❞ الدكتور عصام الدين إبراهيم النقيلي
الشواهد والمتابعات
الشاهد:
الشاهد لغة:
الشاهد وجمعه: شواهِد، شاهدون، وأشهاد، وشُهداءُ، وشُهَّد، وشُهُود، وهو المخبر بحق شخص على غيره عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، والشاهد: الدليل والبرهان[1].
الشاهد اصطلاحًا:
هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي.
ولتوضيح التعريف نقول: إذا ورد الحديث عن صحابي، ثم ورد نفس الحديث أو معناه عن صحابي آخر، كان هذا شاهدًا للحديث الأول، فمثلًا: إذا جاء حديث عن عائشة رضى الله عنها، ثم ورد نفس الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، فإنَّنا نطلق على حديث أبي هريرة شاهدًا لحديث عائشة وحديث عائشة شاهدًا لحديث أبي هريرة.
والشواهد على قسمين:
الأوَّل: أن يشارك الحديث الثاني الحديث الأول في اللفظ والمعنى.
والثَّاني: يشاركه بالمعنى دون اللفظ.
1 - مثال مشاركة الحديث في اللفظ والمعنى:
عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ\"[2].
فهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه: أبو ثِفَال المُري، قال فيه الذهبي: أبو ثفال المري ليس بعمدة، وروي مرسلًا بسند فيه مجهول ونحوه بسند فيه مجهول[3]، وقال ابن ابي حاتم: أبو ثقال مجهول، ورباح مجهول[4].
فهذا الحديث مع ضعفه الظاهر، فإنَّه يرتقي إلى الحسن لغيره بكثرة شواهده، وعلى ما قلت ذهب ابن حجر، وقال: غريب وله شواهد[5]، والسيوطي[6]، والشوكاني، وقال: حسن وله طرق أخرى[7]، والألباني، وقال: حسن لغيره[8]، والرَّابعي، وقال: بإسناد ضعيف وفي الباب أحاديث كثيرة في أسانيدها مقال، وبمجموع الأحاديث يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره[9]، والمباركفوري، وقال: مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا[10]، وغيرهم...
ومن شواهد هذا الحديث في اللفظ والمعنى:
أ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ\"[11]، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده يعقوب بن سَلمة، قال فيه ابن حجر العسقلاني: فيه يعقوب بن سلمة هو الليثي مجهول الحال[12]، وقال البغوي: سلمة الليثي مولاهم، قال البخاري: ولا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب عن أبيه[13]، وابن حجر قال: فيه الليثي، قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة[14]، وقال الذهبي: شيخ ليس بعمدة[15].
ب - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: \"لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ\"[16]، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده عبد المهيمن بن عباس وقد ضعَّفه الكثير، قال فيه البُخارِيّ: عَبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، منكر الْحَدِيثِ[17]، وكذلك ضعَّفه المباركفوري في التحفة[18].
ولا تزال أحاديث أخرى تشهد للحديث الأول يطول ذكرها، فكلُّ هذه الشواهد، تقَّوى بها الحديث الأوَّل وارتقى من الضعيف إلى الحسن لغيره.
فهذا مثال على الشاهد لفظًا ومعنى.
2 – مثال على مشاركة الحديث في المعنى دون اللفظ:
حديث \"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً\"[19]، وهذا الحديث الأصل فيه الإرسال، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رواه أشعث بن عبد الملك، عن الحسن مرسلًا[20].
وسند الحديث فيه سعيد بن بشير وهو ضعيف، قال فيه الأرنؤوط: في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، وعنعنَه الحسن، وذكر الترمذي أنه ورد مرسلا وقال: هو أصح[21].
وقال أبو محمد الحاكم: سعيد بن بشير ليس بالقوي عندهم، وقال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق، وقال البيهقي: ضعيف، وذكره العقيلي في الضعفاء[22].
ومن شواهد هذا الحديث بالمعنى:
أ – حديث الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فَقدتُموني فأنا فرَطُكم على الحوضِ، إنَّ لِكلِّ نبيٍّ حَوضًا، وَهُوَ قائمٌ على حوضِهِ، بيدِه عصًا يدعو مَن عرفَ من أمَّتِهِ، ألا وإنَّهم يتباهونَ أيُّهم أَكثَرُ تبعًا، والَّذي نَفسي بيدِهِ، إنِّي لأرجو أن أَكونَ أَكثرَهُم تَبعًا[23]، قال ابن كثير وهذا مرسل عن الحسن البصري[24].
وقال الألباني: مرسل رجاله رجال الصحيح، فيه خالد بن خداش وحزم بن أبي حزم فيهما كلام وهو صحيح عن الحسن من طريق أخرى[25].
والصحيح أنَّ خالد بن خداش ليس به بأس وهو من شيوخ مسلم، قال فيه الرازي: صدوق، وقال العسقلاني: صدوق يخطئ، وقال الدارقطني، ثقة ربما وهم، وقال الأزدي: لا بأس به، وقال الواقدي: ثقة، وقال يحيى بن معين: صدوق، ومرة ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث، وفي رواية ابن محرز قال: لا بأس به[26]، فكما تلاحظ فإنَّ غالب أهل الصنعة أجمعوا على توثيقه إلَّا النَّزر القليل بسبب الوهم غير المطبق عليه أي أحيانا يهم، وعلى هذا فهو من رجال الحديث الحسن.
وأمَّا حزم بن أبي حزم فقد قال فيه ابن حنبل: شيخ ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق، لا بأس به، هو من ثقات من بقي من أصحاب الحسن، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حجر العسقلاني: صدوق يهم، وقال الدارقطني: ثقة، وقال الذهبي: ثقة[27].
فكذلك هذا الأخير من رجال الحديث الحسن ولا بأس به، ولعلَّ سبب من ضعَّف هذا الحديث هو إرسال الحسن البصري.
ب – ومن الشواهد التي تشهد على الحديث بالمعنى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إِنَّ لِي حَوْضًا مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبْيَضَ مِثْلَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَكُلّ نَبِيّ يَدْعُو أُمَّته وَلِكُلِّ نَبِيّ حَوْضٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْفِئَام وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْعُصْبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْوَاحِدُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الِاثْنَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْتِيه أَحَدٌ، فَيقَال: قَدْ بَلَّغت، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"[28].
