محمد الورداشي التداوي بالكتابة: ذات حصة دراسية مخصصة... 💬 أقوال محمد الورداشي 📖 كتاب يومياتي
- 📖 من ❞ كتاب يومياتي ❝ محمد الورداشي 📖
█ محمد الورداشي التداوي بالكتابة: ذات حصة دراسية مخصصة للنصوص القرائية توقفت رفقة تلاميذي عند نص شعري معنون ب "قلت للشعر " وهو قصيدة شعرية للشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي فحدث أن طرحت سؤالا التلاميذ إطار مناقشة القصيدة: لماذا يكتب الأدباء والكتاب والشعراء ليلا؟ ولم يلجأون إلى فعل الكتابة أصلا؟ تعددت الإجابات المقدمة من قبل التلاميذ؛ إذ أجاب بعضهم بأن الليل وقت الهدوء ومن ثم التركيز التفكير والتذكر إلخ؟ وقال آخرون إن غياب النوم هو الباعث وأمام تعدد ارتأيت أبسط ثالثا كان الهدف طرحه معرفة الأنشطة التي يقوم بها الساهرون ليلا وكيف يصرفون الأرق والملل عن أنفسهم فكانت أيضا متباينة ومختلفة بين يقضي ليله مواقع التواصل الاجتماعي وبين يشاهد التلفاز يتأمل سقف غرفته يعد رسوم السقف وزخرفته إلخ فقلت لهم متسائلا: لا تكتبون شيئا ما؟ مثلا؛ تأخذوا ورقة وقلما تشرعون كتابة الخواطر والمشاعر تختلج أنفسكم تلكم اللحظة بالذات استرعاني استغراب المتعلمين واندهاشهم كلامي فانطلق أوضح قصدي قائلا: ثمة علاجات متعددة ضد الملل والأرق بل الفراغ الذي مدخلا كتاب مجاناً PDF اونلاين 2025
❞ محمد الورداشي التداوي بالكتابة: ذات حصة دراسية مخصصة للنصوص القرائية، توقفت رفقة تلاميذي عند نص شعري معنون ب˝قلت للشعر˝، وهو قصيدة شعرية للشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي. فحدث أن طرحت سؤالا على التلاميذ في إطار مناقشة القصيدة: لماذا يكتب الأدباء والكتاب والشعراء ليلا؟ ولم يلجأون إلى فعل الكتابة أصلا؟ تعددت الإجابات المقدمة من قبل التلاميذ؛ إذ أجاب بعضهم بأن الليل وقت الهدوء ومن ثم التركيز على فعل التفكير والتذكر.إلخ؟ وقال آخرون إن غياب النوم هو الباعث على فعل الكتابة. وأمام تعدد الإجابات، ارتأيت أن أبسط سؤالا ثالثا، كان الهدف من طرحه هو معرفة الأنشطة التي يقوم بها التلاميذ الساهرون ليلا، وكيف يصرفون الأرق والملل عن أنفسهم. فكانت الإجابات أيضا متباينة ومختلفة بين من يقضي ليله في مواقع التواصل الاجتماعي، وبين من يشاهد التلفاز، ومن يتأمل سقف غرفته، ومن يعد رسوم السقف وزخرفته. إلخ. فقلت لهم متسائلا: لماذا لا تكتبون شيئا ما؟ مثلا؛ أن تأخذوا ورقة وقلما، ثم تشرعون في كتابة الخواطر والمشاعر التي تختلج أنفسكم في تلكم اللحظة بالذات. استرعاني استغراب المتعلمين، واندهاشهم من كلامي. فانطلق أوضح قصدي قائلا: إن ثمة علاجات متعددة ضد الملل والأرق، بل ضد الفراغ الذي يعد مدخلا تتسلل منه مختلف المشاعر السلبية التي تنخر النفس الإنسانية؛ فمثلا، هناك من يجد علاجه في تلاوة القرآن الكريم، ومن يلفاه في الاستماع إلى قطعة موسيقية مفضلة لديه، ومن يسامر قريبا له يسكن معه البيت نفسه، ولكنّ هناك أناسا كثيرين يجدون دواءهم وضالتهم في القراءة والكتابة. وهكذا، نكون أمام التداوي بالكتابة حينما نفرغ كل همومنا ومشاغلنا، ونملأ فراغنا المهول بفعل الكتابة. أن تكتب معناه أنك ترغب في تفريغ نفسك مما يثقلها، وتسعى إلى مشاركته مع الآخرين علهم يحملون معك قسطا منه، أو يفكرون في حلول فعالة له. إن الكتابة، أيها التلاميذ وأيتها التلميذات، ملاذ ومأوى آمنان مطمئنان لمن لا مؤنس له ولا رفيق. إنها بلسم يشفي الجروح العميقة التي تتركها الحياة وبناتها التي تأتي تباعا، ومن ثم، تأتي الكتابة لتحقق للنفس البشرية الهائمة توازنا ما، وتنتشلها من قسوة الفراغ والخواء. أن تكتب معناه أن لك هما يثقلك، ورسالة محددة تروم إبلاغها إلى الآخرين. والنتيجة أن الكتابة تتحول إلى مصرف للآلام والأوجاع، ومساعد على تحمل عنت الدهر وصروفه. وما دام الإنسان موجودا، فإن عليه أن يكتب وجوده، ويقدم صورة عن نفسه باعتباره ذاتا حربائية: تحزن وتفرح، تنعم وتشقى، تضحك وتبكي، وترغب وتمل، وتقبل وتدبر. إلخ. ومنه، تأتي الكتابة بحسبانها فعلا يحتضن تقلبات النفس البشرية، وخلاصا تبتغيه الأنفس التي ضاقت بها الأرض بما رحبت. اكتبوا ما يحضركم في الليل البهيم، لكي تحققوا كوجيطا متمثلا في المعادلة التالية: أنا أكتب إذن أنا حي. وهذه حكاية أخرى سنقف عليها في فرصة أخرى. ❝
❞ محمد الورداشي التداوي بالكتابة: ذات حصة دراسية مخصصة للنصوص القرائية، توقفت رفقة تلاميذي عند نص شعري معنون ب\"قلت للشعر\"، وهو قصيدة شعرية للشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي. فحدث أن طرحت سؤالا على التلاميذ في إطار مناقشة القصيدة: لماذا يكتب الأدباء والكتاب والشعراء ليلا؟ ولم يلجأون إلى فعل الكتابة أصلا؟ تعددت الإجابات المقدمة من قبل التلاميذ؛ إذ أجاب بعضهم بأن الليل وقت الهدوء ومن ثم التركيز على فعل التفكير والتذكر..إلخ؟ وقال آخرون إن غياب النوم هو الباعث على فعل الكتابة. وأمام تعدد الإجابات، ارتأيت أن أبسط سؤالا ثالثا، كان الهدف من طرحه هو معرفة الأنشطة التي يقوم بها التلاميذ الساهرون ليلا، وكيف يصرفون الأرق والملل عن أنفسهم. فكانت الإجابات أيضا متباينة ومختلفة بين من يقضي ليله في مواقع التواصل الاجتماعي، وبين من يشاهد التلفاز، ومن يتأمل سقف غرفته، ومن يعد رسوم السقف وزخرفته.. إلخ. فقلت لهم متسائلا: لماذا لا تكتبون شيئا ما؟ مثلا؛ أن تأخذوا ورقة وقلما، ثم تشرعون في كتابة الخواطر والمشاعر التي تختلج أنفسكم في تلكم اللحظة بالذات. استرعاني استغراب المتعلمين، واندهاشهم من كلامي. فانطلق أوضح قصدي قائلا: إن ثمة علاجات متعددة ضد الملل والأرق، بل ضد الفراغ الذي يعد مدخلا تتسلل منه مختلف المشاعر السلبية التي تنخر النفس الإنسانية؛ فمثلا، هناك من يجد علاجه في تلاوة القرآن الكريم، ومن يلفاه في الاستماع إلى قطعة موسيقية مفضلة لديه، ومن يسامر قريبا له يسكن معه البيت نفسه، ولكنّ هناك أناسا كثيرين يجدون دواءهم وضالتهم في القراءة والكتابة. وهكذا، نكون أمام التداوي بالكتابة حينما نفرغ كل همومنا ومشاغلنا، ونملأ فراغنا المهول بفعل الكتابة. أن تكتب معناه أنك ترغب في تفريغ نفسك مما يثقلها، وتسعى إلى مشاركته مع الآخرين علهم يحملون معك قسطا منه، أو يفكرون في حلول فعالة له. إن الكتابة، أيها التلاميذ وأيتها التلميذات، ملاذ ومأوى آمنان مطمئنان لمن لا مؤنس له ولا رفيق.. إنها بلسم يشفي الجروح العميقة التي تتركها الحياة وبناتها التي تأتي تباعا، ومن ثم، تأتي الكتابة لتحقق للنفس البشرية الهائمة توازنا ما، وتنتشلها من قسوة الفراغ والخواء. أن تكتب معناه أن لك هما يثقلك، ورسالة محددة تروم إبلاغها إلى الآخرين. والنتيجة أن الكتابة تتحول إلى مصرف للآلام والأوجاع، ومساعد