للإنسان هي يديه و حيلته.
و عن طريق يديه صنع الأدوات.
و بهذه الأدوات قطع الأشجار و حفر الأرض لاستخراج الفحم.
و كان هناك رجل أكثر ذكاء اكتفى بالجلوس بعيدا لا يعمل يديه في شيء و إنما يأخذ مما جمعه العامل ليبيعه.
ثم ظهر أناس أكثر ذكاء لا يعملون أي شيء سوى أن يقوموا بالوساطة بين الأيدي التي تأخذ و تعطي، و يقبضون في مقابل هذه العملية سمسرة تفوق ما يربحه العامل و البائع.
ثم تعقدت أدوات الإنتاج لتتحول إلى مصانع.
و أصبح المصنع هو قلعة الحاوي التي يوضع تحتها التراب فيخرج منها حديدا و أسياخا و صفائح صلب و سيارات و أجهزة تكييف.. مع ربح هائل يدخل معظمه في جيب صاحب المصنع.
ثم ظهرت مؤسسات بهلوانية اسمها الشركات وظيفتها الإعلان و التسويق و الترويج و البيع و التجارة في تلك المنتجات.. تقوم بالوساطة بين المصنع و بين المشتري و تكسب من الإثنين أكثر مما يكسبه الصانع و صاحب المصنع.
و لأن المال السائل في قدرته أن يشتري المصنع و يؤسس الشركة فقد أصبح رأس المال بذاته قادرا على التوالد و التكاثر بدون أن يعمل صاحبه في شيء.. فقط ما عليه إلا أن يودعه في بنك فيلد له نسبة مئوية كل سنة.. فإذا أقام به مصنعا أو أسس به شركة فسوف يحصل على نسبة أكبر من الربح.. و إذا وقف يقامر به في البورصة على اضطراب الأسعار نزولا و صعودا مع اختلاف إلى العرض و الطلب و مع أزمات السياسة و حمى الفقر و الغنى التي تتداول الناس و الشعوب فسوف يكسب أكثرمن الكل لأنه سوف يتاجر في الفلوس ذاتها، و سوف يتاجر في التجارة و في سعر الذهب و الورق الذي لا يستقر على حال.
و الأغنياء و الأذكياء الجدد الذين اشتروا بأموالهم كل شيء مما كانوا يحلمون به من أرض و دور و قصور و متاع لم يقفوا عند حد، لأن ثرواتهم لم تكن تقف عند حد، فبدأوا يشترون الذمم ثم يشترون الأحزاب و الحكومات ثم يحركون السلطة لصالحهم فيدفعونها إلى تجييش الجيوش و غزو البلاد المتخلفة و استعمارها لتكون أسواقا جديدة، و مصادر جديدة للثروة و القوة.
و آخر صورة محزنة من هذا الذكاء البشري هو ما نراه الآن، فالأقوياء الأغنياء لم يعودوا يفكرون حتى في أن يحاربوا.. و إنما اكتفت الدول الكبرى بأن تصنع السلاح ثم تبيعه للأمم الفقيرة الصغيرة لتقتل به بعضها بعضا.. و تطوع الأذكياء بإشعال الفتن في هذه الدول الصغيرة البائسة. كلما نامت الخلافات أوقدوا نارها.. بين الهندوس و المسلمين في الهند، و بين المسلمين و المسيحيين في نيجيريا، و بين الكاثوليك و البروتستانت في ايرلندا، لتظل الحرب مشتعلة تأكل السلاح و تبقي على الصغار صغارا و تجعل الكبار أكبر و الأغنياء أغنى.
و برغم دعاوي الاشتراكية ظل القانون القديم سائدا.. إن من عنده يربح فيزداد.. و من ليس عنده يخسر أكثر فأكثر.. الكبير يزداد كبرا و الصغير يزداد صغرا.
و العلم بتطوره السريع يهدد المتخلفين الذين يزدادون تخلفا في معاركهم مع الكبار.. يهددهم بأن يتحولوا إلى قرود، بالنسبة إلى الأدوات العلمية التي تتطور في أيدي الكبار فتحولهم إلى عمالقة و أنصاف أرباب.
