الفصل3: عندما وصل زين إلى منزل المقدم أحمد، كانت الهدوء يسود المكان، لكنه كان يشعر بثقل الحزن والكآبة في الأجواء.
دخل ببطء، وجلس مع عايدة التي كانت تنتظره بفارغ الصبر. تحدثا في موضوع آسر وورد الياسمين، وكانت كلماته تفيض بالمسؤولية والاهتمام.
أكد لها أن آسر سيكون بأمان معهم، وأنهم سيبقون في مصر، ما سيتيح لها رؤية حفيدها متى شاءت. كانت هذه الكلمات كبلسم على جراح قلبها المثقل بالحزن.
عايدة، بعد انتهاء الحديث، شعرت بأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهلها. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، كانت تختزن في طياتها مزيجًا من الراحة والانتصار.
لقد انتهى أكبر كابوس كانت تخشاه، ولكن في داخلها كانت تتماوج أفكار أخرى، لم تكن على نفس البراءة التي بدت على ملامحها. فقد جاءت إليها فكرة شيطانية، فكرة يمكن أن تستغلها لصالحها في هذه اللحظة الحساسة.
جلست عايدة على الكرسي بهدوء، تراقب زين وهو يغادر. كانت تخطط بدقة في ذهنها، تفكر كيف يمكنها أن تستخدم هذه الفرصة لتحقق هدفًا أكبر. كانت تعلم أن أمامها فرصة لا يمكن أن تفوتها، فرصة قد تقلب الأمور لصالحها تمامًا. في تلك اللحظة، لم تكن مجرد أم حزينة على فراق ابنها، بل كانت امرأة تحمل في قلبها مزيجًا من الحزن والطموح.
عزمت على تنفيذ خطتها، وبدأت في رسم ملامحها بهدوء وذكاء، منتظرة اللحظة المناسبة للانقضاض.
.......... ......... ..........
في قصر عبد الحميد، حيث الهواء النقي يتخلل أرجاء المكان، كان الصغير آسر يستيقظ على صوت حنون بجوار أذنه.
الحاجة فاطمة كانت تجلس بجواره على الفراش، ويدها تلامس شعره الكيرلي الأسود برقة تحمل في طياتها حبًا وحنانًا لم يعرفهما إلا من والديه.
شعر بلمساتها، لكنه لم يكن قادرًا على تمييزها في البداية، فتح نصف عينه بصعوبة بسبب نور الشمس الساطع الذي ملأ الغرفة.
بعد لحظات، بدأ يميز ملامحها، لكن بدلاً من أن يشعر بالأمان، امتلأت عيناه الصغيرتان بالعبرات التي انسابت على وجهه الباكي، وبدأ جسده النحيف يرتجف بقوة كما لو كان يعبر عن خوفه العميق.
الحاجة فاطمة، التي كانت ترى تلك البراءة الممزقة في عينيه، شعرت بالقلق الشديد. بدأت تردد اسم الله وتخاطبه بحنان ورقة، صوتها كان دافئًا ومليئًا بالطمأنينة:
"بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يا ولدي كده؟ تعالَ، ما تخافش، تعالَ حبيبي، أنا مش هأذيك يا ولدي."
لكن، بدلاً من أن يهدأ، زاد خوفه وتراجع أكثر مبتعدًا عنها. ازدادت حالته سوءًا، وبدأت الحاجة فاطمة تشعر بالعجز. غادرت الغرفة بسرعة وهي تنادي بأعلى صوتها:
"بت يا هنيه، انتي يا بت!"
هرولت هنيه من الأسفل، وصلت إلى السيدة الحاجة فاطمة وهي تلهث قليلاً:
"أيوه يا ستي الحاجة، جاية أهوه."
الحاجة فاطمة، بصوت يشوبه القلق:
"نادي على الحكيم يا بتي، الواد يا حبت عيني باين عليه تعبان جوي، مش راضي يبطل بكي."
هنيه، وهي تدرك جدية الموقف، أجابت بسرعة:
"حاضر يا ستي الحاجة، حاجة تاني؟"
الحاجة فاطمة، بهدوء ولكن بحزم:
"لا، روحي انتي."
دخلت الحاجة فاطمة إلى الغرفة مرة أخرى، محاولة تهدئة الصغير آسر الذي لم يتوقف عن البكاء.
اقتربت منه بحنان أكبر، تحاول أن تريه أنها ليست سوى حضن دافئ يمكنه الاعتماد عليه:
"مالك يا نور عيني؟ اسم الله عليك يا ولدي، قوم، قوم معايا ما تخافش، تعالَ، تعالَ حبيبي هنا."
بخوف وتردد، قام الصغير من مكانه واقترب منها، ولا يزال يرتجف. أجلسته بجوارها على طرف الفراش، وضمته بين ذراعيها، وبدأت تردد آيات من القرآن الكريم بهدوء، وكأنها تلقي السكينه تهدئ من روعه.
شيئًا فشيئًا، بدأ جسده الصغير يهدأ، وتوقف عن البكاء. رفع عينيه ليتأكد من وجودها بجواره، وكان في كل مرة يطمئن أنها لا تزال هناك.
وفي تلك اللحظات، دخلت هنيه إلى الغرفة ومعها الطبيب.
هنيه، باحترام واهتمام:
"الدكتور وصل يا ستي."
الحاجة فاطمة، بابتسامة مطمئنة:
"دخلية يا بتي."
هنيه أشارت للطبيب ليدخل:
"اتفضل يا دكتور، اتفضل."
الدكتور، بابتسامة هادئة:
"خير يا حاجة سلمتك."
الحاجة فاطمة، بابتسامة ودودة:
"الله يسلمك يا دكتور، أنا بخير، بس ولدي ده بعافية شوية، طمنا عليه يا ولدي."
الدكتور، بجدية واهتمام:
"حاضر، أكشف عليه الأول وإن شاء الله خير."
بدأ الطبيب في الكشف على آسر، الذي كان لا يزال يشعر بالخوف في البداية، لكن وجود الحاجة فاطمة بجانبه هدأ من روعه.
جلست الحاجة فاطمة بجواره، تمسك بيده الصغير، وتحاول أن تزرع فيه الطمأنينة. أنهى الطبيب الكشف، ونظرت إليه الحاجة فاطمة بقلق.
الحاجة فاطمة، بصوت منخفض يكاد يكون همسًا:
"خير يا دكتور؟"
الدكتور نظر إلى الحاجة فاطمة بجدية، قائلاً:
"خير يا حاجة، الولد عنده انهيار عصبي، شكله اتعرض لحاجة عملتله صدمة قوية، ودخوله في حالة اكتئاب هي اللي سببت الحالة دي. أنا هكتب له على العلاج، وأهم حاجة إنه ما يفضلش لوحده."
الحاجة فاطمة، بامتنان:
"أكيد يا دكتور، هنعمل كده."
الدكتور قام من مكانه وهو يقول:
"سلام عليكم."
الحاجة فاطمة:
"وعليكم السلام، هنيه، وصلي الدكتور يا بتي."
هنيه، بحماس:
"حاضر يا حجة، اتفضل يا دكتور."
بعدما خرج الطبيب، عادت الحاجة فاطمة وجلست بجوار آسر، نظرتها كانت مزيجاً من الحنان والحزن.
لم تستطع إخفاء مشاعرها، فصوتها خرج محملاً بالشجن وهي تقول:
"حبيبي يا ولدي، جول لي لما شوفتك امبارح، وأنا قلبي بيبكي عليك يا غالي، وكل لما عيوني تنظرلك بتفكرني بولدي زين وهو صغير لما عرف بموت أبوه. ألف رحمة ونور عليك يا غالي."
حاولت أن تتماسك، وتكمل بنفس النبرة الحنونة:
"ما تخافش يا ولدي، أنا جاراك أهو، هجيبلك الأكل علشان تاكل لقمة."
وقفت من جواره وهي تنوي الخروج، لكن يد الصغير تشبثت بها بقوة، كانت تلك اللمسة الصغيرة مليئة بالخوف والاحتياج. نادت بصوت مرتفع: "يا هنيه!"
هنيه، مسرعة من المطبخ:
"أيوه يا حجة، جاية أهو."
الحاجة فاطمة بحنان:
"جيبي الأكل ومعاكي يا بتي، الولد ما أكلش حاجة، يلا همّي بسرعة."
هنيه بطاعة:
"ثواني والأكل يكون جاهز."
مرت دقائق قليلة، وعادت هنيه تحمل صينية كبيرة مليئة بالأطعمة المختلفة.
وضعتها على المنضدة الصغيرة بجوار الحاجة، وبدأت الحاجة فاطمة في محاولة إطعام آسر. كان الصغير مترددًا، يرفض الأكل في البداية، لكن مع إلحاح الحاجة وحنانها، تناول قليلاً.
بعد أن انتهوا من الأكل، أخذته هنيه ليغتسل، وأحضرت له الثياب النظيفة التي سيرتديها. بعدها، نزلوا معًا إلى الحديقة الكبيرة للقصر.
جلس آسر بجانب الحاجة، صامتًا، عيناه تراقبان كل شيء حوله دون أن يبدي أي رد فعل.
جلست هنيه معهما، تحاول الحديث معه أو إضحاكه، لكن دون جدوى. لم تستطع كبح مشاعرها، فتكلمت بحزن: "صعبان عليا جوي يا حاجة."
الحاجة فاطمة، بتنهيدة:
"واني كمان يا بتي، في إيدي إيه أعمله علشان يضحك بس؟ ربنا معاه، اللي حصل كان صعب عليه جوي."
هنيه، محاولة تغيير الموضوع قليلاً:
"زين بيه جاي في الطريق، هو رن على التلفون وقت لما الدكتور كان أهنه."
الحاجة فاطمة، بتحفز:
"طب قومي يا بتي حضري الأكل عمال ما يجي، قومي."
هنيه، وهي تتحرك نحو المطبخ:
"حاضر يا حاجة."
عادت الحاجة فاطمة لتركيزها على آسر، الذي كان يجلس بجوارها بصمت.
انتظرت وصول زين، متمنية أن يكون حضوره قادرًا على تخفيف الألم الذي يثقل قلب الصغير.
كانت تعلم أن الطريق طويل، لكن مع زين، كانت تشعر بأن لديهم فرصة للبدء في شفاء الجروح العميقة التي تركتها الأحداث الأخيرة.
................
عندما وصل زين إلى القصر، دخل الحديقة الأمامية، حيث كان جده يجلس تحت ظل شجرة قديمة. تقدم بخطواته الواثقة نحوه وألقى عليه التحية، ثم علم منه مكان والدته. بدأ يسير باتجاهها بخطوات متزنة، حتى لمحها جالسة بجوار آسر في الحديقة الخلفية.