على تحمل عنت الدهر وصروفه. وما دام الإنسان موجودا، فإن عليه أن يكتب وجوده، ويقدم صورة عن نفسه باعتباره ذاتا حربائية: تحزن وتفرح، تنعم وتشقى، تضحك وتبكي، وترغب وتمل، وتقبل وتدبر.. إلخ. ومنه، تأتي الكتابة بحسبانها فعلا يحتضن تقلبات النفس البشرية، وخلاصا تبتغيه الأنفس التي ضاقت بها الأرض بما رحبت. اكتبوا ما يحضركم في الليل البهيم، لكي تحققوا كوجيطا متمثلا في المعادلة التالية: أنا أكتب إذن أنا حي. وهذه حكاية أخرى سنقف عليها في فرصة أخرى.. ❝ ⏤محمد الورداشي
❞ محمد الورداشي التداوي بالكتابة: ذات حصة دراسية مخصصة للنصوص القرائية، توقفت رفقة تلاميذي عند نص شعري معنون ب˝قلت للشعر˝، وهو قصيدة شعرية للشاعر التونسي الكبير أبي القاسم الشابي. فحدث أن طرحت سؤالا على التلاميذ في إطار مناقشة القصيدة: لماذا يكتب الأدباء والكتاب والشعراء ليلا؟ ولم يلجأون إلى فعل الكتابة أصلا؟ تعددت الإجابات المقدمة من قبل التلاميذ؛ إذ أجاب بعضهم بأن الليل وقت الهدوء ومن ثم التركيز على فعل التفكير والتذكر.إلخ؟ وقال آخرون إن غياب النوم هو الباعث على فعل الكتابة. وأمام تعدد الإجابات، ارتأيت أن أبسط سؤالا ثالثا، كان الهدف من طرحه هو معرفة الأنشطة التي يقوم بها التلاميذ الساهرون ليلا، وكيف يصرفون الأرق والملل عن أنفسهم. فكانت الإجابات أيضا متباينة ومختلفة بين من يقضي ليله في مواقع التواصل الاجتماعي، وبين من يشاهد التلفاز، ومن يتأمل سقف غرفته، ومن يعد رسوم السقف وزخرفته. إلخ. فقلت لهم متسائلا: لماذا لا تكتبون شيئا ما؟ مثلا؛ أن تأخذوا ورقة وقلما، ثم تشرعون في كتابة الخواطر والمشاعر التي تختلج أنفسكم في تلكم اللحظة بالذات. استرعاني استغراب المتعلمين، واندهاشهم من كلامي. فانطلق أوضح قصدي قائلا: إن ثمة علاجات متعددة ضد الملل والأرق، بل ضد الفراغ الذي يعد مدخلا تتسلل منه مختلف المشاعر السلبية التي تنخر النفس الإنسانية؛ فمثلا، هناك من يجد علاجه في تلاوة القرآن الكريم، ومن يلفاه في الاستماع إلى قطعة موسيقية مفضلة لديه، ومن يسامر قريبا له يسكن معه البيت نفسه، ولكنّ هناك أناسا كثيرين يجدون دواءهم وضالتهم في القراءة والكتابة. وهكذا، نكون أمام التداوي بالكتابة حينما نفرغ كل همومنا ومشاغلنا، ونملأ فراغنا المهول بفعل الكتابة. أن تكتب معناه أنك ترغب في تفريغ نفسك مما يثقلها، وتسعى إلى مشاركته مع الآخرين علهم يحملون معك قسطا منه، أو يفكرون في حلول فعالة له. إن الكتابة، أيها التلاميذ وأيتها التلميذات، ملاذ ومأوى آمنان مطمئنان لمن لا مؤنس له ولا رفيق. إنها بلسم يشفي الجروح العميقة التي تتركها الحياة وبناتها التي تأتي تباعا، ومن ثم، تأتي الكتابة لتحقق للنفس البشرية الهائمة توازنا ما، وتنتشلها من قسوة الفراغ والخواء. أن تكتب معناه أن لك هما يثقلك، ورسالة محددة تروم إبلاغها إلى الآخرين. والنتيجة أن الكتابة تتحول إلى مصرف للآلام والأوجاع، ومساعد على تحمل عنت الدهر وصروفه. وما دام الإنسان موجودا، فإن عليه أن يكتب وجوده، ويقدم صورة عن نفسه باعتباره ذاتا حربائية: تحزن وتفرح، تنعم وتشقى، تضحك وتبكي، وترغب وتمل، وتقبل وتدبر. إلخ. ومنه، تأتي الكتابة بحسبانها فعلا يحتضن تقلبات النفس البشرية، وخلاصا تبتغيه الأنفس التي ضاقت بها الأرض بما رحبت. اكتبوا ما يحضركم في الليل البهيم، لكي تحققوا كوجيطا متمثلا في المعادلة التالية: أنا أكتب إذن أنا حي. وهذه حكاية أخرى سنقف عليها في فرصة أخرى. ❝