و الدول الكبرى لم تعد تتصرف بحكم المبادئ و الأيديولوجيات.. و إنما أصبحت تتصرف بحكم كونها كبرى و يجب أن تظل كبرى و تصير أكبر في مواجهة دول أخرى(( كبرى)) تحاول أن تكون أكبر و في حلبة الصراع بين الكبار.. تدوس الأقدام الصغار.. و تدوس مصالحهم، و تدوس حياتهم.
هل فهمت شيئا من هذه القصة.
لقد فهمت شيئا من السياسة.
و فهمت أن الإنسان كان يكسب دائما باستخدام يديه و عقله و حيلته. و أن هناك طريقتين للكسب، أن تكسب بالحيلة الشريفة عن طريق عمل يديك و عمل عقلك، و أن تكسب بالحيلة الخبيثة عن طريق أيدي الآخرين و عقولهم، و أن في الإمكان أن تكسب ألف جنيه بشرف.. و ذلك بأن تقدم عملا أو كشفا أو اختراعا أو إمتاعا أو نفعا للناس يساوي تلك القيمة.. و لا عذر لك.. و لا يصح لك أن تتعلل بأن حظك من العلم قليل. فقد بدأ أديسون المخترع العظيم حياته صبيا يبيع الجرائد، ثم اخترع لنا المصباح الكهربائي و الجراموفون.. كما بدأ عالم الكهرباء العظيم مايكل فاراداي حياته صبيا يعمل في محل تجليد كتب، ثم اكتشف قوانين الكهرباء التي اخترعت على أساسها جميع أجهزة اللاسلكي فيما بعد.
و اللاعب البرايزيلي بيليه جمع ثروة هائلة من مجرد إتقان الجري.. و أي اجتهاد في أي شيء و لو كان اجتهادا في اللعب.. لابد أن يؤتي ثمرته.
اعمل بجد في أي شيء.
و إذا لعبت فالعب بجد.
و ابدأ فورا من الآن.
لا تبرر كسلك بأن العلم في المدارس و الجامعات و أنت محروم من المدارس و الجامعات.. فالعلم في الكتب و المكتبات.. و هو متاح على الأرصفة أرخص من علب السجائر.
و هو في دور الكتب مجانا.
و القدرة على الابتكار موهبة أودعها الله في كل عقل.. كل ما عليك أن تبدأ.
غادر مقعدك المألوف على المقهى فورا.. و اكدح بذهنك و يديك في شيء.. و لا تظن أن (( الألف جنيه)) قد وقعت على رأس أي واحد بمجرد التمني و بدون أن يجتهد في كسبها.
و تأكد أن تسخيرك لذكائك أسهل من تسخيرك للجن.
و ثق بأن مفعول ذكائك أقوى من مفعول السحر.
و إذا شككت في كلامي فاقرأ المقال من جديد لتعلم كيف قامت دول كبرى.. و كيف صنع المصنع ما لا تصنعه قبعة الحاوي.. و كيف صعد الإنسان للقمر دون بساط سليمان.. و كيف أنك مهدد بأن تتحول إلى قرد إذا ظللت جالسا في جلستك اليومية على المقهى لا تجهد ذهنك في شيء.. و العالم من حولك في سباق علمي رهيب يفض أسرار الذرة، و يسخر القوى النووية في صناعة الأعاجيب.. فيزداد الأقوياء قوة، و يزداد الضعفاء ضعفا.. إلى أن يصبح المتخلفون في مكانة القرود أو أقل من القرود.
هل تشعر بأني خدعتك.
بل لو كنت قلت غير هذا لكنت خدعتك.
صدقني..
من كتاب الشيطان يحكم
( كتب الدكتور مصطفى محمود هذا المقال عام 1986 حيث كان الألف جنيه مبلغ ضخم ). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ كيف تكسب ألف جنيه فورا
اطمئن.
لن أقول لك اقطع الكوبون في أسفل الصفحة و أرسله مع اسمك و عنوانك مع الأجوبة على الاستفتاء كذا. و لن أحول الموضوع إلى مسابقة تنفق عليها(( سيجنال)) أو إعلان توزع جوائزه (( رابسو)).
إنما الموضوع جد.
و سوف أفكر معك بجد. و لنبدأ من أمثلة بسيطة.
و في مثل هذا البرد الشديد لا بد أنك فكرت كيف تتدفأ.