تقدم نحوها وانحنى ليقبل يدها بحب واحترام.
"إزيك يا مَاى؟"
قالها زين بصوت مليء بالحنان.
الحاجة فاطمة ابتسمت برقة وردت عليه:
"بخير يا ولدي، حمد لله على سلامتك."
جلس زين بجوارها، لكنه سرعان ما لاحظ الصغير آسر جالسًا بهدوء بجانبها. توجه إليه بابتسامة دافئة قائلاً:
"البطل الصغير عامل إيه؟"
بمجرد أن سمع آسر صوته، هرول نحوه، دموعه تملأ عينيه، واحتضنه بقوة كأنما يبحث عن الأمان الذي فقده. كان الحزن واضحًا في ملامح الحاجة فاطمة وهي ترى ابنها يبكي من جديد.
فعاتبت زين بحنان: "اكده يا ولدي، تبكيه تاني؟"
زين طمأنها وهو يمسح على ظهر آسر بحنان:
"ما تجلجيش يا مَاى، دا بطل، مش كده ولا إيه؟"
وجه كلماته الأخيرة للصغير، الذي أومأ برأسه موافقًا وهو ما زال متشبثًا به.
ابتسمت الحاجة فاطمة بسعادة وارتاح قلبها لرؤية الصغير يتعلق بابنها بهذه الطريقة، وقالت بدعاء صادق:
"ربنا يسعدك يا ولدي."
حمل زين الصغير وجلس به على المقعد بجانبه، وضعه على قدمه واستمر في الحديث مع والدته.
قص عليها كل ما حدث بالتفصيل بخصوص آسر، وما يجب عليهم فعله لحمايته.
بينما كان يتحدث، لاحظ زين أن جسد آسر بدأ يرتجف من جديد، وبشكل مفاجئ، نزل الصغير من على قدمه وابتعد عنه بخطوات مترددة.
كانت نظراته تائهة، وكأن شيئًا أثقل قلبه الصغير. اقترب زين منه بخطوات حذرة، قلقًا على ما يجول في خاطر الطفل.
قال بحزن وحيرة:
"مالك يا حبيبي، في إيه؟"
لم يرد آسر، بل استمر في الابتعاد، لكن زين لم يستسلم، اقترب منه أكثر وأمسك بذراعيه برفق، وقال بنبرة حنونة:
"إنت مش عاوز تروح هناك؟"
آسر أومأ برأسه بالموافقة، وعيناه ملأهما الخوف. ضمه زين لصدره بقوة، كأنه يحاول أن ينقل له كل الطمأنينة التي يستطيع، وقال بصوت مليء بالحنان:
"ما تقلقش يا حبيبي، مش هتروح هناك. أنا هنا، وهفضل جنبك."
ظلت الحاجة فاطمة تراقب المشهد، ودمعة حارقة سالت من عينها. شعرت بالامتنان لابنها، الذي كان يُعطي لآسر الأمان الذي يحتاجه، وكانت تعلم أن تلك اللحظات كانت بداية رحلة طويلة، لكنها كانت واثقة أن زين سيظل الدرع الحامي للصغير.
....................
بعد مرور عام كامل على يوم الوفاة، تغيرت حياة آسر بشكل ملحوظ.
كان الصبي قد اندمج في حياة زين وأسرته، محاطًا بحب واهتمام لم يعهده منذ فقد والديه.
بات يتحدث مرة أخرى، وانقشعت سحابة الصمت التي كانت تخيم على حياته، ولكن الكوابيس التي تلاحقه في الليل ما زالت تُلقي بظلالها عليه.
كان آسر يجد الأمان بين جدران هذا القصر الريفي وبين أذرع زين، والحاجة فاطمة، وجده عبد الحميد، وحتى هنيه التي كانت تعتبره ابنها الذي لم تنجبه.
أحبهم بكل قلبه، وهم بدورهم كانوا يرونه النور الذي أضاء حياتهم.
ومع اقتراب موعد دخوله المدرسة، بدأ يلوح في الأفق شبح العودة إلى القاهرة.
كان عليه أن يعود ليعيش مع جدته. تلك المرأة التي حاولت مرارًا وتكرارًا أن تقترب منه، لكن الخوف منها كان يتسلل إلى قلبه كلما اقتربت.
كان يشعر في كل مرة تُمسك بيده وكأنها تُعيده إلى كوابيسه القديمة. لم تكن مجرد جدته؛ كانت تذكِره بالألم والخسارة.
جدته، التي كانت تعيش في ظل إحساس دائم بالفشل، لم تجد مفرًا من استخدام حيلها للضغط على زين.
تلك الحيل التي بَنَت بها سورًا حول آسر، لإعادته إلى حضنها، مستغلة براءة الطفل وثقة زين التي طالما كانت عمياء عن حقيقة نواياها.
في صباح اليوم الذي كان من المقرر أن يعود فيه آسر إلى القاهرة، جلس زين مع آسر بهدوء، محاولاً أن يشرح له الأمر برفق.
كان زين يُدرك أن الرحيل من هذا المكان الذي أصبح منزله سيكسر قلب الطفل. لكنه كان مضطرًا لإقناعه.
تحدث زين بصوت ملؤه الحنان:
"حبيبي، لازم ترجع مع جدتك لفترة المدرسة. لكن مش هتكون لوحدك، أنا هكون معاك كل يوم بالتليفون، ولما تنزل إجازة هنروح سوا نشوف الحاجة فاطمة ونتفسح، تمام؟"
كانت عيون آسر الكبيرة تراقب زين بتردد. كان يشعر بشيء غامض يخيم على كلماته، كأنها خيوط وهمية تحاول أن تربطه بأمان زائف. وأخيرًا، بعد لحظات من الصمت، هز آسر رأسه بالموافقة. لم يكن مقتنعًا تمامًا، لكنه كان يثق في زين أكثر من أي شخص آخر.
وعندما أخبر زين الجدة عايده بأنه سيعيد آسر اليوم، انفجرت دموع الفرح في عينيها. كانت تلك الدموع مزيفة، فهي لم تكن تعني بها فرحها بعودة آسر بقدر ما كانت تنبع من انتصارها الشخصي.
كانت تعلم أن آسر لن يتحدث عما حدث له، وأنها بذلك نجحت في السيطرة عليه مرة أخرى.
فكان القلق ينهش قلبها بعد معرفة تحسن حالته، لذالك بدأت في خطتها الايقاع بيه في قبضتها مره أخري، لكي تضمن سكوته.
ترسم ابتسامه نصر على ثغرها، بعد العداوه التي فعلتها بين ورد الياسمين وزين. وأناه هو من يقف لهم الآن. أقنعته أنهم تخلوا عنه، وقد خانت وعدها له بعدم أخبارهم عن آسر، لكن هم رفضوه أخذه، غضب بشده وقرر عدم البحث ورائهم فلا يريد معرفة شئ بعد الان.
وقبل الرحيل، وقف آسر أمام الحاجة فاطمة.
نظرت إليه بعينين تملؤهما الحزن، وقالت بصوت يكاد ينكسر:
"هتوحشيني قوي يا ولدي."
كان صوته يخرج محملاً بكل ما تحمله من مشاعر الحب والألم والخوف من المجهول.
أجابته الحاجة فاطمة بصوت مفعم بالحزن:
"وانت كمان هتوحشني، أنا هاجي تاني، عمو زين وعدني، مش كده؟"
كان زين يقف بجانبهم، وهو يحاول رسم ابتسامة على وجهه المتعب، فقال:
"أيوه، كل لما أنزل إجازة هاجي أخدك معايا للبلد، وفسحك كمان، بس عاوزك توعدني إنك هتسمع الكلام وهتروح التمارين علشان تكون بطل."
تأمل آسر وجه زين بعينين تملؤهما البراءة والتساؤل، وقال:
"بطل زيك انت وبابا."
في تلك اللحظة، شعر زين بمرارة غريبة في حلقه، وكأن كلمات آسر قد أثارت جرحًا لم يندمل بعد.
لكنه أجاب بابتسامة متعبة: "أيوه يا حبيبي، بطل زي بابا."
اقترب آسر من جده عبد الحميد وقبله على خده، ثم قال:
"مع السلامة يا جدي."
كانت الكلمات تخرج منه بصعوبة، وكأن كل حرف منها يحمل في طياته وداعًا مؤلمًا.
رد عليه الجد بحنان بالغ:
"مع السلامة يا ولدي، خلي بالك على حالك."
كان في صوته رجاءً خفيًا بأن يعود آسر إليهم قريبًا، رغم علمه بأن ذلك قد لا يحدث.
وعندما همّ زين بالمغادرة، قبل يد أمه وجده، وقال لهما:
"مع السلامة يا أماي... مع السلامة يا جدي."
كانت تلك اللحظة مشحونة بالمشاعر، وكأنها الوداع الأخير قبل أن يدخلوا جميعًا في فصل جديد من حياتهم، فصل قد لا يحمل لهم سوى المزيد من الألم والفراق.
وانطلق زين وآسر في السيارة، متجهين نحو القاهرة، تاركين خلفهم ذكريات عامٍ كامل من الحب والألم، بينما كانت الجدة ترسم في ذهنها خططًا جديدة لضمان بقاء آسر تحت سيطرتها.
بعدما غادر زين وآسر القصر، كان الصمت يلف بينهما بينما كانا يركبان السيارة. أدار زين المحرك، ونظر إلى آسر برفق:
"في حاجة عاوزها قبل ما نمشي؟"
آسر، بصوت خافت وكأنه يحاول أن يخفي حزنه:
"لا... نِجي تاني؟"
زين، بابتسامة طمأنة:
"حاضر، هنيجي تاني."
أخذ زين طريقه نحو القاهرة، لكنه توقف أمام سوبر ماركت كبير. نزل من السيارة والتفت إلى آسر:
"هنزل أجيب حاجة تأكلها. هتفضل في العربية ولا تيجي معايا؟"
آسر، بنبرة طفولية ملؤها الحذر:
"أجي معاك."
فتح زين الباب لآسر، وأخذه معه إلى داخل المتجر.
كان آسر يشير إلى أشياء هنا وهناك، وكل ما أشار إليه، اشتراه زين دون تردد.
كان زين يشعر أن هذه اللحظات الصغيرة تعني الكثير لآسر، وأنه يحاول ملء الفراغ الذي يشعر به. بعد أن امتلأت السلة، قال زين:
"كده خلاص؟"
آسر، وهو ينظر إلى السلة الممتلئة:
"أيوه."
زين بحب:
"يلا علشان نحاسب."