وهذا الحديث أيضا فيه عطية العوفي: قال الألباني فيه عطية العوفي ضعيف[29].
وبالطَّبع صححه الألباني رحمه الله تعالى بمجموع طرقه.
وعطيَّة العوفي هو: عطيَّة بن سعد بن جنادة العوفي وكنيته أبو الحسن وهو من الكوفة، قال فيه النسائي: ضعيف، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي ذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف الحديث، وقال الذهبي: أبو الحسن من مشاهير التابعين ضعيف الحديث[30].
فهذه الشواهد وردت بمعنى الحديث الأول لا بلفظه، فكما تُلاحظ ألفاظ الأحاديث ليست متطابقة، ولكنَّ المعنى هو نفسه، وكما تلاحظ أنَّ أسانيد الأحاديث السابقة ليس فيها متهم بالفسق ولا بالكذب، بل كل من هو ضعيف في السند تجد ضعفه من قلَّة حفظه أو وهمه، مع تمام عدالته، فعلى هذا فإنَّ كل الأحاديث السابقة شهدت لبعضها بالمعنى فتقوَّت وارتقت من الضعيف إلى الحسن لغيره، فكل الأحاديث السابقة هي حسان.
المتابعة:
المتابعة لغة:
المتابعة بضم الميم وفتح الباء مصدر تابع، وهي الموالاة[31].
المتابعة اصطلاحًا:
هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاتحاد في الصحابي.
فالمتابعة تختلف عن الشاهد في كون المتابعة الصحابي فيها واحد، أما الشاهد فالصحابي يختلف.
مثال المتابعة: ما رواه الترمذي من طريق شَريك عن المقداد بن شُريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: \"مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إلا قَاعِدًا\"[32].
قال فيه الألباني: إسناده ضعيف ثم وجدت له متابعا قويًّا، فصح الحديث لكنه ناف، وحديث حذيفة مثبت، والمثبت مقدم على النافي[33].
وهذا الحديث ضعِّف لأنَّ في إسناده \"شَريك\" وهو ضعيف من سوء حفظه، فقد قال فيه ابن القاضي: فيه لين؛ لأن فيه شريكًا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ[34].
وقال الحاكم: ليس بالمتين، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق له أغاليط، وقال أبو زرعة الرازي: كان كثير الخطأ، صاحب وهم، وهو يغلط أحيانًا، وقال أبو عيسى الترمذي: كثير الغلط والوهم، وقال الذهبي: العَلاَّمَةُ، الحَافِظ، القَاضِي، أَبُو عَبْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، أَحَدُ الأَعْلاَمِ، عَلَى لِيْنٍ مَا فِي حَدِيْثِهِ[35].
لكن هناك من تابع شريكًا في هذا الحديث، وهو سفيان الثوري، فقد جاء الحديث من طريق سفيان الثوري عن المقداد بن شُريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ونصُّه: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: \"مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ، \"مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ\"[36].
فلو تلاحظ أنَّ السند تغيَّر فيه شريك فأخذ مكانه سفيان الثوري، فهذا طريق ثانٍ لهذا الحديث غير طريق شريك، وإن كان شريك ضعيفا، فسفيان الثوري لا تخفى على أحد إمامته في الدين، فالحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، والمقدام وهو ابن شُريح بن هانىء الحارثي المذحجي الكوفي وأبوه من رجال مسلم، وروى البخاري لهما في \"الأدب المفرد\"، وبقية رجاله ثقات وهم رجال الشيخين[37].
فيُحمل الحديث الأوَّل على الثَّاني، ويتقَّوى به ويكون حسنًا بهذه المتابعة، وقد تكون المتابعة بالمعنى كما سبق، أو بالمعنى واللَّفظ، كما في الأمثلة السابقة في الشواهد.
أنواع المتابعة:
المتابعة نوعان: متابعة تامَّة، ومتابعة قاصر.
المتابعة التامة:
وهي الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي مع، كون المشاركة من أوَّل السند، أي تحصل المتابعة للراوي نفسه، فيرويها غيره بنفس سند الراوي الأوَّل.
مثال: ما رواهُ الشَّافعي في الأمِّ، عن مالِكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمر، أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: \"الشهرُ تِسْعٌ وعِشرون، فلا تَصوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين[38].
قال ابن حجر العسقلاني: فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ، فعدَّوْهُ في غرائِبِه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ: \"فإن غُمَّ علَيْكُم فاقْدُرُوا له\"، لكنْ وجَدْنا للشَّافعيَّ متابِعًا، وهو عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ[39]، كذلك أَخرجَهُ البُخَارِيّ عنهُ، عن مالك[40]، وهذه متابَعَةٌ تامة.
فهنا قد تابع القعني وهو ثقة ثبت عدل، الشافعي في روايته: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر، فرواه القعني بنفس السند عن مالك، وكانت المتابعة لفظا ومعنى، إلَّا أنَّ في رواية البخاري زيادة: \"ليلة\" بعد قوله: \"تسع وعشرون\" فزيادة لفظة \"ليلة\" ونكَّر لفظ ثلاثين، وعند الشافعي معرَّفة، وهذا لا يعدُّ من كبير الزيادة أو التَّغيير، فتعدُّ متابعة تامَّة باللفظ والمعنى.
وأمَّا المتابعة القاصرة:
هو الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي، مع عدم كون المشاركة أوَّل السند، أي تحصل المتابعة من شيخ الراوي أو شيخ شيخه.
مثال:
ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عَاصِم بن مُحَمَّدٍ العُمَرِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: \"الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثِينَ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَيَعْقِدُ فِي الثَّالِثَة، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ\" وَفِي خَبَرِ ابْنِ فُضَيْلٍ: \"ثُمَّ طَبَّقَ بِيَدِهِ، وَأَمْسَكَ وَاحِدَةً مِنْ أَصَابِعِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَثَلَاثِينَ\"[41].
وهذه متابعة قاصر لحديث الشافعي السابق، فلو تلاحظ أنَّ السنَّد مختلف مع أنَّ الصحابي نفسه، فالأوَّل: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر.
والثاني: عن عاصم عن أبيه عن ابن عمر.