❞ محمد الورداشي \"حينما تبكي الروحُ!\" باغتني العياء المتوحش، وأنهك جسدي النحيل في سكون الليل، فأخذت أتقلب على سريري المليء بالمنعرجات، ويفرُّ النوم من عيني المتعبتين، أستلقي على ظهري، أحس ألما شديدا، وأتقلب على جانبي الأيسر، فأشعر بوجع ممض في معدتي، ثم أستدير جهة اليمين، ولكن النوم لا يزورني ولا يقترب من عينيّ قيد أنملة. أحاول النوم جاهدا، فأغمض عيني رغما عنهما وضدا في الأرق، فأسمع صوتا مزعجا في الشارع، أنهض متثاقلا وأطل من نافذة المطبخ، فلا أرى إلا أشباحا تمضي مسرعة كالبرق، وأعيد النظر بعدما حاولت فتح عيني، فيتراءى لي قطان أسودان يتعاركان، ويصدران أصواتا حزينة ومبهمة، أحاول فهمها وهتك غموضها، ولكني لا أقرّ على رأي واحد تجاه هذه الأصوات التي تمزج بين الحزن والشكوى، بين الإعلان عن الأذى المحدق والتعبير عن الانزعاج. لم يرقني هذا المنظر؛ لأني لا أحب مشاهدة الحيوانات وهي تنهش جسد بعضها البعض، يؤلمني كثيرا أن أرى حيوانا ضعيفا يلحقه الأذى من قبل حيوان أقوى منه، من قبل إنسان يكره الحيوان، ويرى فيه عدوا يجب اضطهاده حيثما وجد. أكره النظر إلى الكائنات الضعيفة وهي تُؤذى من قبل الأقوى منها؛ لذلك أغلقت النافذة بهدوء، وسرحت ببصري في المطبخ، فوقعت عيناي على بقايا طعام وفواكه، ارتمت يدي على تفاحة حمراء، أحب التفاح الأحمر، أحب الفواكه الحمراء أكثر من غيرها، لأنها تبعث في نفسي الحياة، وتروي عطش النفس إلى الإحساس بالشبع والارتواء. شربت كأس ماء بارد، وعدت إلى الغرفة بخطى وئيدة لئلا أوقظ النائمين، أعرف حب البشر للنوم، وكرههم الشديد لمن يوقظهم دون إرادة منهم، أو يكون سببا في يقظتهم. أنا أيضا أكره من يزعجني، فيكون سببا في فرار النوم من عيني؛ لكني لا أحب النوم لذاته، وإنما لغيابه الطويل عني. ارتميت بجسدي العليل على السرير، نظرت إلى الساعة التي تشير إلى الرابعة صباحا، لم أحزن على الزمن الذي يمضي مسرعا، لم أقلق يوما لأني ظللت حتى آخر الليل باحثا عن نوم مرغوب؛ لأني ألفت السهر والأرق، والقراءة والتأمل كلما نام الناس، أو دخلوا في حضرة النوم مستسلمين غير محتجّين. حملت هاتفي وأخذت أتصفح الأخبار، وألقي نظرة على بوح الأصدقاء الافتراضيين والواقعيين، تستوقفني خاطرة صديق، وأتأمل كلمات صديق آخر يرى نفسه فيلسوفا، وأعجب من كثرة الشعراء والأدباء، وأشجب تعسفهم على الشعر والأدب؛ لأنهم لا يقرأون بقدر ما يكتبون، ولا يبدعون أكثر من ما يجترون، فيغمرني حزنٌ ومللٌ قاتمان، وأرمي الهاتف على الوسادة، ثم أعود إلى ذاتي المنطفئة، أغور في أعماقها، وأنبش في غياهبها حتى يطاوعني النوم بعد طول انتظار. يرن جرس الساعة، فأحمل جسدي بتثاقل، وأتجه صوب الحمام حتى أتوضأ، فأصلي بضع ركعات، ثم أرتدي ملابسي الشتائية، وأبحث في جيبي عن بضعة دراهم، وأنزل الدرج متجها نحو الفرن. أجد المكان مزدحما بالنساء أكثر من الرجال، فأتساءل في خلدي عن ما يفعله الرجال في البيت، والموانع الحائلة دون تواجدهم أمام الفرن عوض نسائهم، لكني لا أظفر بجواب يشفي الغليل، فيحين دوري وأبتاع الخبز، ثم أعود إلى البيت متسللا، وأعد فطوري البسيط متثائبا. أتناول فطوري والهاتف في يدي اليسرى، أتصفح الأخبار الصباحية، وأمعن النظر والتفكير