عادا إلى السيارة مع الأكياس المليئة بالطعام والحلوى. بدأ زين يقود السيارة مرة أخرى، وكان يحاول التحدث إلى آسر بين الحين والآخر لتهدئته.
كلما اقتربا من القاهرة، كان زين يلاحظ التوتر يتسلل إلى آسر، وكأن الخوف بدأ يجتاح قلبه من جديد.
وأخيراً، وصلوا إلى وجهتهم. أوقف زين السيارة أمام منزل لم يألفه آسر من قبل.
كانت عيناه تبحثان في المكان بعينين تملؤهما الحيرة والارتباك. أين هو؟ هذا ليس بيت جدته، وليس بيتهم القديم. شعر زين بتردد الصغير، فتقدم نحوه ووضع ذراعه حول عنقه بحنان، محاولاً طمأنته، بصوت هادئ ومليء بالعطف:
"ده بيت جدتك الجديد. هي دلوقتي عايشة هنا."
تردد آسر للحظة، ثم نظر إلى زين وكأنما يطلب منه تأكيداً، طمأنه زين بابتسامة حنونة. شعر آسر بالراحة، ولو قليلاً، من كلمات زين، لكن داخله كان لا يزال قلقًا مما ينتظره داخل هذا البيت الجديد.
آسر كان يقف بجوار زين، متشبثًا بيده الصغيرة وكأنه يحاول بكل قوته أن يمنع هذا الفصل من حياته من الانفتاح أمامه.
نظر إلى زين بعينين تملؤهما الرغبة في الهروب، في البقاء بعيدًا عن كل ما يخيفه في هذا المكان.
كان يريد أن يصرخ، أن يطلب من زين أن يأخذه بعيدًا، لكن صوته خانه؛ ظل الصمت يخنق رغبته في الكلام.
صعد زين به إلى الطابق الرابع، حيث توجد شقة جدته. كل خطوة كانت تثقل قلب آسر بالخوف.
اختبأ خلف زين عندما بدأ الأخير يطرق الباب. لم تمر سوى لحظات قليلة حتى فتحت سمر الباب، وهي ترحب بزوارها بحماس.
سمر:
"أهلا يا زين بيه!"
زين بجدية:
"أهلا بيكي يا سمر."
ابتسمت سمر عندما رأت آسر، وحاولت أن تبدو دافئة ومشجعة.
"أسوره، حبيبي، وحشتني! تعال سلم على عمتك."
لكن آسر لم يرد، بل اختبأ خلف زين أكثر. شعر زين بارتجافة الصغير، فمال إليه وحدثه بنبرة حنونة:
"آسر، ارفع وشك، روح حبيبي سلم على عمتك، روح."
لكن آسر ظل متسمرا في مكانه، وكأن جسده قد جمده الخوف. أمسك زين بيده وحركه قليلا نحو سمر، لكنها سرعان ما قبضت على يده وسحبته إلى صدرها، ضمته بقوة. كان رد فعل آسر مخيفا؛ ارتعد بشدة، واندفع مرة أخرى للاختباء خلف زين، يمسح دموعه التي بدأت تتساقط بلا توقف.
سمر، بابتسامة مجبرة:
"تفضل يا زين بيه، مش هتفضل واقف على الباب."
دخل زين الشقة، ومعه آسر الذي لم يترك يده، يتمسك بها وكأنها آخر ملاذ له.
عايدة، بابتسامة واسعة وهي تحتضن آسر:
"أهلا بحبيب نانا، أهلا. حبيبي، وحشتني أوي! كده تغيب عني كل ده؟"
كان زين يشعر بالخوف الذي يعصف بقلب آسر، ولكن عندما رأى عايدة وهي تغمره بالحب والحنان، شعر ببعض الارتياح.
لكن تلك المشاعر المتضاربة كانت تمزقه؛ كيف يمكنه أن يطمئن وهو يرى الصغير متمسكا به بهذا الشكل، خائفا من أي اقتراب؟
بعد ساعة من الجلوس والمراقبة، رأى زين أن آسر بدأ يتحرك بحذر مع عايدة داخل الشقة، حتى قادته إلى غرفته المزينة بالألعاب والدمى. شعر زين ببعض الطمأنينة أخيرًا، لكنه قرر الرحيل عندما رأى أن الصغير قد ارتاح قليلا.
نادى زين على آسر ليودعه، لكن الصغير بكى بقوة واندفع نحوه، وكأنه يحاول الإمساك باللحظة الأخيرة من الأمان.
زين بحب ونبرة هادئة:
"أنا هاجي تاني وهكلمك كل يوم، أنا معاك."
استمر آسر في البكاء، يهز رأسه بنعم دون أن يستطيع التوقف عن الدموع.
عايدة، وهي تحاول تهدئة الصغير:
"مع السلامة يا ابني، واطمن، آسر في عيوني. دا ابن الغالي، وحشني أوي."
استمرت عايدة في تقبيل آسر، بينما زين يبتسم بارتباك على ما يفعله أمامه.
بعد خروج زين، شعرت عايدة بالراحة. نظرت إلى الصغير ببرود مفاجئ، وتغيرت ملامحها بشكل مخيف.
عايدة، بحدة:
"إنت هتفضل واقف عندك كتير؟ ادخل يلا علشان أقفل الباب."
آسر كان ينظر إليها برعب، وكأنما تأكد الآن من مخاوفه. كانت تلك المرأة التي تظهر أمامه الآن هي الحقيقة المخيفة التي كان يشعر بها طوال الوقت.
عايدة، وهي ترفع صوتها:
"يلا!"
هرول آسر نحو غرفته، وأغلق الباب خلفه بسرعة. ارتجف من الخوف، وانخرط في نوبة بكاء محموم، حتى غرق في نوم ثقيل، هاربًا من واقعه القاسي إلى عالم الأحلام.
في صباح اليوم التالي، كان المنزل يعج بالصراخ الذي يتردد في أرجائه، لينهي هدوء الليل الذي كان آسر يحتمي به.
استيقظ الصغير بفزع على صوت جدته عايدة، التي كانت تقف أمام فراشه، وجهها مشدود بالغضب، ونظراتها تشبه السكاكين التي تطعن قلبه الخائف.
آسر، بصوت متقطع ينبع من رعبه:
"إي، إي، يا نانا، في إيه؟"
عايدة، بنبرة حادة مليئة بالازدراء:
"إنت هتأتأ كمان؟ اتكلم عدل! ويلا قوم، مش هتفضل نايم طول اليوم!"
آسر، بصوت مهتز:
"حااااضر."
قام آسر بسرعة من فراشه، لا يعرف ما الخطأ الذي ارتكبه ليغضبها بهذا الشكل.
خرج متجهًا نحو المرحاض، يغتسل ويغير ملابسه، ثم بخطوات مترددة توجه نحو غرفة الطعام.
كانت عايدة تجلس على مقعدها أمام مائدة الطعام الكبيرة، وعلى جانبيها ابنتها وزوجها وأولادهما.
رآهم آسر من بعيد، وتوقف للحظة، مترددًا في الاقتراب. مشاعر الحزن والخوف كانت تتصارع داخله، فوقف للحظة يبكي بصمت. اقترب أخيرًا بحذر، كأنه يسير على جمر، وقال بخوف وهو يحاول أن يخفي دموعه:
"نانا..."
عايدة، دون أن تنظر إليه، وبنبرة باردة:
"خير؟"
نظر آسر إلى مائدة الطعام، حيث كانوا جميعًا مشغولين بأكلهم، أما هو، فقد أحس بالغربة، وكأنه ليس جزءًا من هذه العائلة.
تراجع خطوة إلى الوراء، ثم جلس بعيدًا عنهم، يشعر بالجوع الشديد لكن خوفه كان أكبر من أن يطلب شيئًا. كانت عيناه تملؤهما الدموع، بينما ينتظر بصمت.
عندما انتهت عايدة من طعامها، قامت من مكانها، واقتربت منه بنظرة خالية من أي مشاعر. كانت نظراتها قاسية، وكلماتها تحمل أكثر من أمر واحد؛ كان صوتها مزيجًا من النصر والسلطة، كأنها كانت تستمتع بتحطيم روحه البريئة.
عايدة، بأمر صارم:
"قوم كل، يلا خلص."
تقدم آسر ببطء نحو السفرة، منكسراً وخائفاً، وعيونه الحزينة لم تتوقف عن البكاء. جلس على الكرسي أمام الأطباق الفارغة، التي لم يتبق فيها سوى القليل من الطعام. حاول أن يأخذ لقمة من الطعام، لكن الحزن الذي يعتصر قلبه منع الحلق من بلعها. شعر بالغصة، فترك المائدة فجأة، واندفع نحو غرفته، حيث يستطيع أن يبكي بحرية دون أن يراه أحد. كان القهر والألم يعصفان به؛ لم يعرف معنى الألم الحقيقي إلا عندما فقد والديه، والآن يشعر وكأنه فقد جزءًا آخر من حياته.
تابعت عايدة المشهد بابتسامة نصر خفية؛ كانت سعيدة برؤيته محطمًا هكذا، وكأنها تحققت من قوتها عليه. تقدمت نحوه، ووقفت أمامه كما لو كانت تقف أمام فريسة هشة، وقالت بصوت مليء بالازدراء والفخر بما فعلت:
"إنت رايح فين؟"
آسر، وهو يمسح دموعه التي لم تتوقف:
"هروح الأوضة."
عايدة، بنفس النبرة القاسية: "شيل الأطباق دي وديها الحوض، يلا."
تحرك آسر بخطواته الصغيرة ليؤدي الأوامر التي أمرته بها عايدة. لم يخلُ اليوم من كثرة طلباتها وأوامرها القاسية، وكلماتها التي كانت تنغرس في قلبه كالسكاكين.
كان كلامها سامًا، يقتله ببطء، يحطم روحه شيئًا فشيئًا. يتكرر هذا المشهد يوميًا، مع اختلاف المهام التي تُجبره على القيام بها، بينما يزداد حزنه يوما بعد يوم.
في كل وجبة، سواء كان الغداء أو العشاء، كان يجلس متوترًا، محاولًا تجنب نظراتها الحادة وكلماتها الجارحة.
بعد وفاة والديه، لم يعرف طعم الراحة، ولم يبتسم منذ ذلك الحين. الحزن والوجع والخوف كانوا رفقاءه الدائمين، ولم يكن هناك هاتف ليتحدث مع زين، الرجل الذي كان يشعر معه بالأمان.
كان غياب زين الطويل بسبب عمله يزيد من خوفه وقلقه؛ أحيانًا يغيب زين لأسابيع أو شهور، وكانت هذه الفترة بالنسبة لآسر كابوسًا متواصلًا.