وهذه المتابعة قاصر وهي بالمعنى، إذ أنَّ اللفظ اختلف.
وكلُّ ما سبق من بحث وجمع طرق وغيره يسمَّى بالاعتبار.
الاعتبار:
والاعتبار لغة:
هو رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بمثل حكمه[42].
واصطلاحًا:
هو التتبُّع، والسبر، والبحث، والنظر، والموازنة بين طرق الحديث لتقويته أو عدم ذلك، وهو نتيجة الاعتبار.
قال العراقي:
الاعتبار سبرك الحديث هلْ
شارك راو غيره فيما حملْ
عن شيخه، فإن يكن شورك مِنْ
مُعتبرٍ به فتابعٌ وإنْ
شورك شيخه ففوقُ فكذا
وقد يُسمَّى شاهدا ثمَّ إذا
متن بمعناه أتى فالشَّاهدُ
وما خلا عن كلِّ ذا مَفَاردُ[43]
ويجب أن يعلمَ أنَّ منهم من يسمي الشاهد تابعا والتابع شاهدًا، ومنهم من يسمي الذي بالمعنى سواء بالمتابعة أو بالشواهد شاهدًا، أو عكسه، ولكن استقرَّ الاصطلاح على ما ذكرنا سابقًا، قال السيوطي:
وربَّما يُدعى الذي بالمعنى
متابعًا، وعكسه قد يُعنى[44]
فائدة الاعتبار:
هو الوقوف على الطرق التي تصلح لتقوية الأحاديث الضعيفة، أو الحسان، وما لا يصلح للتقوية، لذا أحيانًا يقول أهل الحديث: هذا صالح للاعتبار، وهذا غير صالح للاعتبار، وكذلك بالاعتبار يُعلم هل هذا الحديث من قبيل المتواتر الذي رواه الجماعة، أو من قبيل الآحاد، وهل له طريق واحد فيكون غريبًا، أو له أكثر من طريق فيكون من قبيل العزيز، أو المشهور، وكلُّ هذا لا يكون إلَّا بالاعتبار.
هذا وبالله التَّوفيق وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
الهامش
[1] معجم المعاني.
[2] رواه الترمذي 25.
[3] تلخيص العلل المتناهية 114.
[4] علل ابن أبي حاتم 54.
[5] نتائج الأفكار 224/ 1.
[6] الجامع الصغير 9876.
[7] الدراري المضيَّة 42.
[8] صحيح الترغيب والترهيب 200.
[9] فتح الغفار 1/ 85.
[10] تحفة الأحوذي 88/ 1.
[11] رواه أحمد 9213.
[12] الدراية 1/ 14.
[13] شرح السنة 303/ 1.
[14] التلخيص الحبير 107/ 1.
[15] حاشية تهذيب الكمال ج32 ص 335.
[16] رواه ابن ماجه 399.
[17] الكامل في ضعفاء الرجال 46/ 7.
[18] تحفة الأحوذي 6/ 129.
[19] أخرجه الترمذي من حديث سمرة بن جندب 2443.
[20] السابق.
[21] تخريج شرح الطحاوية 281.
[22] الفتن للحافظ أبي عبد الله لنعيم بن حمَّاد ج2 ص330.
[23] البداية والنهاية لابن كثير 371/ 1.
[24] السابق.
[25] السلسلة الصحيحة 119/ 4.
[26] ينظر: سير أعلام النبلاء ج8 ص499، وتهذيب التهذيب للعسقلاني.
[27] ينظر التعديل والتجريح للباجي، والجرح والتعديل لأبي حاتي الرازي، وسؤالات أبي داود 454، والعلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 5950.
[28] رواه ابن ماجه 3489.
[29] السابق نفسه.
[30] يُنظر الضعفاء والمتروكون للنسائي، والعلل ومعرفة الرجال لابن حنبل 1306، ويُنظر: سير أعلام النبلاء.
[31] يُنظر: معاجم اللغة.
[32] ) أخرجه الترمذي 12، والنسائي 29 واللفظ له، وابن ماجه 307.
[33] شرح النسائي للسيوطي.
[34] يُنظر في ذلك علل الترمذي، وعلل ابن أبي حاتم، والكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[35] ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[36] رواه أحمد في مسنده 25045.
[37] يُنظر تخريج المسند للأرنؤوط 25045.
[38] ترتيب مسند الشافعي، نشر وتصحيح: السيد يوسف على الحسني، والسيد عزت العطار، 1/ 272، وهكذا هو عند مالك في الموطأ.
[39] كان عبدالله هذا من المتقنين، وكان يحيى بن معين لا يُقدِّم عليه في مالك أحدًا.
[40] حدثنا عبد الله بن مسلمة (القعنبي) حدثنا مالك، عن عبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين البخاري، 1906، الصوم.
[41] صحيح ابن خزيمة (1909).
[42] معجم المعاني.
[43] ألفية العراقي في علم الحديث.
[44] ألفية السيوطي في علم الحديث.. ❝ ⏤الدُّكتُور: عِصَامُ الدِّينِ إِبْرَاهِيمَ النُّقَيْلِي
❞ الدكتور عصام الدين إبراهيم النقيلي
الشواهد والمتابعات
الشاهد:
الشاهد لغة:
الشاهد وجمعه: شواهِد، شاهدون، وأشهاد، وشُهداءُ، وشُهَّد، وشُهُود، وهو المخبر بحق شخص على غيره عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان، والشاهد: الدليل والبرهان[1].
الشاهد اصطلاحًا:
هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاختلاف في الصحابي.
ولتوضيح التعريف نقول: إذا ورد الحديث عن صحابي، ثم ورد نفس الحديث أو معناه عن صحابي آخر، كان هذا شاهدًا للحديث الأول، فمثلًا: إذا جاء حديث عن عائشة رضى الله عنها، ثم ورد نفس الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، فإنَّنا نطلق على حديث أبي هريرة شاهدًا لحديث عائشة وحديث عائشة شاهدًا لحديث أبي هريرة.
والشواهد على قسمين:
الأوَّل: أن يشارك الحديث الثاني الحديث الأول في اللفظ والمعنى.
والثَّاني: يشاركه بالمعنى دون اللفظ.
