❞ قصة " الخوف الجميل "
كانا يتمشيان على النيل ..و الشمس تغيب في الأفق ..و النسيم يداعب الشجر قال و هو يمسك يديها في حب
-أتعرفين ماذا تحت قدمك الآن ؟
-ماذا تعني !!
-أتعرفين على أي شئ تقفين .. إن تحت قدمك الصغيرة هذه أربع مدن و ثمانية عصور .. و ثمان حضارات و سبعة آلاف عام من التاريخ ..
هل تصدقين أن تحت قدمك عصراً رومانياً و عصراً فاطمياً و عصراً تركياً و عصراً إسلامياً و عصراً قبطياً و عصراً فرعونياً .. أكادُ أرى المواكب تخرج في أبهتها و دروعها و أكادُ أسمع صهيل الخيل و جلجلة السلاح .. و أكادُ أرى الدم يسيل ..و الناس تتصارع و تتحارب و تتاجر و تهاجر .. و أكاد أرى الدموع تلمع على خدود ما تلبث أن تغدو تراباً .. و أكادُ أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان ..
و المنتصر يرقد جوار المهزوم و القاتل يتمدد إلى جوار قتيله
و الهاجر الغادر ما يلبث أن يُسحب عليه الزمن ستار الهجر فيغدو مهجوراً هو الآخر لا حس و لا أثر و لا خبر ..
أين ذهب الغضب ؟
أين ذهب الجنون ؟
أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟
ماذا بقي من هذه النيران المشتعلة في الصدور ؟
-قالت الفتاة و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها ..
ترى هل يبقى شئ من حبنا أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لا شئ .. ؟!
-قال و هو يضحك :
في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلق به الفتاة لمدى لبسة واحدة .. ثم بعد ذلك تتغير الموضة ..
-هل هذا رأيك ؟
-هذا حال أكثر الناس ..
" كل الذين تحت قدمك قد اقسموا - و هم يبكون - أن ما بينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل ..
-ألم يصدق بعضهم ؟؟
-نعم ؛ أقل القليل ، الذين استودعوا شيئاً عند الله.. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع ..
و أردف و هو ينظر إلى السماء الممدودة ..
" الذين أحبوا بعضهم فيه و نظروا إلى بعضهم في مرآته ..
الذين أفرشوه أسرارهم .. و أسلموا اختيارهم .. فأصبح مرادهم مراده .. هؤلاء أهله الذين هم إليه .. و ليسوا للتراب "
قالت و مازالت على شرودها تنظر في داخل عينيه :
و أين نحن من هؤلاء ؟
-قال و هو ينظر إلى السماء الممدودة :
الكل يدعي أنه من هؤلاء .. و لكن الزمن وحده هو الذي يكشف صدق الدعوى .. و لهذا خلق الله الدنيا ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحقائق ..
-ألا ترى نفسك مخلصاً ؟
-لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم .. فما
أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه .. و ما أكثر ما يُستدرج الإنسان إلى ثقة في النفس مُبالغ فيها .. ثم يأتي الزمان فيكذبه على لسانه ..
و شرد قليلاً ثم أردف :
-الإخلاص هو أخفى الخفايا .. و هو سر لا يكاد يطلع
عليه إلا الله.. و نحن نأتي به إلي الدنيا أو نأتي بدونه
و لا يعلم سرنا إلا خالقنا ..
قالت و يدها ترتجف في يديه : إني خائفة ..
قال و هو يمشي الهوينا : أنا أعيش في هذا الخوف .. إنه الخوف الجميل .. الخوف من أن يظهر المكتوم .. فإذا به على غير ما نرضى و على غير ما نحب و هو خوف يدفع كلاً منا إلى إحسان العمل .. و هو خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء ..
لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور ..
ألم يقل أبو بكر .. مازلت أبيتُ على الخوف و أصحو على الخوف حتى لو رأيتُ إحدى قدمي تدخل الجنه فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل .. فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون ..
و لماذا يمكر بنا الله ؟
مكر الله ليس كمكرنا .. فنحن نمكر لنخفي
الحقيقه أما الله فيمكر ليظهرها و هو يمكر بالمُدعي
حتى يظهره على حقيقة نفسه فهو خير الماكرين ..
-ألا توجد راحة ؟
-ليس دون المنتهى راحة .
-و متى نبلغ المنتهى ؟
-عنده .. أليس هو القائل :
" و إن إلى ربك المنتهى "
.. ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ قصة " الخوف الجميل "
كانا يتمشيان على النيل .و الشمس تغيب في الأفق .و النسيم يداعب الشجر قال و هو يمسك يديها في حب
- أتعرفين ماذا تحت قدمك الآن ؟
- ماذا تعني !!