ومع مرور الأيام، ازداد خوفه. حتى عندما أتيح له التحدث مع زين عبر الهاتف، لم يستطع إخباره بشيء. كانت عايدة تراقب كل كلمة، واقفة فوق رأسه، تحدق فيه بعينين مليئتين بالتهديد.
كان آسر يشتاق إلى زين، إلى الحاجة فاطمة، وإلى الجد. كانوا يمثلون له عائلته الحقيقية، وكان ينتظر نزول زين في إجازة ليأخذه بعيدًا عن هذا السجن الذي يعيش فيه.
كان الخوف يسيطر عليه لدرجة أنه حتى عندما كان مع زين بمفرده، لم يكن يجرؤ على الحديث عن معاناته. تدهورت حالته أكثر من السابق، حيث أصبح يتلعثم في الكلام، وبدلاً من أن ترحمه عايدة، زادت قسوتها عليه، ووصلت إلى حد ضربه في بعض الأحيان. لم يستطع الصغير المقاومة، ولا حتى الصراخ؛ فقد خانه صوته، ولم يبقَ له سوى الدموع للتعبير عن ألمه، ورعشة جسده التي كانت تعكس حالة الرعب التي يعيشها.
مرّت الأيام، يومًا بعد الآخر، حتى انتهى الفصل الدراسي الأول، وبدأت إجازة نصف العام.
وعده زين بأنه سيأتي قريبًا ويأخذه للملاهي، لكن آسر طلب شيئًا آخر. عندما علم بقدوم زين، هرول نحو السيارة وصعد بجانبه. كان وجهه مليئًا بالتردد والحيرة، لكنه أخيرًا تحدث:
"لاء، أنا عاوز أروح شقتنا."
زين، متعجبًا:
"شقة إيه؟"
آسر بإرتباك :
"بيتنا، أنا وبابا وماما... أنت قلت إنه لسه موجود."
زين، محاولًا فهم طلبه:
"أيوه، بس انت عاوز تعمل هناك إيه؟"
آسر، بصوت مملوء بالحنين: "أجيب صور بابا وماما، وفي حاجات ماما كانت بتحبها. أنا عاوز أحس بماما."
جلس زين يفكر، وعقله لا يسعفه بما يجب أن يقوله. كان يرى في عيون آسر إصرارًا وحزنًا عميقًا، فتنهد بعمق قبل أن يرد بلطف:
"حاضر، يلا بينا."
آسر، مترددًا:
"ممكن طلب أخير؟"
زين، بابتسامة مشجعة:
"أكيد، طبعًا."
آسر، بصوت خائف:
"مش عاوز حد يعرف... عن حاجة ماما. دي حاجة تخصها، وكانت سر بينا، وأنا عاوز أحافظ على سرها. أنا كنت وعدتها بكدا يوم ما هي قالتلي على سرها. أرجوك."
زين، بعيون دافئة وابتسامة مطمئنة:
"إنت تطلب وأنا أنفذ، طلباتك أوامر يا باشا."
كانت ابتسامة زين تلك كافية لتخفف بعضًا من الألم في قلب آسر. شعر الصغير براحة لم يشعر بها منذ وقت طويل، وعيون زين البنية اللامعة زادت من جمال اللحظة. أخيرًا، نطق آسر بثقة أكبر:
"يلا بينا."
زين ظلّ محتفظًا بابتسامته وهو يقود السيارة، متجهًا نحو منزل صديقه العزيز. عندما وصلا، نزل زين وآسر من السيارة، ولم ينتظر آسر أن يفتح له زين الباب، فقد كان متشوقًا لرؤية السر الذي تخفيه والدته. لم يكن يدرك ما الذي ينتظره داخل المنزل، لكن كل شيء في داخله تبخر عندما رأى المكان. الذكريات هاجمت عقله وأخذت تشكّل أمام عينيه مشاهد أشبه بفيلم رعب.
حين صعدا السلم، كان آسر يرى أمامه الرجال الذين حملوا النعش في ذلك اليوم المروّع، كما رأى جدته وهي تحتضنه باكية. دموعه نزلت بغزارة، وارتجف جسده حتى لاحظ زين شروده وتوتره. نزل زين على ركبتيه ليكون في مستوى آسر وقال له بصوت مليء بالحنان والقلق:
"آسر، إنت كويس؟ من أول ما دخلنا العمارة وانت ساكت ودموعك نازلة، حبيبي ليه؟ تحب نرجع، وأنا أجبلك اللي إنت عاوزه؟ قوللي على المكان وأنا هجيبهم."
ردّ آسر بصوت متقطع:
"أنا كويس يا عمو زين."
ضمّه زين إلى حضنه ليهدئه، وبعدها توجّه إلى الباب ليفتحه. أما الصغير، فقد أغلق عينيه بقوة محاولًا الهروب من الذكرى السيئة التي احتلت ذهنه. كان يرى والدته وهي غارقة في دمائها.التي طغت على ذاكرته. تردد في خطواته، وكاد ينهار تحت وطأة هذه الذكريات،
أفاق من ذكرياته على صوت زين وهو يسأله عن الغرفة، فأشار له آسر إليها وتوجها سوياً. عندما دخل الغرفة، اتجه آسر مباشرة إلى الخزانة وأخرج منها صندوقًا متوسط الحجم.
حمله زين ووضعه على الفراش.
آسر فتح الصندوق وأخذ منه صورة.
كانت تلك اللحظة كالسكين التي قطعت أوتار قلبه، فبكى بحرقة ووجع عميقين. تقدم زين ليرى الصورة، فاكتشف أنها صورة لآسر مع والديه قبل وفاتهما، حين كان في الخامسة من عمره.
أخذ زين آسر في حضنه محاولًا تهدئته، وبدأ بحركات لطيفة على ظهره الصغير، بينما مسح دموعه بيده الأخرى. شعر آسر ببعض الهدوء وتحرك في حضن زين ليضع الصورة بجواره. بعد لحظة صمت، أخرج آسر كتابًا كبيرًا من الصندوق وقال بصوت يملؤه الحنين والحزن:
"دا سر ماما."
نظر زين إلى الكتاب بدهشة وقال:
"الكتاب دا؟"
آسر، متمسكًا بذكرى والدته:
"دا مش كتاب، دا فيه حياة ماما كلها. ماما هي اللي قالت كده."
ثم استجمع آسر شجاعته وبدأ يسترجع اللحظة التي حدثته فيها والدته عن "السر". بعيون تلمع بالدموع والذكريات، قال:
"كنت قاعد أنا وماما، وفجأة ماما قالت..."
تذكر آسر تلك اللحظة بوضوح شديد، وكأنها حدثت للتو. كان حينها صغيرًا، لم يتجاوز الخامسة من عمره، وكانت والدته إيمان تبدو حزينة بشكل لم يفهمه في ذلك الوقت. كانت تجلس بجواره على السرير، وعيناها تغمرهما الدموع رغم محاولتها إخفاءها.
إيمان:
"عاوزة أقولك على حاجة يا آسر."
آسر، بنبرة قلقة:
"إي يا ماما، انتي بتعيطي ليه؟"
ردّ آسر، وهو لا يفهم سبب بكائها:
"إيه يا ماما؟ إنتي بتعيطي ليه؟"
ابتسمت والدته بحزن وقالت:
"لا يا حبيبي، مش بعيط ولا حاجة. أنا بس كنت عاوزة منك وعد."
في تلك اللحظة، لم يفهم آسر معنى الوعد، فقال ببراءة:
"وعد إيه يا ماما؟ أنا مش فاهم حاجة."
شرحت له إيمان معنى الوعد، وطلبت منه أن يحفظ سرّها مهما كان. وبعد أن وافق آسر على وعدها،
آسر بفضول:
"وإيه هو السر اللي عايزة أوعدك عليه؟"
توجهت إيمان نحو الدولاب وأخرجت صندوقًا قديمًا، وفتحته بهدوء. أخرجت منه كتابًا كبيرًا مغلفًا بعناية، وقدمته لآسر.
إيمان، بصوت يحمل مشاعر مختلطة من الحنين والألم:
"هو دا السر... الكتاب دا فيه قصة حياتي كلها، من وأنا عندي 15 سنة لحد دلوقتي."
آسر، وقد امتلأت عيناه بالدهشة:
"يعني انتي بتكتبي كل حاجة بتحصل معاكي في كتاب؟"
إيمان، مبتسمة:
"أيوه، اسمها مذكرة، ودي بقا مذكراتي."
آسر، وقد ظهر الحماس في عينيه:
"أنا كمان هكتب مذكراتي، علشان لما أكبر أولادي يقروها زي ما أنا هقرأ مذكراتك."
ابتسمت إيمان ودمعة تراود عينيها، ثم قال آسر بطفولة وحماس:
"أنا عاوز أقراها!"
إيمان، ضاحكة برقة:
"إنت لسه صغير أوي يا أوزعه."
آسر، بنبرة غاضبة طفولية:
"أنا مش صغير، أنا عندي خمس سنين، أنا في KG2 يا ماما!"
كانت ضحكته بريئة ومليئة بالطفولة، وقد عبر عن غضبه بتعابير وجهه اللطيفة التي جعلت إيمان تضحك بصوت أعلى.
"خلاص، خلاص، ما تزعلش. وبعدين تعرف إنك بتفكرني بيها أوي؟ كل لما كنت أقول لها مش هتعرفي، كانت تقعد تعد لي هي بتعرف تتكلم كام لغة."
آسر، بفضول:
"إنتي على طول بتقول هي، وأنا مش عارف هي مين. أنا بحبها من كتر ما إنتي بتتكلمي عنها، بس نفسي أشوفها أوي يا ماما."
إيمان، وقد ازدادت ملامحها لطفًا:
"امسك يا سيدي المذكرة دي بقا، فيها كل حاجة، مش بس قصة حياتي، وكمان قصص حياتهم، وازاي إحنا اتعرفنا على بعض، وكل أيامنا الجميلة والصعبة، الحلوة والوحشة، كل حاجة أنا كتبتها هنا."
ثم أكملت كلامها بنبرة جادة:
"الوعد اللي عاوزاك توعدني بيه، إنك تحافظ عليه، وأوعى حد يعرف عنه حاجة غير شخص تكون واثق إنه بيحبك بجد."
آسر، بثقة بريئة:
"ما فيش حد بيحبني غيرك إنتي وبابا وعمو زين."
إيمان، وهي تمد يدها للصغير بابتسامة مليئة بالمحبة:
"توعدني يا آسر؟"
لم يتردد آسر لحظة، مد يده الصغيرة نحو يد والدته وعانقها بقوة، ثم قال بصدق وإصرار:
"أوعدك يا ماما."