1 - مثال مشاركة الحديث في اللفظ والمعنى:
عن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ˝لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ˝[2].
فهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه: أبو ثِفَال المُري، قال فيه الذهبي: أبو ثفال المري ليس بعمدة، وروي مرسلًا بسند فيه مجهول ونحوه بسند فيه مجهول[3]، وقال ابن ابي حاتم: أبو ثقال مجهول، ورباح مجهول[4].
فهذا الحديث مع ضعفه الظاهر، فإنَّه يرتقي إلى الحسن لغيره بكثرة شواهده، وعلى ما قلت ذهب ابن حجر، وقال: غريب وله شواهد[5]، والسيوطي[6]، والشوكاني، وقال: حسن وله طرق أخرى[7]، والألباني، وقال: حسن لغيره[8]، والرَّابعي، وقال: بإسناد ضعيف وفي الباب أحاديث كثيرة في أسانيدها مقال، وبمجموع الأحاديث يرتقي الحديث إلى درجة الحسن لغيره[9]، والمباركفوري، وقال: مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا[10]، وغيرهم..
ومن شواهد هذا الحديث في اللفظ والمعنى:
أ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ˝لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ˝[11]، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده يعقوب بن سَلمة، قال فيه ابن حجر العسقلاني: فيه يعقوب بن سلمة هو الليثي مجهول الحال[12]، وقال البغوي: سلمة الليثي مولاهم، قال البخاري: ولا يعرف لسلمة سماع من أبي هريرة، ولا ليعقوب عن أبيه[13]، وابن حجر قال: فيه الليثي، قال البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه، ولا لأبيه من أبي هريرة[14]، وقال الذهبي: شيخ ليس بعمدة[15].
ب - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ˝لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ˝[16]، وهو ضعيف؛ لأن في إسناده عبد المهيمن بن عباس وقد ضعَّفه الكثير، قال فيه البُخارِيّ: عَبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد، منكر الْحَدِيثِ[17]، وكذلك ضعَّفه المباركفوري في التحفة[18].
ولا تزال أحاديث أخرى تشهد للحديث الأول يطول ذكرها، فكلُّ هذه الشواهد، تقَّوى بها الحديث الأوَّل وارتقى من الضعيف إلى الحسن لغيره.
فهذا مثال على الشاهد لفظًا ومعنى.
2 – مثال على مشاركة الحديث في المعنى دون اللفظ:
حديث ˝إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً˝[19]، وهذا الحديث الأصل فيه الإرسال، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وقد رواه أشعث بن عبد الملك، عن الحسن مرسلًا[20].
وسند الحديث فيه سعيد بن بشير وهو ضعيف، قال فيه الأرنؤوط: في إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف، وعنعنَه الحسن، وذكر الترمذي أنه ورد مرسلا وقال: هو أصح[21].
وقال أبو محمد الحاكم: سعيد بن بشير ليس بالقوي عندهم، وقال أبو أحمد بن عدي الجرجاني: يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط والغالب على حديثه الاستقامة والغالب عليه الصدق، وقال البيهقي: ضعيف، وذكره العقيلي في الضعفاء[22].
ومن شواهد هذا الحديث بالمعنى:
أ – حديث الحسن البصري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا فَقدتُموني فأنا فرَطُكم على الحوضِ، إنَّ لِكلِّ نبيٍّ حَوضًا، وَهُوَ قائمٌ على حوضِهِ، بيدِه عصًا يدعو مَن عرفَ من أمَّتِهِ، ألا وإنَّهم يتباهونَ أيُّهم أَكثَرُ تبعًا، والَّذي نَفسي بيدِهِ، إنِّي لأرجو أن أَكونَ أَكثرَهُم تَبعًا[23]، قال ابن كثير وهذا مرسل عن الحسن البصري[24].
وقال الألباني: مرسل رجاله رجال الصحيح، فيه خالد بن خداش وحزم بن أبي حزم فيهما كلام وهو صحيح عن الحسن من طريق أخرى[25].
والصحيح أنَّ خالد بن خداش ليس به بأس وهو من شيوخ مسلم، قال فيه الرازي: صدوق، وقال العسقلاني: صدوق يخطئ، وقال الدارقطني، ثقة ربما وهم، وقال الأزدي: لا بأس به، وقال الواقدي: ثقة، وقال يحيى بن معين: صدوق، ومرة ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث، وفي رواية ابن محرز قال: لا بأس به[26]، فكما تلاحظ فإنَّ غالب أهل الصنعة أجمعوا على توثيقه إلَّا النَّزر القليل بسبب الوهم غير المطبق عليه أي أحيانا يهم، وعلى هذا فهو من رجال الحديث الحسن.
وأمَّا حزم بن أبي حزم فقد قال فيه ابن حنبل: شيخ ثقة، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق، لا بأس به، هو من ثقات من بقي من أصحاب الحسن، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حجر العسقلاني: صدوق يهم، وقال الدارقطني: ثقة، وقال الذهبي: ثقة[27].
فكذلك هذا الأخير من رجال الحديث الحسن ولا بأس به، ولعلَّ سبب من ضعَّف هذا الحديث هو إرسال الحسن البصري.
ب – ومن الشواهد التي تشهد على الحديث بالمعنى حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ˝إِنَّ لِي حَوْضًا مَا بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَبْيَضَ مِثْلَ اللَّبَنِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، وَكُلّ نَبِيّ يَدْعُو أُمَّته وَلِكُلِّ نَبِيّ حَوْضٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْفِئَام وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْعُصْبَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الْوَاحِدُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِيه الِاثْنَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَأْتِيه أَحَدٌ، فَيقَال: قَدْ بَلَّغت، وَإِنِّي لَأَكْثَرُ الْأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ˝[28].
وهذا الحديث أيضا فيه عطية العوفي: قال الألباني فيه عطية العوفي ضعيف[29].
وبالطَّبع صححه الألباني رحمه الله تعالى بمجموع طرقه.
وعطيَّة العوفي هو: عطيَّة بن سعد بن جنادة العوفي وكنيته أبو الحسن وهو من الكوفة، قال فيه النسائي: ضعيف، وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي ذكر عطية العوفي فقال: هو ضعيف الحديث، وقال الذهبي: أبو الحسن من مشاهير التابعين ضعيف الحديث[30].