و كذلك فكر الإنسان البدائي عندما داهمته أول موجة برد. و أعمل ذهنه. و ظل يخبط جبهته بيده و يخبط حجرا بحجر و هو شارد. و اندلعت أول شرارة مصادفة من صك الحجر بالحجر. و حملق الإنسان المذهول في هذه الظاهرة العجيبة.
و لا شك أنه قد اتخذها بعد ذلك لعبة. حتى أمسكت الشرارة ذات مساء بعود قش جاف و أضرمته نارا.
و تعلم الإنسان منذ ذلك اليوم كيف يحتطب و يجمع الأخشاب، و يشعل النار و يرقص حولها، و يطهو طعامه و يتدفأ.
ثم اكتشف الفحم.
ثم اكتشف البترول.
ثم اكتشف الغاز الطبيعي القابل للاشتعال.
ثم اكتشف الكهرباء.
ثم اكتشف جهاز التكييف.
و كانت أول ثروة طبيعية للإنسان هي يديه و حيلته.
و عن طريق يديه صنع الأدوات.
و بهذه الأدوات قطع الأشجار و حفر الأرض لاستخراج الفحم.
و كان هناك رجل أكثر ذكاء اكتفى بالجلوس بعيدا لا يعمل يديه في شيء و إنما يأخذ مما جمعه العامل ليبيعه.
ثم ظهر أناس أكثر ذكاء لا يعملون أي شيء سوى أن يقوموا بالوساطة بين الأيدي التي تأخذ و تعطي، و يقبضون في مقابل هذه العملية سمسرة تفوق ما يربحه العامل و البائع.
ثم تعقدت أدوات الإنتاج لتتحول إلى مصانع.
و أصبح المصنع هو قلعة الحاوي التي يوضع تحتها التراب فيخرج منها حديدا و أسياخا و صفائح صلب و سيارات و أجهزة تكييف. مع ربح هائل يدخل معظمه في جيب صاحب المصنع.
ثم ظهرت مؤسسات بهلوانية اسمها الشركات وظيفتها الإعلان و التسويق و الترويج و البيع و التجارة في تلك المنتجات. تقوم بالوساطة بين المصنع و بين المشتري و تكسب من الإثنين أكثر مما يكسبه الصانع و صاحب المصنع.
و لأن المال السائل في قدرته أن يشتري المصنع و يؤسس الشركة فقد أصبح رأس المال بذاته قادرا على التوالد و التكاثر بدون أن يعمل صاحبه في شيء. فقط ما عليه إلا أن يودعه في بنك فيلد له نسبة مئوية كل سنة. فإذا أقام به مصنعا أو أسس به شركة فسوف يحصل على نسبة أكبر من الربح. و إذا وقف يقامر به في البورصة على اضطراب الأسعار نزولا و صعودا مع اختلاف إلى العرض و الطلب و مع أزمات السياسة و حمى الفقر و الغنى التي تتداول الناس و الشعوب فسوف يكسب أكثرمن الكل لأنه سوف يتاجر في الفلوس ذاتها، و سوف يتاجر في التجارة و في سعر الذهب و الورق الذي لا يستقر على حال.
و الأغنياء و الأذكياء الجدد الذين اشتروا بأموالهم كل شيء مما كانوا يحلمون به من أرض و دور و قصور و متاع لم يقفوا عند حد، لأن ثرواتهم لم تكن تقف عند حد، فبدأوا يشترون الذمم ثم يشترون الأحزاب و الحكومات ثم يحركون السلطة لصالحهم فيدفعونها إلى تجييش الجيوش و غزو البلاد المتخلفة و استعمارها لتكون أسواقا جديدة، و مصادر جديدة للثروة و القوة.
و آخر صورة محزنة من هذا الذكاء البشري هو ما نراه الآن، فالأقوياء الأغنياء لم يعودوا يفكرون حتى في أن يحاربوا. و إنما اكتفت الدول الكبرى بأن تصنع السلاح ثم تبيعه للأمم الفقيرة الصغيرة لتقتل به بعضها بعضا. و تطوع الأذكياء بإشعال الفتن في هذه الدول الصغيرة البائسة. كلما نامت الخلافات أوقدوا نارها. بين الهندوس و المسلمين في الهند، و بين المسلمين و المسيحيين في نيجيريا، و بين الكاثوليك و البروتستانت في ايرلندا، لتظل الحرب مشتعلة تأكل السلاح و تبقي على الصغار صغارا و تجعل الكبار أكبر و الأغنياء أغنى.