كان ذلك الوعد محفورًا في قلب آسر، لم ينسه أبدًا، وكان يعلم في قرارة نفسه أنه سيفعل المستحيل ليحافظ على هذا السر كما وعد والدته.
استفاق آسر من ذكرياته العميقة، والتفت نحو زين الذي كان ينظر إليه بعينين مملوءتين بالفضول والمحبة.
آسر، بنبرة مترددة:
"أنا عارف إنك بتحبني، علشان كدا حكيتلك على سر ماما. أنا عاوز أخد الكتاب وحاجات ماما معايا، بس مش عاوز حد يشوفهم، أعمل إيه؟"
ابتسم زين وطمأنه:
"سيب الموضوع عليا، أنا هتصرف. بس هتقدر تخبيهم ولا أخدهم معايا؟"
هزّ آسر رأسه بالإيجاب:
"لا، هقدر. أنا عاوزهم معايا على طول."
سأل زين بابتسامة مشجعة:
"في حاجة تانية عاوزها من هنا غير الصندوق؟"
أجاب آسر وهو يهز رأسه:
"لا، دا بس كده خلاص."
قام زين بوضع الأشياء بعناية في الصندوق وأغلقه، ثم حمله وخرج مع آسر من الشقة.
سارا معًا نحو السيارة، واتجها نحو شقة الجدة. قبل أن يصعد زين إلى السيارة، اتصل بعيسى وطلب منه أن يحضر سمر وعايدة إلى مطعم قريب، موضحًا أنه يرغب في تناول العشاء معهم وقضاء بعض الوقت سوياً.
وافق عيسى وبلغ الجميع، وبدأوا جميعًا في التجهيز للخروج.
وقف زين بعيدًا عن المنزل، يراقبهم وهم يغادرون بسيارة عيسى دون أن يلاحظوا وجوده.
بعد رحيلهم، عاد زين مع آسر إلى الشقة، وبحكم عمله كان من السهل عليه فتح الباب. دخلا إلى الغرفة وأخفيا الصندوق في الدولاب بعناية، ثم أغلقا الشقة وغادرا.
كان زين يخطط لتحويل انتباه الجميع بعيدًا حتى يتمكن من تأمين مقتنيات آسر دون أن يلاحظ أحد.
وصلوا إلى المطعم وتناولوا العشاء، ولكن الجو كان مشحونًا بالصمت، مع بعض الكلمات القليلة المتبادلة. كانت عايدة تبدو قلقة، راغبة في إنهاء العشاء بسرعة خوفًا من أن يفصح آسر عن معاملتها السيئة له.
بعد الانتهاء من العشاء، استأذنوا للمغادرة. وقف زين وقال بابتسامة:
"تمام، موافق، بس بشرط تتكرر مرة تانية أكيد."
هز الجميع رؤوسهم بالموافقة، ثم قال عيسى بمرح:
"أكيد طبعًا يا قائد."
وبابتسامة هادئة، قال زين:
"تمام، يلا."
ثم قام زين باصطحاب آسر إلى السيارة، وبينما كان يفتح الباب، تذكر شيئًا وعاد ليتحدث إلى عيسى:
"آه، نسيت أقولكم، إن شاء الله الإجازة الجاية أنا هآخذ آسر معايا. هيكون تقريبًا في نهاية الترم الثاني، وهو ما عندوش امتحانات."
كانت هذه الكلمات تحمل وعدًا جديدًا لآسر، وتعبيرًا عن حرص زين على رعايته والاهتمام به، خصوصًا بعد كل ما مر به.
عايدة، بتوتر ملحوظ وصوت متردد:
"بس كدا، هتكون الدراسة لسه شغالة، هو هيغيب شهرين قبل ما السنة تخلص."
زين، بنبرة حازمة:
"ما هو في سنة أولى، يعني مش هيحصل حاجة. وبعدين أنا أخدت إجازة لمدة شهر، وحابب إنه يكون معايا. هو هيغيب شهر مع إجازة آخر السنة، يعني شهر مش اتنين. وحضرتك لما قلتي إنك عايزاه، أنا عملت كل حاجة عشان أجيبهولك، رغم إني شايف إنه مش مبسوط وحالته بترجع زي الأول. كويس إنه معايا بيتكلم شوية، السنة اللي قعدها عندي كان اتحسن كتير، المفروض إن حالته تكون للأحسن معاكوا مش كدا."
توقف زين للحظة منتظرًا رد فعلهم على كلماته الغاضبة، لكن لم يتلقَ أي رد، فاستمر:
"وعلى فكرة، في حاجات أنا جبتها لآسر، هي معايا في العربية، دي حاجات تخصه هو لوحده. أظن إن كلامي واضح، وأنا ساكت بمزاجي بس."
كانت نبرة زين واضحة وحاسمة، وهو يعرف تمامًا أن الرسالة وصلت إليهم:
"لو آسر بس يقول عن اللي مضايقه، تأكدوا إني مش هرحم اللي كان السبب، أيًا كان هو مين. أنا قلت اللي عندي، الإجازة الجاية هآخده، وإذا كان على المدرسة أنا هتصرف. هيقضي الإجازة عندي كلها... تمام."
ألقى زين كلماته بحزم، وأدرك الجميع مغزى كلامه. فقد وصل إلى علمهم أن آسر يتعرض لسوء معاملة، ولو اكتشف زين التفاصيل، فلن يتردد في التصرف.
عايدة كانت على وشك الاعتراض، لكن خوفها وتوترها سيطرا عليها، فالرعب ملأ قلبها وهي تدرك أن زين قد قال كلمته ولا مجال للمقاومة.
عايدة، بتردد:
"بس يعني هو..."
زين، مقاطعًا بحدة:
"أظن إن كلامي واضح. مش هيرجع من عندي غير على بداية السنة الجديدة اللي هتكون ثانية، مش كدا؟ وأنا وعدته بكدا."
سمر، محاولة تهدئة الأجواء:
"أيوه، ما هو في أولى في إجازة نص السنة."
زين، بحزم:
"تمام."
بهذا انتهى الحديث، وزين قد وضع الأمور في نصابها بوضوح. عايدة لم تجد مفرًا من القبول بما قاله، وهي تدرك أن زين لن يتهاون في حماية آسر والاعتناء به، خاصة بعد ما لاحظه من تدهور حالته.
بعدما تأكد زين أن آسر بأمان في السيارة، فتح له الباب بابتسامة مطمئنة ليخفف من القلق الذي كان يسيطر على ملامحه الصغيرة.
"آسر معايا في العربية، هوصله لحد البيت. اتفضلوا انتوا."
جلس زين بجانب آسر في السيارة، وكان واضحًا أن الصغير لم يتمكن من إخفاء قلقه.
آسر، بصوت ممتلئ بالأسئلة: "بتعمل إيه كل دا يا عمو زين؟ انت اتأخرت أوي."
زين، محاولًا طمأنته:
"كنت بقولهم إني هاخدك معايا الإجازة الجاية."
آسر، بدهشة وقلق:
"إزاي؟ والمدرسة هتكون لسه شغالة!"
زين، بابتسامة توحي بالثقة:
"ما تقلقش، أنا هتصرف. الإجازة هتكون كبيرة."
آسر، بعدما شعر بالراحة من كلام زين:
"فعلاً؟ يعني كده مش هروح غير شوية صغيرين، بس انت هتنزل إجازة إمتى؟"
زين بصوت هادئ مليئ بالحنان:
"يعني بعد شهرين كده."
آسر، وهو يبتسم بشوق:
"حلو أوي."
زين، مبتسمًا من فرحته بإسعاد آسر:
"مبسوط؟"
آسر، بإخلاص وحنين:
"أيوه، وحشوني أوي كلهم."
زين، بلهجة محبّة:
"وأنت كمان وحشتهم أوي. يلا يا بطل وصلنا."
حينها، نزل آسر من السيارة وبدأ في حمل الشنط والأشياء التي اشتراها له زين.
لكن زين لم يسمح له بالاستمرار، فتدخل بلطف وحزم في آنٍ واحد.
"استنى بس، أنا هوصلك."
لكن عايدة، التي كانت تراقب المشهد من بعيد، لم تتمكن من كبح تدخلها. فاقتربت بصوت هادئ لكن يحمل في طياته بعض الحدة:
"عندك يا ابني، خلي عيسى يشيلهم مكانك."
زين، بلهجة حاسمة وهادئة لا تقبل النقاش:
"لا، اتفضلوا انتوا. أنا هطلعهم فوق بنفسي. يلا يا آسر."
صعدوا جميعًا إلى الشقة، وزين حرص على أن يكون مع آسر في كل خطوة، يدخل بالأشياء ويضعها في مكانها. لم يكتفِ بذلك، بل ساعده في ترتيب كل شيء بدقة واهتمام، وكأنه يحاول أن يزيل عنه أي ثقل أو مشقة.
وبعدما انتهى من ترتيب كل شيء، استأذن زين وانصرف.
أما عايدة، فكانت تغلي من الداخل، رغبة عارمة في تفريغ غضبها على آسر بسبب ما سمعته من زين، لكنها كانت مرعوبة من تهديداته الصريحة والواضحة. لذا اختارت أن تبتعد وتذهب إلى غرفتها لتنام، وهي تسبه في سرها.
أما سمر وعيسى، فعادوا أيضًا إلى بيتهم القريب من بيت عايدة، بعد ليلة كانت مشحونة بالتوتر والقلق.
لكنهما كانا يعلمان جيدًا أن زين لن يقف مكتوف الأيدي إذا حدث أي مكروه لآسر، فهو بمثابة الحارس الأمين على مستقبل هذا الطفل الذي عاش تجربة قاسية أثرت في حياته وحياة كل من حوله.
. ❝ ⏤ياسمين خاطر
عندما وصل زين إلى منزل المقدم أحمد، كانت الهدوء يسود المكان، لكنه كان يشعر بثقل الحزن والكآبة في الأجواء.
دخل ببطء، وجلس مع عايدة التي كانت تنتظره بفارغ الصبر. تحدثا في موضوع آسر وورد الياسمين، وكانت كلماته تفيض بالمسؤولية والاهتمام.
أكد لها أن آسر سيكون بأمان معهم، وأنهم سيبقون في مصر، ما سيتيح لها رؤية حفيدها متى شاءت. كانت هذه الكلمات كبلسم على جراح قلبها المثقل بالحزن.
عايدة، بعد انتهاء الحديث، شعرت بأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهلها. ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، كانت تختزن في طياتها مزيجًا من الراحة والانتصار.
لقد انتهى أكبر كابوس كانت تخشاه، ولكن في داخلها كانت تتماوج أفكار أخرى، لم تكن على نفس البراءة التي بدت على ملامحها. فقد جاءت إليها فكرة شيطانية، فكرة يمكن أن تستغلها لصالحها في هذه اللحظة الحساسة.