فهذه الشواهد وردت بمعنى الحديث الأول لا بلفظه، فكما تُلاحظ ألفاظ الأحاديث ليست متطابقة، ولكنَّ المعنى هو نفسه، وكما تلاحظ أنَّ أسانيد الأحاديث السابقة ليس فيها متهم بالفسق ولا بالكذب، بل كل من هو ضعيف في السند تجد ضعفه من قلَّة حفظه أو وهمه، مع تمام عدالته، فعلى هذا فإنَّ كل الأحاديث السابقة شهدت لبعضها بالمعنى فتقوَّت وارتقت من الضعيف إلى الحسن لغيره، فكل الأحاديث السابقة هي حسان.
المتابعة:
المتابعة لغة:
المتابعة بضم الميم وفتح الباء مصدر تابع، وهي الموالاة[31].
المتابعة اصطلاحًا:
هو الحديث الذي يشارك فيه رواته رواة الحديث الفرد لفظًا ومعنى، أو معنى فقط، مع الاتحاد في الصحابي.
فالمتابعة تختلف عن الشاهد في كون المتابعة الصحابي فيها واحد، أما الشاهد فالصحابي يختلف.
مثال المتابعة: ما رواه الترمذي من طريق شَريك عن المقداد بن شُريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ˝مَنْ حَدَّثَكُم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ مَا كَانَ يَبُولُ إلا قَاعِدًا˝[32].
قال فيه الألباني: إسناده ضعيف ثم وجدت له متابعا قويًّا، فصح الحديث لكنه ناف، وحديث حذيفة مثبت، والمثبت مقدم على النافي[33].
وهذا الحديث ضعِّف لأنَّ في إسناده ˝شَريك˝ وهو ضعيف من سوء حفظه، فقد قال فيه ابن القاضي: فيه لين؛ لأن فيه شريكًا القاضي وهو متكلم فيه بسوء الحفظ[34].
وقال الحاكم: ليس بالمتين، وقال أبو حاتم الرازي: صدوق له أغاليط، وقال أبو زرعة الرازي: كان كثير الخطأ، صاحب وهم، وهو يغلط أحيانًا، وقال أبو عيسى الترمذي: كثير الغلط والوهم، وقال الذهبي: العَلاَّمَةُ، الحَافِظ، القَاضِي، أَبُو عَبْدِ اللهِ النَّخَعِيُّ، أَحَدُ الأَعْلاَمِ، عَلَى لِيْنٍ مَا فِي حَدِيْثِهِ[35].
لكن هناك من تابع شريكًا في هذا الحديث، وهو سفيان الثوري، فقد جاء الحديث من طريق سفيان الثوري عن المقداد بن شُريح عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ونصُّه: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: ˝مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقْهُ، ˝مَا بَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَائِمًا مُنْذُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ˝[36].
فلو تلاحظ أنَّ السند تغيَّر فيه شريك فأخذ مكانه سفيان الثوري، فهذا طريق ثانٍ لهذا الحديث غير طريق شريك، وإن كان شريك ضعيفا، فسفيان الثوري لا تخفى على أحد إمامته في الدين، فالحديث إسناده صحيح على شرط مسلم، والمقدام وهو ابن شُريح بن هانىء الحارثي المذحجي الكوفي وأبوه من رجال مسلم، وروى البخاري لهما في ˝الأدب المفرد˝، وبقية رجاله ثقات وهم رجال الشيخين[37].
فيُحمل الحديث الأوَّل على الثَّاني، ويتقَّوى به ويكون حسنًا بهذه المتابعة، وقد تكون المتابعة بالمعنى كما سبق، أو بالمعنى واللَّفظ، كما في الأمثلة السابقة في الشواهد.
أنواع المتابعة:
المتابعة نوعان: متابعة تامَّة، ومتابعة قاصر.
المتابعة التامة:
وهي الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي مع، كون المشاركة من أوَّل السند، أي تحصل المتابعة للراوي نفسه، فيرويها غيره بنفس سند الراوي الأوَّل.
مثال: ما رواهُ الشَّافعي في الأمِّ، عن مالِكٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ عمر، أَنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ: ˝الشهرُ تِسْعٌ وعِشرون، فلا تَصوموا حتَّى تَروُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حتَّى تَرَوْه، فإنْ غُمَّ عليكم فأَكْمِلوا العِدَّةَ ثلاثين[38].
قال ابن حجر العسقلاني: فهذا الحديث، بهذا اللفظ، ظن قوم أن الشافعي تفرَّدَ بهِ عن مالِكٍ، فعدَّوْهُ في غرائِبِه؛ لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ: ˝فإن غُمَّ علَيْكُم فاقْدُرُوا له˝، لكنْ وجَدْنا للشَّافعيَّ متابِعًا، وهو عبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبِيُّ[39]، كذلك أَخرجَهُ البُخَارِيّ عنهُ، عن مالك[40]، وهذه متابَعَةٌ تامة.
فهنا قد تابع القعني وهو ثقة ثبت عدل، الشافعي في روايته: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر، فرواه القعني بنفس السند عن مالك، وكانت المتابعة لفظا ومعنى، إلَّا أنَّ في رواية البخاري زيادة: ˝ليلة˝ بعد قوله: ˝تسع وعشرون˝ فزيادة لفظة ˝ليلة˝ ونكَّر لفظ ثلاثين، وعند الشافعي معرَّفة، وهذا لا يعدُّ من كبير الزيادة أو التَّغيير، فتعدُّ متابعة تامَّة باللفظ والمعنى.
وأمَّا المتابعة القاصرة:
هو الحديث المشارك لغيره في اللفظ أو المعنى، أو بهما معا، مع الاتحاد في الصحابي، مع عدم كون المشاركة أوَّل السند، أي تحصل المتابعة من شيخ الراوي أو شيخ شيخه.
مثال:
ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عَاصِم بن مُحَمَّدٍ العُمَرِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ˝الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثَلَاثِينَ، وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، وَيَعْقِدُ فِي الثَّالِثَة، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ˝ وَفِي خَبَرِ ابْنِ فُضَيْلٍ: ˝ثُمَّ طَبَّقَ بِيَدِهِ، وَأَمْسَكَ وَاحِدَةً مِنْ أَصَابِعِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَثَلَاثِينَ˝[41].