في الوضع الاجتماعي، يهمني المجتمع وقضاياه أكثر من اهتمامي بالسياسة والاقتصاد. أجدني في حركة المجتمع الدائبة أكثر من قضايا أخرى. أقرأ أخبارا عن الاحتجاج التعليمي المغربي، وأمعن النظر في كل تصريحات الفريقين، أقصد الجهات الرسمية المسؤولة والأساتذة المتضررين، وتتفاعل نفسي مع هذه الأخبار بين الإيجاب والسلب، ثم أنظر إلى الساعة التي تشير إلى الحادية عشرة صباحا. أغلق الباب بهدوء، وأنزل الدرج متعجلا، فأجدني مندمجا في الشارع بعد بضع خطوات، أرى وأُرى، أبتسم ويُبتسم لي، فأمضي على هذه الحال حتى أبلغ المقهى. أبحث عن كرسي شاغر، وأجلس مطمئن البال، تمر دقيقة أو دقيقتان فتكون قهوتي السوداء جاهزة، يعرفني النادل كما يعرف الزبناء الآخرين، كانت خمس سنوات كافية ليعرف كل منا صاحبه. أتجرع قهوتي هادئا، وأتصفح الهاتف بتؤدة، فترمق عيناي جريدة، أقفز نحوها وأفتح أوراقها واحدة عقب أخرى، يصيبني الملل من التكرار والاجترار، فأردد متمتما \"لا جديد تحت الشمس\". يسرح بصري في من يدخلون المقهى ويغادرونه، أمعن النظر في شخص يلفت نظري، أرقب حركاته وسكناته خلسة، ويزداد اهتمامي به كلما صدرت عنه حركة ما. يجلس أمامي رجل اشتعلتْ رأسه شيبا، جسده نحيف جدا، وعيناه ضيقتان كأنه صيني، يرتدي جاكيتا جلديا قديما، وسروالا ذا بُقع ورُقع كثيرة، وينتعل حذاءً جلديا بُنيَّ اللون، له مقدمةٌ تشبه رأس أفعى سامة، وتعلوه خروق وشقوق. يحتسي قهوته مائل الظهر، ينظر إلى شيء أمامه، يحرك يده صوب هذا الشيء، أتململ في كرسيَّ، فأرى أنه ينظر إلى هاتفه على الطاولة، أعاود النظر إليه خلسة، يشدهني منظره على بعد أمتار قليلة: ظهرٌ مُنحن نحو الأمام، وعينان ضيقتان كأنه نائم، أو راهبٌ يتمتم بدعوات ما، ويؤدي طقسا تعبديا مهابا. يلتفت نحوي فجأة، يرمقني بعينيه الضيقتين، فيبتسم لي وهو يلوح بيده اليمنى، أرد عليه بالحركة والابتسامة نفسيهما. يسألني، وقد كشف عن فمٍ خالٍ من الأسنان: - أين وصلتم؟ أرد عليه بصوت مرتفع: - لم نصل إلى شيء ذي مصداقية بعد. يحك رأسه بحركة سريعة، ثم يعقب مستنكرا: - لا، لقد قالوا في الأخبار إنهم رفعوا من أجوركم. صمتَ برهة، ثم أضاف مبتسما: - مبارك عليكم، نحتاج دعوة إلى مأدبة. ابتسمت بدءا، ثم سرعان ما انفجرت ضحكتي التي لفتت إلي الأنظار، فقلت موضحا: - لم تكن الزيادة هدفا أولا لنا.. يرمقني بالنظرات المستنكرة نفسها، فأردف بجدية أكثر: - نريد الكرامة الإنسانية أولا، ثم بعد ذلك تأتي المطالب الأخرى. - الله يجعل لكم مخرجا. أرد بلفظة \"آمين\"، ثم أطأطئُ رأسي منغمسا في الكتاب الذي أحمله معي، لكني لاحظت أن هذا الرجلَ العجوزَ يفكر في أمر ما، أحسست أن في نفسه كلاما كثيرا يريد قوله، فبادرته مبتسما: - الحمد لله أنكم واعون بمشروعية نضال ومطالب الأساتذة. فرد وعلامات الغضب تطفو على وجهه: - أنا أستاذ متقاعد يا ولدي، لقد قضيت زهرة عمري في التعليم. سألته ووقْعُ المفاجأة يغمرني: - لم أتفطن لهذا الأمر، ما شاء الله يا أستاذ. حرك رأسه ونشوة فخر تغزو ملامحه، فسألته: - كم سنة قضيت؟ - أربعون سنة كلها عمل ونشاط. - ما شاء الله - أفنيت عمري وصحتي معهم، والنتيجة أمامك. قلت له مخففا من أمواج الحزن المتلاطمة في غياهب نفسه: - أجركم على الله تعالى، أما البشر فلا تنتظر منهم فضلا أو اعترافا بجميلك. - ما يسعدني هو لقاء تلاميذي الذين ولجوا وظائف مختلفة. - خير الثمار قطفتَ وجنيتَ. - فعلا يا ولدي، ولكني فقدتُ صحتي. توقفت لحظة أمام كلماته الحزينة، وفكرت في مصير كل من أحبَّ هذه المهنةَ النبيلةَ، فسألتُ نفسي إن كان مصيري سيكون مثله، وعن الأسباب التي تجعل هؤلاء الرجال المحاربين يعانون الويلات أثناء عملهم وبعده. خاطبني بكلمات مؤثرة، حاول من خلالها إطالة عمر الحوار بيننا: - كانوا مستخفين بنا، ومستغلين لصمتنا وتساهلنا، ولكنكم جيل أعاد للمهنة هيبتها وقيمتها، أنتم الجيل الذي سيحقق ما عجزنا عنه سنوات طوالا. ابتسمت ابتسامة حزينة، ولأن نفسي لم تعد تطيق ألما وحزنا، قلت: - لكل زمن أناسه وظروفه الخاصة، ولكنا نرجو الله أن ينعم علينا وعليكم بالصحة والعافية. ردد لفظة \"آمين\" بصوت خافت، ثم انغمس في طقسه التعبدي، وعدت إلى كتابي أتصفحه، بيد أني لم أكن أقرأ بقدر ما كنت أفكر في مصيرنا، وفي الأوضاع المضطربة التي تغمرنا من كل جانب، فتخطف الفرحة من قلوبنا المرهفة، والابتسامة من وجوهنا السمحة. كنت أتساءل لمَ يتلذذ الإنسان بتعذيب أخيه الإنسان، ولا يعترف له بفضل أو جميل. أغلقت دفتي الكتاب، أدخلته في محفظتي بيدي المرتعشة، ثم دفعت ثمن قهوتي وقهوة الأستاذ المتقاعد، الميت القاعد، وانصرفت بعدما ودعته بكلمات رقيقة وابتسامة خجولة، فوجدتني في الشارع أتحرك كالحشرة وسط الضجيج والازدحام الشديدين، وأخطو خطواتي صوب البيت.. ❝ ⏤محمد الورداشي
❞ محمد الورداشي ˝حينما تبكي الروحُ!˝ باغتني العياء المتوحش، وأنهك جسدي النحيل في سكون الليل، فأخذت أتقلب على سريري المليء بالمنعرجات، ويفرُّ النوم من عيني المتعبتين، أستلقي على ظهري، أحس ألما شديدا، وأتقلب على جانبي الأيسر، فأشعر بوجع ممض في معدتي، ثم أستدير جهة اليمين، ولكن النوم لا يزورني ولا يقترب من عينيّ قيد أنملة. أحاول النوم جاهدا، فأغمض عيني رغما عنهما وضدا في الأرق، فأسمع صوتا مزعجا في الشارع، أنهض متثاقلا وأطل من نافذة المطبخ، فلا أرى إلا أشباحا تمضي مسرعة كالبرق، وأعيد النظر بعدما حاولت فتح عيني، فيتراءى لي قطان أسودان يتعاركان، ويصدران أصواتا حزينة ومبهمة، أحاول فهمها وهتك غموضها، ولكني لا أقرّ على رأي واحد تجاه هذه الأصوات التي تمزج بين الحزن والشكوى، بين الإعلان عن الأذى المحدق والتعبير عن الانزعاج. لم يرقني هذا المنظر؛ لأني لا أحب مشاهدة الحيوانات وهي تنهش جسد بعضها البعض، يؤلمني كثيرا أن أرى حيوانا ضعيفا يلحقه الأذى من قبل حيوان أقوى منه، من قبل إنسان يكره الحيوان، ويرى فيه عدوا يجب اضطهاده حيثما وجد. أكره النظر إلى الكائنات الضعيفة وهي تُؤذى من قبل الأقوى منها؛ لذلك أغلقت النافذة بهدوء، وسرحت ببصري في المطبخ، فوقعت عيناي على بقايا طعام وفواكه، ارتمت يدي على تفاحة حمراء، أحب التفاح الأحمر، أحب الفواكه الحمراء أكثر من غيرها، لأنها تبعث في نفسي الحياة، وتروي عطش النفس إلى الإحساس بالشبع والارتواء. شربت كأس ماء بارد، وعدت إلى الغرفة بخطى وئيدة لئلا أوقظ النائمين، أعرف حب البشر للنوم، وكرههم الشديد لمن يوقظهم دون إرادة منهم، أو يكون سببا في يقظتهم. أنا أيضا أكره من يزعجني، فيكون سببا في فرار النوم من عيني؛ لكني لا أحب النوم لذاته، وإنما لغيابه الطويل عني. ارتميت بجسدي العليل على السرير، نظرت إلى الساعة التي تشير إلى الرابعة صباحا، لم أحزن على الزمن