جلست عايدة على الكرسي بهدوء، تراقب زين وهو يغادر. كانت تخطط بدقة في ذهنها، تفكر كيف يمكنها أن تستخدم هذه الفرصة لتحقق هدفًا أكبر. كانت تعلم أن أمامها فرصة لا يمكن أن تفوتها، فرصة قد تقلب الأمور لصالحها تمامًا. في تلك اللحظة، لم تكن ....... [المزيد]
الفصل4: في خضم أيام الإجازة، ومع مرور كل يوم، ظلَّ آسر متأرجحاً بين الحلم والواقع. كان يقترب من لحظة عودته إلى مدرسته بينما في داخله صراعٌ مرير، لم يكن قادرًا على التهرب منه.
أما عايدة، فقد كانت تتعمد، دون رحمة، أن تسلب من آسر كل شعور بالراحة والطمأنينة التي قد تكون لديه، ولسانها اللامتوقف كان كالسيف يقطع كل خيط أمل في قلبه.
كلما دخلت عايدة إلى غرفة آسر، كانت تجد الصغير غارقًا في شروده، وعينيه مسمرتين على صورة والدته. كان يعاني من الغياب، وهو لا يزال يتذكر آخر لحظات مع والدته التي رحلت عنه، ولا يزال يرتدي الحزن كعباءة ثقيلة.
دخلت عايدة الغرفة ذات يوم، وبنبرة حادة:
"إنت قاعد تعمل إيه؟ يلا نام، الإجازة خلصت، بكرة في مدرسة. ولا هو يعني علشان هتاخد بقيت السنة إجازة، هتلعب من أولها؟ يلا."
آسر، بصوت خافت:
"حاضر يا نانا."
عايدة، بتفويض صارم:
"يلا."
قام آسر إلى سريره، وهو يحاول يضع في ذهنه أن كل ما يفعله هو مجرد حالة من الانتظار للعودة إلى حياته الطبيعية، لكن كلما حاول أن ينام، كان وجه والدته يلاحقه في أحلامه، وتذكره برفق الصورة التي يحتفظ بها في حضنه.
مرت الأيام كالساعات، وتوالت الأسابيع. كان آسر يذهب إلى المدرسة ويعود إلى أجواء المنزل التي تطغى عليها قسوة عايدة وكلماتها السامة.
عادت عادته بعد المدرسة، حيث يذهب إلى غرفته، ويجلس ممسكًا بصور والدته ووالده، مُستمدًا من هذه الصور بعض السكينة قبل أن يخلد إلى النوم.
في أحد الأيام، بعد عودته من المدرسة، دخلت عايدة الغرفة مرة أخرى:
"إنت لسه قاعد هنا؟"
آسر، بهدوء مكتوم:
"لا يا نانا، أنا بعمل الواجب."
عايدة، بشدة:
"يلا، خلص وانام."
آسر بخوف:
"حاضر."
بعدما خرجت عايدة، قام آسر بإنهاء واجباته المدرسية بسرعة. كان الوقت يمر ببطء شديد، وبالتأكيد كانت عايدة على وشك الدخول مجددًا، فاستعجل في إنهاء ما عليه. بعد أن أتم الواجب، أخرج صور والديه من حقيبته، وأخذها في حضنه، مستعدًا للنوم، وهو يحاول إغلاق عينيه.
هذه الليلة، لم يكن عاطفياً كما في الليالي السابقة. كان لديه تصميم جديد؛ سمع من عايدة حديثاً عن خطة محاكة ضد أصدقاء والدته وعمه زين.
هذا ما جعله يقرر أن يتخذ خطوة جريئة.كان يعتقد أن قراءة مذكرات والدته، التي كانت تحتوي على كل أسرار حياتها، قد تكون مفتاحًا لفهم الحقيقية واسترجاع حقها.
قبل أن يبدأ في قراءة المذكرات، سمع صوت عايدة خارج الغرفة. سارع إلى سريره، وتظاهر بالنوم، وهو يشعر بقلبه يخفق بسرعة.
كانت عايدة واقفة عند الباب، وكان خائفًا أن تكتشف أنه لم يكن نائمًا بعد. ظل مغطى بغطاء السرير، وعينيه مغلقتين بشدة، حتى شعر بالنعاس يغلب عليه.
في قلبه كان يدعو الله أن يكشف له الحقيقة، وأن يعيده إلى نقطة توازن، حتى يتمكن من استرداد حقوق والدته، والانتقام من أولئك الذين ظلموها.
في صباح اليوم التالي، تسللت خيوط الشمس إلى الغرفة عبر النوافذ، بينما كان آسر غارقًا في سبات عميق. لكن فجأة، صرخ من وقع الماء البارد الذي صبته عايدة عليه، وهو يصرخ:
"آه، آه، آه، في إيه؟"
عايدة، بعصبية:
"كل دا نوم؟ قوم، المدرسة. لو كنت بتنام بدري، كنت صحيت بدري. وبعدين، تعال هنا، كنت بتقول إيه وإنت نايم؟"
آسر، وهو لا يزال في حالة من الارتباك، حاول استيعاب ما يحدث:
"نانا، أنا..."
عايدة بغضب وحده:
"إنت مش سامعني؟ بلاش تأتأ، اتكلم!"
آسر، غير قادر على فهم الموقف بالكامل، حاول أن يوضح:
"أنا مش عارف في إيه، أنا كنت نايم والله يا نانا، ما عملتش حاجة."
عايدة، بتجاهل تام لمشاعره، أضافت ببرود:
"يلا، اغور، وعمل حسابك، ما فيش فطار."
آسر، وهو يمسح دموعه التي اختلطت مع الماء الذي غسلت به وجهه، تمتم لنفسه:
"هو أنا يعني كنت بفطر؟ أنا باكل بقايا الأكل. ربنا يسامحك يا نانا."
بكى بشدة، وكانت دموعه تتساقط وتختلط بالماء الذي كان يغسل به وجهه، وكأن حزنه يفيض مع كل قطرة. ثم ذهب ليجهز نفسه للمدرسة، بينما استمر يومه كالعادة، دون تغيير يذكر، متجاوزًا كل محنة جديدة بمشاعر مدفونة عميقًا.
وفي مساء، دخل آسر غرفة بعد أن انهى طعامه.
كانت خطواته ثقيلة، لكنه حاول ألا يظهر حزنه. بمجرد دخوله غرفته، أسرع نحو الدولاب، وسحب منه دفتر مذكرات والدته.
جلس على سريره، قلبه يخفق بتسارع، وبدأ يقرأ أولى صفحاتها.
كانت الكلمات مكتوبة بعناية، تحمل بين السطور ذكريات وأحلام وحنين.
شعر وكأنه يغوص في عالم آخر، حيث تلتقي الذكريات القديمة بالواقع الحاضر، ليجد في تلك الكلمات عزاءً لروحه المتعبة.
كان آسر جالسًا على سريره، والقمر يرسل خيوطه الفضية عبر النافذة، لكنها لم تكن كافية لتبدد الظلام الذي أحاط بقلبه وهو يمسك بدفتر مذكرات والدته.
فتحه بيدين مرتجفتين، وكانت الصفحة الأولى تحمل صورة قديمة، تجمع والدته وجدته وجده عندما كانت صغيرة.
تلك الصورة كانت مألوفة له، فقد رأها من قبل حين كانت والدته تُظهرها له، ولكن ما أحزنه أكثر أنه لم يرَ أصحابها في الحقيقة، حتى ولو في صور أخرى.
بدأ يقرأ ببطء، وكأن كل كلمة كانت تثقل قلبه أكثر:
"عارف إنك دلوقتي بتقرأ مذاكراتي، ماتزعلش مني لو كنت قصرت في حقك. إنتا عارف إنك أغلى شخص في حياتي إنتا وأحمد، وأنا قررت إني أكتبلكم حياتي وكل حاجة عني. مش عارفة مين فينا هيموت بس قررت إني أكتبها؛ أحمد على طول مسافر علشان شغله، وإنتا دلوقتي تميت السنتين. وأنا بكون لوحدي، وهما وحشوني أوي ونفسي يرجعوا. حبيت أكتبلك حياتهم معايا. وازاي عرفتهم، هتحبهم أوي. عارف إنك عمرك ما شفتهم، بس أحمد عرفهم كويس. عارف يا أحمد إنك هتزعل مني، بس أرجوك سامحني، عاوزه ابني يعرفهم حتى لو من خلال مذكراتي. فأرجوك لو أنا فارقت الحياة الأول، إنك تسمح لآسر يقرأها على الأقل علشاني أنا. دي أمنيتي الوحيدة بعد موتي أرجوك نفذها."
بينما كان يقرأ، شعر آسر بدموعه تنهمر بصمت، كان يعرف أن هذه الكلمات كتبت بحب وألم، وكان يعلم أن والدته كتبتها وهي تفكر في المستقبل الذي لم تكن متأكدة من أنها ستكون جزءًا منه. قلب الصفحة ببطء، وكأنه يخشى ما سيقرأ بعد ذلك:
"حبيبي ماتزعلش أنا موجودة على طول جنبك في كل مكان إنتا فيه أنا معاك وهفضل معاك على طول. خالي بالك من الكتاب دا فيه أحلى حاجة في حياتي."
ضمت يديه الكتاب إلى صدره بشدة، وكأنه يحاول أن يحتفظ بجزء من والدته الحبيبة. بكى وهو يقبل الكتاب، متمنيًا لو كانت هنا لتحتضنه. بعد لحظات من الهدوء، مسح دموعه وأعاد فتح الكتاب ليكمل القراءة:
"عارف يا آسر. أنا كمان زيك حبيبي، وحيدة أبويا وأمي، ملهمش غيري. ولا أنا ليّا غيرهم، حياتنا كانت عادية جدًا. أمي كانت ربة منزل بتشتغل من البيت بتعمل أكل وحلويات وتقعد قدام البيت بتبيعهم؛ وأبوي كان أرزقي على الله كل يوم شغلانة شكل، ويوم يلاقي ويوم لاء، وحياتنا كانت ماشية والحمد لله. أنا كان نفسي أكمل تعليمي، وبابا كان فرحان بيّا أوي لما قولته نفسي أكون دكتورة؛ كان بيشجعني على طول هو وماما. لكن جدتي وأعمامي لاء، مش بيحبوني ولا بيحبوا أمي، زي جدتك كدا مش بتحبني. كانوا بيتدخلوا في كل حاجة، ودايما بيقولوا إيه لازمة التعليم خليها في البيت وجوزها لابن عمها. لكن بابا كان أول مرة يرفض ليهم طلب، وأصر إني أكمل ورفض إني أتزوج ابن عمي. كنت فرحانة أوي من قراره دا. أنا كمان مش بحبهم ومش عاوزة أكون وسطهم؛ نفسي نبعد عنهم، لكن للأسف بابا اللي بعد عنّا للأبد."