وهذه متابعة قاصر لحديث الشافعي السابق، فلو تلاحظ أنَّ السنَّد مختلف مع أنَّ الصحابي نفسه، فالأوَّل: عن مالك عن ابن دينار عن ابن عمر.
والثاني: عن عاصم عن أبيه عن ابن عمر.
وهذه المتابعة قاصر وهي بالمعنى، إذ أنَّ اللفظ اختلف.
وكلُّ ما سبق من بحث وجمع طرق وغيره يسمَّى بالاعتبار.
الاعتبار:
والاعتبار لغة:
هو رد الشيء إلى نظيره بأن يحكم عليه بمثل حكمه[42].
واصطلاحًا:
هو التتبُّع، والسبر، والبحث، والنظر، والموازنة بين طرق الحديث لتقويته أو عدم ذلك، وهو نتيجة الاعتبار.
قال العراقي:
الاعتبار سبرك الحديث هلْ
شارك راو غيره فيما حملْ
عن شيخه، فإن يكن شورك مِنْ
مُعتبرٍ به فتابعٌ وإنْ
شورك شيخه ففوقُ فكذا
وقد يُسمَّى شاهدا ثمَّ إذا
متن بمعناه أتى فالشَّاهدُ
وما خلا عن كلِّ ذا مَفَاردُ[43]
ويجب أن يعلمَ أنَّ منهم من يسمي الشاهد تابعا والتابع شاهدًا، ومنهم من يسمي الذي بالمعنى سواء بالمتابعة أو بالشواهد شاهدًا، أو عكسه، ولكن استقرَّ الاصطلاح على ما ذكرنا سابقًا، قال السيوطي:
وربَّما يُدعى الذي بالمعنى
متابعًا، وعكسه قد يُعنى[44]
فائدة الاعتبار:
هو الوقوف على الطرق التي تصلح لتقوية الأحاديث الضعيفة، أو الحسان، وما لا يصلح للتقوية، لذا أحيانًا يقول أهل الحديث: هذا صالح للاعتبار، وهذا غير صالح للاعتبار، وكذلك بالاعتبار يُعلم هل هذا الحديث من قبيل المتواتر الذي رواه الجماعة، أو من قبيل الآحاد، وهل له طريق واحد فيكون غريبًا، أو له أكثر من طريق فيكون من قبيل العزيز، أو المشهور، وكلُّ هذا لا يكون إلَّا بالاعتبار.
هذا وبالله التَّوفيق وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم.
الهامش
[1] معجم المعاني.
[2] رواه الترمذي 25.
[3] تلخيص العلل المتناهية 114.
[4] علل ابن أبي حاتم 54.
[5] نتائج الأفكار 224/ 1.
[6] الجامع الصغير 9876.
[7] الدراري المضيَّة 42.
[8] صحيح الترغيب والترهيب 200.
[9] فتح الغفار 1/ 85.
[10] تحفة الأحوذي 88/ 1.
[11] رواه أحمد 9213.
[12] الدراية 1/ 14.
[13] شرح السنة 303/ 1.
[14] التلخيص الحبير 107/ 1.
[15] حاشية تهذيب الكمال ج32 ص 335.
[16] رواه ابن ماجه 399.
[17] الكامل في ضعفاء الرجال 46/ 7.
[18] تحفة الأحوذي 6/ 129.
[19] أخرجه الترمذي من حديث سمرة بن جندب 2443.
[20] السابق.
[21] تخريج شرح الطحاوية 281.
[22] الفتن للحافظ أبي عبد الله لنعيم بن حمَّاد ج2 ص330.
[32] ) أخرجه الترمذي 12، والنسائي 29 واللفظ له، وابن ماجه 307.
[33] شرح النسائي للسيوطي.
[34] يُنظر في ذلك علل الترمذي، وعلل ابن أبي حاتم، والكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[35] ينظر: الكامل في ضعفاء الرجال، وسير أعلام النبلاء وغيرها.
[36] رواه أحمد في مسنده 25045.
[37] يُنظر تخريج المسند للأرنؤوط 25045.
[38] ترتيب مسند الشافعي، نشر وتصحيح: السيد يوسف على الحسني، والسيد عزت العطار، 1/ 272، وهكذا هو عند مالك في الموطأ.
[39] كان عبدالله هذا من المتقنين، وكان يحيى بن معين لا يُقدِّم عليه في مالك أحدًا.
[40] حدثنا عبد الله بن مسلمة (القعنبي) حدثنا مالك، عن عبدالله بن دينار، عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين البخاري، 1906، الصوم.
❞ .الابنة الرابعة
\"فاطمة\"
هناك اختلاف في تاريخ ولادتها، يذهب أهل السنة والجماعة قبل البعثة النبوية بخمس سنين وقريش تبني البيت يوم حكم والدها النبي محمد في النزاع حول الحجر الأسود في مكانه.بينما ذهب ابن عبد البر والحاكم إلى أنها ولدت وعمر النبي إحدى وأربعون عامًا أي بعد سنة من البعثة النبوية.
شَهَدَتْ فاطمة منذ طفولتها أحداثًا جسامًا كثيرةً، فقد كان النبي يعاني من اضطهاد قريش وكانت فاطمة تُعِينهُ على ذلك الاضطهاد وتسانده وتؤازره، كما كان يعاني من أذى عَمه أبي لهب وامرأته أم جميل من إلقاء القاذورات أمام بيته فكانت فاطمة تتولى أمور التنظيف والتطهير.
وكان من أشد ما قَاسَته من آلالام في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حُوصَرْ فيه المسلمون مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وأقاموا على ذلك ثلاثة سنوات، فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعاٌ إلا واشتروه، حتى أصاب التَّعب بني هاشم واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود، وكان لا يصل إليهم شيئًا إلا مستخفيًا، ومن كان يريد أن يصل قريبًا لهُ من قريش كان يصله سرًا.