الذي يمضي مسرعا، لم أقلق يوما لأني ظللت حتى آخر الليل باحثا عن نوم مرغوب؛ لأني ألفت السهر والأرق، والقراءة والتأمل كلما نام الناس، أو دخلوا في حضرة النوم مستسلمين غير محتجّين. حملت هاتفي وأخذت أتصفح الأخبار، وألقي نظرة على بوح الأصدقاء الافتراضيين والواقعيين، تستوقفني خاطرة صديق، وأتأمل كلمات صديق آخر يرى نفسه فيلسوفا، وأعجب من كثرة الشعراء والأدباء، وأشجب تعسفهم على الشعر والأدب؛ لأنهم لا يقرأون بقدر ما يكتبون، ولا يبدعون أكثر من ما يجترون، فيغمرني حزنٌ ومللٌ قاتمان، وأرمي الهاتف على الوسادة، ثم أعود إلى ذاتي المنطفئة، أغور في أعماقها، وأنبش في غياهبها حتى يطاوعني النوم بعد طول انتظار. يرن جرس الساعة، فأحمل جسدي بتثاقل، وأتجه صوب الحمام حتى أتوضأ، فأصلي بضع ركعات، ثم أرتدي ملابسي الشتائية، وأبحث في جيبي عن بضعة دراهم، وأنزل الدرج متجها نحو الفرن. أجد المكان مزدحما بالنساء أكثر من الرجال، فأتساءل في خلدي عن ما يفعله الرجال في البيت، والموانع الحائلة دون تواجدهم أمام الفرن عوض نسائهم، لكني لا أظفر بجواب يشفي الغليل، فيحين دوري وأبتاع الخبز، ثم أعود إلى البيت متسللا، وأعد فطوري البسيط متثائبا. أتناول فطوري والهاتف في يدي اليسرى، أتصفح الأخبار الصباحية، وأمعن النظر والتفكير في الوضع الاجتماعي، يهمني المجتمع وقضاياه أكثر من اهتمامي بالسياسة والاقتصاد. أجدني في حركة المجتمع الدائبة أكثر من قضايا أخرى. أقرأ أخبارا عن الاحتجاج التعليمي المغربي، وأمعن النظر في كل تصريحات الفريقين، أقصد الجهات الرسمية المسؤولة والأساتذة المتضررين، وتتفاعل نفسي مع هذه الأخبار بين الإيجاب والسلب، ثم أنظر إلى الساعة التي تشير إلى الحادية عشرة صباحا. أغلق الباب بهدوء، وأنزل الدرج متعجلا، فأجدني مندمجا في الشارع بعد بضع خطوات، أرى وأُرى، أبتسم ويُبتسم لي، فأمضي على هذه الحال حتى أبلغ المقهى. أبحث عن كرسي شاغر، وأجلس مطمئن البال، تمر دقيقة أو دقيقتان فتكون قهوتي السوداء جاهزة، يعرفني النادل كما يعرف الزبناء الآخرين، كانت خمس سنوات كافية ليعرف كل منا صاحبه. أتجرع قهوتي هادئا، وأتصفح الهاتف بتؤدة، فترمق عيناي جريدة، أقفز نحوها وأفتح أوراقها واحدة عقب أخرى، يصيبني الملل من التكرار والاجترار، فأردد متمتما ˝لا جديد تحت الشمس˝. يسرح بصري في من يدخلون المقهى ويغادرونه، أمعن النظر في شخص يلفت نظري، أرقب حركاته وسكناته خلسة، ويزداد اهتمامي به كلما صدرت عنه حركة ما. يجلس أمامي رجل اشتعلتْ رأسه شيبا، جسده نحيف جدا، وعيناه ضيقتان كأنه صيني، يرتدي جاكيتا جلديا قديما، وسروالا ذا بُقع ورُقع كثيرة، وينتعل حذاءً جلديا بُنيَّ اللون، له مقدمةٌ تشبه رأس أفعى سامة، وتعلوه خروق وشقوق. يحتسي قهوته مائل الظهر، ينظر إلى شيء أمامه، يحرك يده صوب هذا الشيء، أتململ في كرسيَّ، فأرى أنه ينظر إلى هاتفه على الطاولة، أعاود النظر إليه خلسة، يشدهني منظره على بعد أمتار قليلة: ظهرٌ مُنحن نحو الأمام، وعينان ضيقتان كأنه نائم، أو راهبٌ يتمتم بدعوات ما، ويؤدي طقسا تعبديا مهابا. يلتفت نحوي فجأة، يرمقني بعينيه الضيقتين، فيبتسم لي وهو يلوح بيده اليمنى، أرد عليه بالحركة والابتسامة نفسيهما. يسألني، وقد كشف عن فمٍ خالٍ من الأسنان:
- أين وصلتم؟
أرد عليه بصوت مرتفع:
- لم نصل إلى شيء ذي مصداقية بعد.