شعر آسر بألم في قلبه وهو يقرأ عن والدته، وعن أحلامها التي كانت بسيطة ولكنها ذات معنى عميق. كانت تتحدث عن رغبتها في الهروب من واقع ضيق، عن شغفها بالتعلم، وعن دعم والدها لها. لكنه شعر بثقل الفراق الذي أحاط بتلك الكلمات.
ثم وصل إلى الجزء الذي أخبرته فيه عن ذلك اليوم المشؤوم:
"كان معايا الصبح وهو بيوصّلني للمدرسة؛ كان عندي امتحان جبر وإنجليزي. كنت في سنة ثالثة إعدادي ودا امتحان آخر السنة، بعد لما وصلني قالي؛. هروح أشوف الشغلانة اللي عمي فهمي جابهاله؛ كانت في منطقة بعيدة عنّا بأكتر من ساعتين؛ هاشتغل معاه عامل تحميل طوب و أسمنت، راح معاه وللأسف ما رجعش.خلصت إمتحان و روحت على البيت. فضلت مستنيه. لكن هو إتأخر أوي، خرجت أنا وماما نسأل مرات عم فهمي عليه.قالت انها متعرفش حاجه عن زوجها من وقت لما خرج الصبح وقال هيعدي على بابا عند المدرسة.
رجعنا البيت ومش عارفين نتصرف إزاي. الوقت تأخر والعشاء هتأذن وبابا لسه مارجعش."
هنا، لم يستطع آسر منع دموعه من السقوط بغزارة، شعر بالحزن العميق على جدّه الذي لم يكن يعرفه، وعلى والدته التي فقدت سندها في الحياة في عمر صغير.
كانت هذه اللحظات التي كتب فيها تلك المذكرات مليئة بالأسى والحزن، ولكنهما كانا مفعمين أيضًا بالحب والأمل الذي كانت تسعى لنقله إلى ابنها الصغير، الذي كان يقرأ الآن بين السطور ذكريات وحنين شخصيات لم يعرفها إلا من خلال تلك الكلمات المكتوبة بحبر الألم.
"" "" جلست صفية على عتبة بابها، وألمها يكاد يفترس قلبها. كانت تبكي بحرقة، ترفع يديها إلى السماء وتدعوا الله بحرقة أن يعيد لها زوجها سالمًا. في تلك اللحظات، شعرت وكأن الحياة كلها توقفت، وكل ما تبقى لها هو الدعاء والتوسل. شعور العجز سيطر عليها، وكانت دموعها تحمل معها كل آلامها ومخاوفها.
إيمان كانت تتحرك بقلق أمام المنزل، تتنقل من جانب إلى آخر، تضرب يدها في بعضها بحركة عصبية. كانت في صراع داخلي بين خوفها على والدها وغضبها من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه. لم تستطع تحمل الانتظار أكثر، فاقتربت من والدتها، التي كانت تجلس على العتبة وتبدو ضائعة في حزنها، وسألتها بصوت مليء بالقلق:
"هنعمل إيه يا ماما؟"
صفية نظرت إلى ابنتها بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت متحشرج:
"والله ما عارفة يا بنتي... ربنا يردك ليا يا أبو إيمان، يا رب."
إيمان، التي لم تكن تطيق الوقوف دون فعل شيء، ردت بإصرار:
"احنا هنفضل قاعدين كدا؟ يلا نروح عند مرات عم فهمي نسألها، ممكن تكون كلمت زوجها ولا حاجة. ما احنا لو كان عندنا تلفون كنا عرفنا أخباره."
تحتضن صفية نفسها بذراعيها بينما تسيل الدموع على وجنتيها. كانت عيناها تنظران إلى السماء بتوسل، والشفتان تتحركان بالدعاء بصوت خافت، "وهنكلمه على اي يا عين أمك، هو أبوكي يفهم فيه. ولا يعرف يمسكه."
إيمان، التي لم تستطع الجلوس طويلاً، بدأت تتحرك ذهابًا وإيابًا أمام المنزل. كان القلق يغمر وجهها، وكانت تضرب يديها ببعضهما في محاولة لتهدئة نفسها. فجأة، قررت دون تفكير أن الوقت ليس مناسبًا للانتظار. نهضت بحدة، تمسك بيد أمها بقوة وكأنها تستمد منها الشجاعة:
"طب يلا نروح. يلا يا ماما."
لكن عندما بدأتا بالتحرك، توقفت إيمان فجأة عند سماع صوت خلفها.
صوت ذو نبرة ساخرة مليئة بالاحتقار، جعلها تشعر بالدماء تغلي في عروقها. التفتت ببطء، وعيناها تمتلئان بالغضب المكبوت، لتواجه ابن عمها، الذي كان يقف متكئًا على الحائط، يلاعب ذقنه البارزة قليلًا ويرفع حاجبه بتحدٍ:
"علي فين يا مرات عمي انتي والسنيوره، اي هو علشان راجل البيت لسه بره. الحريم هتلف على حل شعرها والا اي؟"
نطق الكلمات من فمه كسهام مسمومة، تتساقط على إيمان لتزيد من اشتعال غضبها. قلبها كان ينبض بقوة، لكن صوتها جاء حادًا وصارمًا:
"ابعد عن طريقي، وما لكش دعوه بينا."
ابن العم، بابتسامة مائلة تضمنت مزيجًا من السخرية والتهديد، اقترب خطوة للأمام، وكأن تقدمه يهدف إلى فرض سيطرته بالقوة.
"نعم يا حلوى، اعمل اي، شيفه تربيتك يا مرات عمي. ولا عال، وكمان بتبجحي، يلا ادخلى جوه، ومافيش خروج بره البيت لحد لما عمي يرجع. يلا يا مرات عمي، ومش هفضل هتكلم كتير أنا."
كان صوته يغلفه التهديد والابتزاز العاطفي.
صفية، التي شعرت بالعجز والخوف يلتفان حول قلبها، تمتمت بصوت متردد:
"عمك هيرجع منين بس، دا عمره ما تأخركدا، استر يارب."
لكن ابن العم لم يكن مستعدًا لتخفيف حدة كلامه، بل زاد في تهكمه قائلاً:
"هيستر ان شاءالله، يلا ادخلوا انتوا بس، وبعدين هتلاقيه بشتغل شغلانه كمان ولا حاجة، مش السنيوره عوزه تكون دكتوره، وراح وجايه من المدرسة، تهز طولها وتفرج الناس عليها."
لم تتحمل إيمان أكثر من ذلك. شعرت بالغضب يشتعل في صدرها وكأنه نار تحرقها من الداخل.
وقفت أمامه بكل قوتها، تنظر إليه بجرأة لم تعهدها في نفسها من قبل:
"انتا عاوز اي، ابعد عن طريقنا، وبعدين من امتا وبابا كان يهمك، انتا ولا علتك، ابعد خليني ادور عليه."
نظر إليها ابن العم بدهشة ممزوجة بالغضب، وكأنها تجرأت على تخطي حدودها، "اي دا! القطه بقت بتخربش، بس ورحمت أمي لأخليكي تخافي من خيالك، بس الصبر بكره تيجي تحت لرجلي."
شعرت صفية وكأن التهديد موجّه لها ولابنتها في الوقت ذاته.
نهضت بسرعة، وملامحها تحولت إلى قوة لم تتوقعها، "رجلك دي انا هكسرهالك يا ابن نفسيه؛ يلا امشي من هنا، ومالكش دعوه ببنتي."
لم يكن في ابن العم سوى الابتسامة الساخرة وهو يتراجع ببطء، يهمس بكلمات مليئة بالاحتقار:
"أنا ماشي، ان شاءالله تولعوا."
إيمان، التي شعرت بالغضب يفيض من قلبها، صرخت خلفه بكلماتها الأخيرة قبل أن يبتعد: "غور ربنا يأخدك."
ثم التفتت إلى أمها، محاولًا تهدئتها وسحبها بعيدًا عن المشهد الذي تراه أمامها:
"يلا يا ماما."
صفية كانت تمشي بخطى ثقيلة، وكأن ثقل العالم يجثم على كتفيها. كانت الدموع تموج في عينيها، لكنها كانت تحاول أن تبقيها حبيسة، مستعينة بإيمانها الهش الذي تماسكته بصعوبة. نظرت إلى ابنتها التي كانت تمشي بجانبها، تقاوم انهيارها، تحاول أن تكون قوية لأجلها.
"ماشي يا بنتي... يلا."
قالتها بصوت شبه مكسور، ولكنه يحمل في طياته قوة لا تنفك تستجمعها من حبها لأبنتها.
لكن فجأة، تعالت صرخات مدوية في الهواء، أوقفت خطواتهما، وجعلتهما تلتفتان بسرعة نحو مصدر الصوت. كانت الصرخات تعبر عن خوف وألم شديد، وكأنها تنذر بحدوث شيء سيء.
تبادلتا النظرات، وقلوبهما مليئة بالخوف والقلق، وكأن هذا الصوت هو إنذار لشيء خطير سيحدث.
عيون صفية اتسعت بصدمة، وقلبها خفق بقوة كأنه يريد الخروج من صدرها.
"إي الصريخ دا... جاي من بيت جدتك؟"
سألت بارتباك، لكن بداخلها كانت تعرف الجواب دون أن تحتاج إلى تأكيد.
إيمان، التي كانت دائماً تندفع نحو الحلول السريعة، لم تستطع السيطرة على غضبها المكبوت. صرخت بغضب مكبوت:
"يلا يا ماما، ان شاء الله يموتوا كلهم، يلا."
كانت كلماتها حادة مثل السكاكين، تعكس الألم والغضب الذي لم تجد له متنفساً آخر.
لكن صفية، برغم كل شيء، لم تستطع تجاهل إحساسها الأمومي، الذي جعلها تهمس بحذر:
"استني يا بنتي بس... يلا نشوف في إيه."
كان عقلها مشوشًا، لكنها لم تستطع تجاهل الشعور بالمسؤولية.
اقتربتا من المنزل الذي يبتعد قليلاً عنهما، وعندما وصلتاه، كان مشهد الجدة سعدية وهي تصيح وتضرب وجهها بمثابة الصاعقة التي حطمت ما تبقى من تماسك. كانت الجدة تصرخ وتنادي على ابنها، وكأنها تحاول استدعاءه من الموت. وعندما سمعت إيمان اسم أبيها، هرولت نحو الجدة، تمسكها بقوة وتصرخ بوجهها، محاولًة أن توقف هذا الجنون:
"بابا ماله؟ ردي عليا، بتصرخي ليه؟"
الجدة سعدية، بعينين غائرتين من الحزن واليأس، كانت تبدو كأنها تعيش كابوسًا لا نهاية له، صرخت بألم يغمر كل كلمة: "ابني مات، يالهوي، يا حبيبي،اه،ياني اه، ابني."