وقد أثر الحصار والجوع على صحة فاطمة، ولكنّه زادها إيمانًا ونضجًا. وما كادت فاطمة الصغيرة تخرج من محنة الحصار حتى فوجئت بوفاة أمها خديجة فامتلأت نفسها حزنًا وألمًا، ووَجَدَتْ نفسها أمام مسؤوليات ضخمة نحو أبيها مُحَمَّد بنِ عَبد الله، وهو يمرّ بظروف قاسية خاصة بعد وفاة زوجته وعمّه أبي طالب. فما كان منها إلا أن ضاعفت الجهد وتحملت الأحداث بصبر، ووقفت إلى جانب أبيها الرسول مُحَمَّد بنِ عبد الله لتقدم له العوض عن أمها وزوجته ولذلك كانت تُكنّى بـ أم أبيها.
#هجرتها
هَاجَرَتْ الزهراء إلى المدينة المنورة وهيَ في الثامنة عشرة من عمرها وكَانَتْ مَعَها أخْتَها أم كلثوم وأُم المؤمنين سودة بنت زمعة بصحبة زيد بن حارثة وهاجر معهم: أُم المؤمنين عائشة وأمها أم رومان بصحْبَة عبد الله بن أبي بكر، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة.
زواج فاطمة
في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة زوج النبي ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، ولم يتزوج بأخرى في حياتها، وقال ابن عبد البر: دخل بها بعد معركة أحد. وقد رُوي أن تزويج فاطمة من علي كان بأمر من الله، حيث توالى الصحابة على محمد لخطبتها إلا أنه ردهم جميعا حتى أتى الأمر بتزويج فاطمة من علي، فأصدقها علي درعه الحطمية ويقال أنه باع بعيرا له وأصدقها ثمنه الذي بلغ 480 درهما على أغلب الأقوال. وأنجب منها الحسن والحسين في السنتين الثالثة والرابعة من الهجرة على التوالي، كما أنجب زينب وأم كلثوم والمحسن، والأخير حوله خلاف تاريخي حيث يروى أنه قتل وهو جنين يوم حرق الدار، وفي روايات أخرى أنه ولد ومات في حياة النبي، في حين ينكر بعض السنة وجوده من الأساس. في أكثر من مناسبة صرح محمد أن علي وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيته مثلما في حديث المباهلة وحديث الكساء،ويروى أنه كان يمر بدار علي لإيقاظهم لآداء صلاة الفجر ويتلو آية التطهير. وقد روى الليث بن سعد: «تزوج علي فاطمة فولت له حسنًا، وحسينًا، ومحسنًا، وزينب، وأم كلثوم، ورقية، فماتت صغيرة ولم تبلغ»وينقل أبو إسحاق الإسفراييني ويضيف أن علي وفاطمة أنجبا سكينة.
#ألقاب فاطمة
تعددت أسماء فاطمة الزهراء وألقابها. أما تسمية «فاطمة» فقد قال عنها الخطيب البغدادي وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: «أن الله سمّاها فاطمة لأنه فطمها ومحبيها عن النار»، وفي سنن الأقوال والأفعال روى الديلمي عن أبي هريرة: «إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار». بينما قال محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: «إن الله فطمها وولدها عن النار».
من ألقابها
#الزهراء: هناك أقوال بأنها كانت بيضاء اللون مشربة بحمرة زهرية. إذ كانت العرب تسمي الأبيض المشرب بالحمرة بالأزهر ومؤنثه الزهراء، وهناك من يقول أن النبي محمد هو من سماها بالزهراء لأنها كانت تزهر لأهل السماء كما تزهر النجوم لأهل الأرض، وذلك لزهدها وورعها واجتهادها في العبادة، وفي ذلك ينقل بعض المحدثين وأصحاب السير عنها عباداتٍ وأدعيةً وأورادًا خاصة انفردت بها، مثل: تسبيح الزهراء، ودعاء الزهراء وصلاة الزهراء وغير ذلك.
#البتول: تعددت الأقوال حول هذة التسمية، منها:قول النووي في شرح مسلم: التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله وأصل التبتل القطع ومنه مريم البتول وفاطمة البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينا وفضلًا ورغبة في الآخرة.
قول ابن حجر العسقلاني في الفتح: وقيل لفاطمة البتول إما لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف.
قيل: لأنها تبتلت عن دماء النساء.
#الحوراء الإنسية: ويستشهدون برواية عن رسول الإسلام أوردها الطبراني في المعجم الكبير: (فاطمة حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة.جاء الحديث برواية عائشة فهو: «إنّي لما أُسري بي إلى السماء أدخلني جبريلُ الجنّة فناولني منها تفّاحة، فأكلتُها فصارت نُطفةً في صُلبي، فلمّا نزلتُ واقعتُ خديجة، ففاطمة من تلك النطفة، وهي حوراء إنسيّة، كلمّا اشتقتُ إلى الجنّة قبّلتُها.»
#الصديقة: لأنها لم تكذب قط.
#المباركة: لظهور بركتها.
#الزكية: لأنها كانت أزكى أنثى عرفتها البشرية.
#المرضية: لأن الله سيرضيها.
#المحدثة: لأن الملائكة كانت تحدثها.
#الحانية: لأنها كانت تحن حنان الأم على أبيها النبي وزوجها وأولادها، والأيتام والمساكين.
#أم الأئمة.
#الطاهرة.
#المنصورة.
#الصادقة.
#الريحانة.
#البضعة: لقول رسول الله محمد: فاطمة بضعة مني.. ❝ ⏤مجموعة من المؤلفين
❞ الابنة الرابعة
˝فاطمة˝
هناك اختلاف في تاريخ ولادتها، يذهب أهل السنة والجماعة قبل البعثة النبوية بخمس سنين وقريش تبني البيت يوم حكم والدها النبي محمد في النزاع حول الحجر الأسود في مكانه.بينما ذهب ابن عبد البر والحاكم إلى أنها ولدت وعمر النبي إحدى وأربعون عامًا أي بعد سنة من البعثة النبوية.
شَهَدَتْ فاطمة منذ طفولتها أحداثًا جسامًا كثيرةً، فقد كان النبي يعاني من اضطهاد قريش وكانت فاطمة تُعِينهُ على ذلك الاضطهاد وتسانده وتؤازره، كما كان يعاني من أذى عَمه أبي لهب وامرأته أم جميل من إلقاء القاذورات أمام بيته فكانت فاطمة تتولى أمور التنظيف والتطهير.