يحك رأسه بحركة سريعة، ثم يعقب مستنكرا:
- لا، لقد قالوا في الأخبار إنهم رفعوا من أجوركم.
صمتَ برهة، ثم أضاف مبتسما:
- مبارك عليكم، نحتاج دعوة إلى مأدبة.
ابتسمت بدءا، ثم سرعان ما انفجرت ضحكتي التي لفتت إلي الأنظار، فقلت موضحا:
- نريد الكرامة الإنسانية أولا، ثم بعد ذلك تأتي المطالب الأخرى.
- الله يجعل لكم مخرجا.
أرد بلفظة ˝آمين˝، ثم أطأطئُ رأسي منغمسا في الكتاب الذي أحمله معي، لكني لاحظت أن هذا الرجلَ العجوزَ يفكر في أمر ما، أحسست أن في نفسه كلاما كثيرا يريد قوله، فبادرته مبتسما:
- أنا أستاذ متقاعد يا ولدي، لقد قضيت زهرة عمري في التعليم.
سألته ووقْعُ المفاجأة يغمرني:
- لم أتفطن لهذا الأمر، ما شاء الله يا أستاذ.
حرك رأسه ونشوة فخر تغزو ملامحه، فسألته:
- كم سنة قضيت؟
- أربعون سنة كلها عمل ونشاط.
- ما شاء الله
- أفنيت عمري وصحتي معهم، والنتيجة أمامك.
قلت له مخففا من أمواج الحزن المتلاطمة في غياهب نفسه:
- أجركم على الله تعالى، أما البشر فلا تنتظر منهم فضلا أو اعترافا بجميلك.
- ما يسعدني هو لقاء تلاميذي الذين ولجوا وظائف مختلفة.
- خير الثمار قطفتَ وجنيتَ.
- فعلا يا ولدي، ولكني فقدتُ صحتي.
توقفت لحظة أمام كلماته الحزينة، وفكرت في مصير كل من أحبَّ هذه المهنةَ النبيلةَ، فسألتُ نفسي إن كان مصيري سيكون مثله، وعن الأسباب التي تجعل هؤلاء الرجال المحاربين يعانون الويلات أثناء عملهم وبعده. خاطبني بكلمات مؤثرة، حاول من خلالها إطالة عمر الحوار بيننا:
- كانوا مستخفين بنا، ومستغلين لصمتنا وتساهلنا، ولكنكم جيل أعاد للمهنة هيبتها وقيمتها، أنتم الجيل الذي سيحقق ما عجزنا عنه سنوات طوالا.
ابتسمت ابتسامة حزينة، ولأن نفسي لم تعد تطيق ألما وحزنا، قلت:
- لكل زمن أناسه وظروفه الخاصة، ولكنا نرجو الله أن ينعم علينا وعليكم بالصحة والعافية.
ردد لفظة ˝آمين˝ بصوت خافت، ثم انغمس في طقسه التعبدي، وعدت إلى كتابي أتصفحه، بيد أني لم أكن أقرأ بقدر ما كنت أفكر في مصيرنا، وفي الأوضاع المضطربة التي تغمرنا من كل جانب، فتخطف الفرحة من قلوبنا المرهفة، والابتسامة من وجوهنا السمحة. كنت أتساءل لمَ يتلذذ الإنسان بتعذيب أخيه الإنسان، ولا يعترف له بفضل أو جميل. أغلقت دفتي الكتاب، أدخلته في محفظتي بيدي المرتعشة، ثم دفعت ثمن قهوتي وقهوة الأستاذ المتقاعد، الميت القاعد، وانصرفت بعدما ودعته بكلمات رقيقة وابتسامة خجولة، فوجدتني في الشارع أتحرك كالحشرة وسط الضجيج والازدحام الشديدين، وأخطو خطواتي صوب البيت. ❝