و برغم دعاوي الاشتراكية ظل القانون القديم سائدا. إن من عنده يربح فيزداد. و من ليس عنده يخسر أكثر فأكثر. الكبير يزداد كبرا و الصغير يزداد صغرا.
و العلم بتطوره السريع يهدد المتخلفين الذين يزدادون تخلفا في معاركهم مع الكبار. يهددهم بأن يتحولوا إلى قرود، بالنسبة إلى الأدوات العلمية التي تتطور في أيدي الكبار فتحولهم إلى عمالقة و أنصاف أرباب.
و الدول الكبرى لم تعد تتصرف بحكم المبادئ و الأيديولوجيات. و إنما أصبحت تتصرف بحكم كونها كبرى و يجب أن تظل كبرى و تصير أكبر في مواجهة دول أخرى(( كبرى)) تحاول أن تكون أكبر و في حلبة الصراع بين الكبار. تدوس الأقدام الصغار. و تدوس مصالحهم، و تدوس حياتهم.
هل فهمت شيئا من هذه القصة.
لقد فهمت شيئا من السياسة.
و فهمت أن الإنسان كان يكسب دائما باستخدام يديه و عقله و حيلته. و أن هناك طريقتين للكسب، أن تكسب بالحيلة الشريفة عن طريق عمل يديك و عمل عقلك، و أن تكسب بالحيلة الخبيثة عن طريق أيدي الآخرين و عقولهم، و أن في الإمكان أن تكسب ألف جنيه بشرف. و ذلك بأن تقدم عملا أو كشفا أو اختراعا أو إمتاعا أو نفعا للناس يساوي تلك القيمة. و لا عذر لك. و لا يصح لك أن تتعلل بأن حظك من العلم قليل. فقد بدأ أديسون المخترع العظيم حياته صبيا يبيع الجرائد، ثم اخترع لنا المصباح الكهربائي و الجراموفون. كما بدأ عالم الكهرباء العظيم مايكل فاراداي حياته صبيا يعمل في محل تجليد كتب، ثم اكتشف قوانين الكهرباء التي اخترعت على أساسها جميع أجهزة اللاسلكي فيما بعد.
و اللاعب البرايزيلي بيليه جمع ثروة هائلة من مجرد إتقان الجري. و أي اجتهاد في أي شيء و لو كان اجتهادا في اللعب. لابد أن يؤتي ثمرته.
اعمل بجد في أي شيء.
و إذا لعبت فالعب بجد.
و ابدأ فورا من الآن.
لا تبرر كسلك بأن العلم في المدارس و الجامعات و أنت محروم من المدارس و الجامعات. فالعلم في الكتب و المكتبات. و هو متاح على الأرصفة أرخص من علب السجائر.
و هو في دور الكتب مجانا.
و القدرة على الابتكار موهبة أودعها الله في كل عقل. كل ما عليك أن تبدأ.
غادر مقعدك المألوف على المقهى فورا. و اكدح بذهنك و يديك في شيء. و لا تظن أن (( الألف جنيه)) قد وقعت على رأس أي واحد بمجرد التمني و بدون أن يجتهد في كسبها.
و تأكد أن تسخيرك لذكائك أسهل من تسخيرك للجن.
و ثق بأن مفعول ذكائك أقوى من مفعول السحر.
و إذا شككت في كلامي فاقرأ المقال من جديد لتعلم كيف قامت دول كبرى. و كيف صنع المصنع ما لا تصنعه قبعة الحاوي. و كيف صعد الإنسان للقمر دون بساط سليمان. و كيف أنك مهدد بأن تتحول إلى قرد إذا ظللت جالسا في جلستك اليومية على المقهى لا تجهد ذهنك في شيء. و العالم من حولك في سباق علمي رهيب يفض أسرار الذرة، و يسخر القوى النووية في صناعة الأعاجيب. فيزداد الأقوياء قوة، و يزداد الضعفاء ضعفا. إلى أن يصبح المتخلفون في مكانة القرود أو أقل من القرود.
هل تشعر بأني خدعتك.
بل لو كنت قلت غير هذا لكنت خدعتك.
صدقني.
من كتاب الشيطان يحكم
( كتب الدكتور مصطفى محمود هذا المقال عام 1986 حيث كان الألف جنيه مبلغ ضخم ). ❝