وكان من أشد ما قَاسَته من آلالام في بداية الدعوة ذلك الحصار الشديد الذي حُوصَرْ فيه المسلمون مع بني هاشم في شعب أبي طالب، وأقاموا على ذلك ثلاثة سنوات، فلم يكن المشركون يتركون طعامًا يدخل مكة ولا بيعاٌ إلا واشتروه، حتى أصاب التَّعب بني هاشم واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود، وكان لا يصل إليهم شيئًا إلا مستخفيًا، ومن كان يريد أن يصل قريبًا لهُ من قريش كان يصله سرًا.
وقد أثر الحصار والجوع على صحة فاطمة، ولكنّه زادها إيمانًا ونضجًا. وما كادت فاطمة الصغيرة تخرج من محنة الحصار حتى فوجئت بوفاة أمها خديجة فامتلأت نفسها حزنًا وألمًا، ووَجَدَتْ نفسها أمام مسؤوليات ضخمة نحو أبيها مُحَمَّد بنِ عَبد الله، وهو يمرّ بظروف قاسية خاصة بعد وفاة زوجته وعمّه أبي طالب. فما كان منها إلا أن ضاعفت الجهد وتحملت الأحداث بصبر، ووقفت إلى جانب أبيها الرسول مُحَمَّد بنِ عبد الله لتقدم له العوض عن أمها وزوجته ولذلك كانت تُكنّى بـ أم أبيها.
#هجرتها
هَاجَرَتْ الزهراء إلى المدينة المنورة وهيَ في الثامنة عشرة من عمرها وكَانَتْ مَعَها أخْتَها أم كلثوم وأُم المؤمنين سودة بنت زمعة بصحبة زيد بن حارثة وهاجر معهم: أُم المؤمنين عائشة وأمها أم رومان بصحْبَة عبد الله بن أبي بكر، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة.
زواج فاطمة
في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة زوج النبي ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، ولم يتزوج بأخرى في حياتها، وقال ابن عبد البر: دخل بها بعد معركة أحد. وقد رُوي أن تزويج فاطمة من علي كان بأمر من الله، حيث توالى الصحابة على محمد لخطبتها إلا أنه ردهم جميعا حتى أتى الأمر بتزويج فاطمة من علي، فأصدقها علي درعه الحطمية ويقال أنه باع بعيرا له وأصدقها ثمنه الذي بلغ 480 درهما على أغلب الأقوال. وأنجب منها الحسن والحسين في السنتين الثالثة والرابعة من الهجرة على التوالي، كما أنجب زينب وأم كلثوم والمحسن، والأخير حوله خلاف تاريخي حيث يروى أنه قتل وهو جنين يوم حرق الدار، وفي روايات أخرى أنه ولد ومات في حياة النبي، في حين ينكر بعض السنة وجوده من الأساس. في أكثر من مناسبة صرح محمد أن علي وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيته مثلما في حديث المباهلة وحديث الكساء،ويروى أنه كان يمر بدار علي لإيقاظهم لآداء صلاة الفجر ويتلو آية التطهير. وقد روى الليث بن سعد: «تزوج علي فاطمة فولت له حسنًا، وحسينًا، ومحسنًا، وزينب، وأم كلثوم، ورقية، فماتت صغيرة ولم تبلغ»وينقل أبو إسحاق الإسفراييني ويضيف أن علي وفاطمة أنجبا سكينة.
#ألقاب فاطمة
تعددت أسماء فاطمة الزهراء وألقابها. أما تسمية «فاطمة» فقد قال عنها الخطيب البغدادي وابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة: «أن الله سمّاها فاطمة لأنه فطمها ومحبيها عن النار»، وفي سنن الأقوال والأفعال روى الديلمي عن أبي هريرة: «إنما سميت فاطمة لأن الله فطمها ومحبيها عن النار». بينما قال محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: «إن الله فطمها وولدها عن النار».
من ألقابها
#الزهراء: هناك أقوال بأنها كانت بيضاء اللون مشربة بحمرة زهرية. إذ كانت العرب تسمي الأبيض المشرب بالحمرة بالأزهر ومؤنثه الزهراء، وهناك من يقول أن النبي محمد هو من سماها بالزهراء لأنها كانت تزهر لأهل السماء كما تزهر النجوم لأهل الأرض، وذلك لزهدها وورعها واجتهادها في العبادة، وفي ذلك ينقل بعض المحدثين وأصحاب السير عنها عباداتٍ وأدعيةً وأورادًا خاصة انفردت بها، مثل: تسبيح الزهراء، ودعاء الزهراء وصلاة الزهراء وغير ذلك.
#البتول: تعددت الأقوال حول هذة التسمية، منها:قول النووي في شرح مسلم: التبتل هو الانقطاع عن النساء وترك النكاح انقطاعًا إلى عبادة الله وأصل التبتل القطع ومنه مريم البتول وفاطمة البتول لانقطاعهما عن نساء زمانهما دينا وفضلًا ورغبة في الآخرة.
قول ابن حجر العسقلاني في الفتح: وقيل لفاطمة البتول إما لانقطاعها عن الأزواج غير علي أو لانقطاعها عن نظرائها في الحسن والشرف.
قيل: لأنها تبتلت عن دماء النساء.
#الحوراء الإنسية: ويستشهدون برواية عن رسول الإسلام أوردها الطبراني في المعجم الكبير: (فاطمة حوراء إنسيّة، فكلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة.جاء الحديث برواية عائشة فهو: «إنّي لما أُسري بي إلى السماء أدخلني جبريلُ الجنّة فناولني منها تفّاحة، فأكلتُها فصارت نُطفةً في صُلبي، فلمّا نزلتُ واقعتُ خديجة، ففاطمة من تلك النطفة، وهي حوراء إنسيّة، كلمّا اشتقتُ إلى الجنّة قبّلتُها.»
#الصديقة: لأنها لم تكذب قط.
#المباركة: لظهور بركتها.
#الزكية: لأنها كانت أزكى أنثى عرفتها البشرية.
#المرضية: لأن الله سيرضيها.
#المحدثة: لأن الملائكة كانت تحدثها.
#الحانية: لأنها كانت تحن حنان الأم على أبيها النبي وزوجها وأولادها، والأيتام والمساكين.