- أتعرفين على أي شئ تقفين . إن تحت قدمك الصغيرة هذه أربع مدن و ثمانية عصور . و ثمان حضارات و سبعة آلاف عام من التاريخ .
هل تصدقين أن تحت قدمك عصراً رومانياً و عصراً فاطمياً و عصراً تركياً و عصراً إسلامياً و عصراً قبطياً و عصراً فرعونياً . أكادُ أرى المواكب تخرج في أبهتها و دروعها و أكادُ أسمع صهيل الخيل و جلجلة السلاح . و أكادُ أرى الدم يسيل .و الناس تتصارع و تتحارب و تتاجر و تهاجر . و أكاد أرى الدموع تلمع على خدود ما تلبث أن تغدو تراباً . و أكادُ أرى نظرات الغرور ما تلبث أن تأكلها الديدان .
و المنتصر يرقد جوار المهزوم و القاتل يتمدد إلى جوار قتيله
و الهاجر الغادر ما يلبث أن يُسحب عليه الزمن ستار الهجر فيغدو مهجوراً هو الآخر لا حس و لا أثر و لا خبر .
أين ذهب الغضب ؟
أين ذهب الجنون ؟
أين رقد اليأس ؟
أين نامت الفتن ؟
ماذا بقي من هذه النيران المشتعلة في الصدور ؟
- قالت الفتاة و هي ساهمة تنظر إلى التراب تحت قدميها .
ترى هل يبقى شئ من حبنا أم أننا ماضون نحن أيضاً إلى لا شئ . ؟!
- قال و هو يضحك :
في عصر السرعة الذي نعيشه يكاد يكون الحب فستاناً تتعلق به الفتاة لمدى لبسة واحدة . ثم بعد ذلك تتغير الموضة .
- هل هذا رأيك ؟
- هذا حال أكثر الناس .
" كل الذين تحت قدمك قد اقسموا - و هم يبكون - أن ما بينهما كان شيئاً خاصاً نادراً ليس له مثيل .
- ألم يصدق بعضهم ؟؟
- نعم ؛ أقل القليل ، الذين استودعوا شيئاً عند الله. فالله وحده هو الذي يحفظ الودائع .
و أردف و هو ينظر إلى السماء الممدودة .
" الذين أحبوا بعضهم فيه و نظروا إلى بعضهم في مرآته .
الذين أفرشوه أسرارهم . و أسلموا اختيارهم . فأصبح مرادهم مراده . هؤلاء أهله الذين هم إليه . و ليسوا للتراب "
قالت و مازالت على شرودها تنظر في داخل عينيه :
و أين نحن من هؤلاء ؟
- قال و هو ينظر إلى السماء الممدودة :
الكل يدعي أنه من هؤلاء . و لكن الزمن وحده هو الذي يكشف صدق الدعوى . و لهذا خلق الله الدنيا ليتميز أهل الدعاوي من أهل الحقائق .
- ألا ترى نفسك مخلصاً ؟
- لست من الغرور بحيث أسبق الزمن إلى الحكم . فما
أكثر ما يُخدع الإنسان في نفسه . و ما أكثر ما يُستدرج الإنسان إلى ثقة في النفس مُبالغ فيها . ثم يأتي الزمان فيكذبه على لسانه .
و شرد قليلاً ثم أردف :
- الإخلاص هو أخفى الخفايا . و هو سر لا يكاد يطلع
عليه إلا الله. و نحن نأتي به إلي الدنيا أو نأتي بدونه
و لا يعلم سرنا إلا خالقنا .
قالت و يدها ترتجف في يديه : إني خائفة .
قال و هو يمشي الهوينا : أنا أعيش في هذا الخوف . إنه الخوف الجميل . الخوف من أن يظهر المكتوم . فإذا به على غير ما نرضى و على غير ما نحب و هو خوف يدفع كلاً منا إلى إحسان العمل . و هو خوف لا يوجد إلا عند الأتقياء .
لأنه خوف يحمي صاحبه من الغرور .
ألم يقل أبو بكر . مازلت أبيتُ على الخوف و أصحو على الخوف حتى لو رأيتُ إحدى قدمي تدخل الجنه فإني أظل خائفاً حتى أرى الثانية تدخل . فلا يأمن مكر الله إلا القوم الضالون .
و لماذا يمكر بنا الله ؟
مكر الله ليس كمكرنا . فنحن نمكر لنخفي
الحقيقه أما الله فيمكر ليظهرها و هو يمكر بالمُدعي
حتى يظهره على حقيقة نفسه فهو خير الماكرين .