كلماتها كانت تخرج من قلبها المنكسر، محملة بعبء الألم الذي لا يُطاق.
إيمان شعرت بأن الحياة تنسحب منها، وكأن الأرض قد تفتحت تحت قدميها لتهوي بها إلى أعماق الجحيم.
انقضت الجدة عليها بقوة، وكأنها تحملها مسؤولية هذا الفقدان الرهيب، صرخت في وجهها بغضب محموم:
"ابعدي عني. انتي السبب انتي وأمك، هو راح بشتغل علشان مين؟ ومش انتي والله هموتك."
كان كل حرف يخرج من فمها وكأنه سكين يغرز في قلب حفيدتها.
الجدة سعدية، التي لم تعد تملك سوى الألم والغضب، لم تتمالك نفسها وأمسكت بشعر إيمان، تضربها بقوة على وجهها، وكأنها تحاول أن تنقل لها جزءًا من الألم الذي يعصف بها.
"آه آه، الحقيني يا ماما!" صرخت إيمان وهي تشعر بأن الألم ليس جسديًا فقط، بل هو ألم عاطفي يعصف بكل ذرة من كيانها.
صفية، التي لم تستطع تحمل رؤية ابنتها تُضرب، هرعت لتفصل بينهما، صارخة بألم وغضب:
"ابعدي عن بنتي، ابعدي. إيه ربنا على الظالم والمفتري، بدل ما تقفوا جمبها، وانتوا بتقولوا أبوها مات. ربنا يسامحكم. عمر ما جاه من وراكم خير أبدًا، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم." كانت كلماتها مليئة بالمرارة واليأس، وكأنها تلقي بلعنتها على هذا القدر الظالم.
الجدة سعدية لم تعد تحتمل، كانت عيناها تحترقان بالغضب والشعور بالظلم، صرخت بقوة: "اخرجوا انتي وبنتك من بيتي؛ موتوا ابني."
كان غضبها يفيض من قلبها، ولم تعد قادرة على التفكير بعقلانية.
العم رأفت، الذي حاول التدخل للحفاظ على الهدوء، قال بصوت منخفض لكنه كان يحمل ترددًا واضحًا:
"بس يا أما... الناس بتتفرج علينا."
لكن الجدة سعدية لم تهتم، دفعت ابنها بعيدًا وكأنها لا تريد سماع صوته:
"ابعد عني، والله ما هخليكي تشوفي يوم حلو، يا بنت صفية."
كانت كلماتها تحمل تهديدًا واضحًا، وكأنها عازمة على الانتقام بأي ثمن.
إيمان، التي لم تعد تستطيع التحكم في غضبها، صرخت بجرأة:
"أنا بنت محمد. وأبويا موجود، ومش من حق حد يحرمني من اسمه، حتى لو انتي."
كان صوتها مليئًا بالقوة، لكنها كانت تخفي خلف هذه القوة ألمًا عميقًا.
الجدة سعدية، وكأن كلمات إيمان أشعلت فيها نارًا لم تعد تستطيع إخمادها، صرخت وهي تلوح بيدها في الهواء:
"ورحمة ابني اللي لسه ما اندفن، لأكسر شوكتك، وخليكي تتمني الموت."
كان تهديدها قاتمًا، يعبر عن حقد دفين لا يمكن محوه.
ابتعدت صفية وابنتها عنهم، وكانتا تقفان أمام منزلهما، منتظرتين بقلوب منكسرة، تنتظران زوجها الذي علمتا بموته منذ قليل، ولا تعرفان ماذا تفعلان أو كيف تتحققان من هذا الخبر.
بعد فترة قصيرة جدًا، رأت صفية سيارة الشرطة تقف أمام المنزل. كانت تسأل عنها، فاقتربت بخطى مترددة، وحاولت أن تبقي صوتها ثابتًا: "خير يا بيه."
الضابط، بنبرة رسمية مليئة بالجدية، قال:
"انتي مرات محمد عبود؟" كانت عينه تبحث عن أي علامة تدل على أنها قادرة على تحمل ما سيخبرها به.
ردت صفيةوهي تكاد تلتقط أنفاسها:
"أيوه يا بيه، ودي بنتي."
الضابط، بحذر واضح، قال: "تعالي معانا على المستشفى، علشان تستلمي الجثة."
كان يحاول أن يخفف من وقع كلماته، لكن الحقيقة كانت قاسية جدًا.
خرجت صرخة قوية من فم إيمان، وكأنها طلقة نارية تخترق السكون.
وضعت صفية يدها بسرعة على فم ابنتها، محاولة تهدئتها، "حرام أوعي تعملي كده... سمعه. ادعي ربنا هو دلوقتي بين إيديه."
كانت تحاول أن تبقى قوية، لكن صوتها كان مليئًا بالوجع الذي تحاول قمعه.
ثم نظرت للضابط مرة أخرى، تجمع ما تبقى من شجاعتها لتنطق بثبات ظاهري فقط: "جوزي مات إزاي يا بيه؟"
كان قلبها ينبض بقوة، وكأنها تعرف أنها لن تحتمل سماع الجواب.
الضابط، بنبرة محايدة لكنها مليئة بالتفهم، قال:
"وقع عليه جدار من الدور الثالث، القضية مفتوحة ما تخافيش. حق جوزك هيرجع. يلا اتفضلي معانا."
كان يحاول أن يخفف من حدة الألم الذي يعرف أنه لا يمكن التخفيف منه.
ركبت صفية وابنتها السيارة مع الشرطة، توجهتا للمستشفى. عند وصولهما، لاحظت صفية أهل زوجها الذين سبقوها إلى هناك، كانوا في انتظارها، يعلمون أنها من ستستلم الجثمان.
استلمت صفية الجثة بصمت مطبق، وكأنها تحمل في يديها ثقل العالم.
تم الصلاة على الجنازة في صلاة الفجر، ثم الدفن. كانت تشعر وكأنها تعيش في كابوس لا ينتهي، كل لحظة كانت تثقل عليها كأنها ألف عام.
في الأيام الثلاثة التالية، كانت صفية تجلس مع ابنتها في البيت الصغير الذي يعيشون فيه، وكانت نساء القرية يأتين لتقديم واجب العزاء. كان الحزن يلف المكان كغيمة سوداء، لكن صفية كانت تحاول التماسك من أجل ابنتها.
لكن إيمان التى كانت منهارة، لم تخرج من غرفتها، وظلت مدة ثلاث أيام.
تدخل صفيه غرفة ابنتها، وبنبرة حزينه على حال ابنتها، وما حل بهم تقول:
"قومي يا ضنايا "
ترفع إيمان رأسها وتنطق بحزن:
"اعمل اي يا ماما، خلاص بابا راح. هنعمل اي من بعده"
في اللحظة التي نطقت فيها إيمان بتلك الكلمات، كان صوتها يحمل وزنًا ثقيلاً من الحزن والعجز، كما لو كانت تسحب نفسها من بئر عميقة لا نهاية له.
جلست صفية بجوار ابنتها على الفراش، تشعر بألم قلب ابنتها الذي ينعكس في عيونها الدامعة. كل كلمة تنطق بها صفية كانت مملوءة بمحاولة بائسة لاحتضان ابنتها داخل دفء الأمل، لكنها كانت تعلم أن قلب إيمان مثقل بفقدان والدها.
صفية بحنان الأم وألمها:
"ربك موجود يا بنتي... يلا قومي."
كانت كلماتها ناعمة، تحمل في طياتها مزيجًا من القوة والعجز في آن واحد.
كانت يدها التي أزاحت شعر إيمان عن وجهها مليئة بالحنان الذي لم يفارقها أبدًا، حتى في أصعب اللحظات.
لكن إيمان، تلك الفتاة التي أضحت تحمل همومًا أكبر من عمرها، دفعت يد أمها عنها برفق وهي تقول بصوت متهدج بين شهقاتها المتقطعة:
"سبيني والنبي يا ماما... مش عاوزه أكل ولا أشرب... عاوزه بابا بس."
كل كلمة كانت كالسكين تغرز في قلب الأم، التي كانت ترى في عيون ابنتها صدى آلامها.
صفية بمحاولة للتشجيع: "أبوكي عند اللي أحسن مني ومنك... وأحن عليه من الدنيا اللي قاسية علينا دي."
حاولت صفية أن تجد في تلك الكلمات قوة لترفع من معنويات ابنتها، لكن ابتسامتها الهادئة لم تكن كافية لمحو الألم من قلب إيمان.
صفية بلمحة من الأمل:
"يلا قومي يا دكتورة... لسه عندك امتحان بكره... ولا مش عاوزه تحققي حلم أبوكي... وتشمتي فينا اعمامك."
كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي حاولت صفية أن تشعل بها روح العزم في قلب ابنتها.
لكن إيمان لم تستطع إلا أن تهز رأسها ببطء، وقالت بصوت مبحوح:
"ما ليش نفس أمسك كتاب."
صفية بتحدٍ مستميت:
"لا، قومي... صلي وادعي ربنا كدا... كل لما تمسكيه تفتكري دا حلمه... لازم تحقيقيه واوعي تتنازلي عنه."
كان صوت صفية مليئًا بالإصرار، وكأنها تحاول بث روح المقاومة في قلب ابنتها.
لكن إيمان، ما زالت تتساءل بقلق:
"وهنعمل ايه في المصاريف؟"
صفية بإيمان عميق:
"ربك هيدبرها... وهو القضية بيقولوا فيها تعويض... قرشين يا بنتي... ربنا على الظالم."
شعرت إيمان ببعض الراحة، لكن فكرة أن تأخذ تعويضًا عن والدها لم تكن شيئًا يمكنها أن تقبله بسهولة.
"هنأخد تعويض عن أبوي؟" سألتها وهي تحاول كبح دموعها.
صفية بحكمة وألم:
"والله لو عليا، ما قبلته ولا اتنازل... بس اعمل ايه؟ جدتك الله يسامحها اتنازلت هي واعمامك عن القضية وقبلوه... والرجال قالوا أنا اللي هستلمه... واهو قرشين أمنك بيهم وعلمك... 50 ألف جنيه... هيساعدوا نعمل مشروع صغير يصرف علينا والباقي أعلمك بيهم."
كانت كلماتها مليئة بالحسرة على قرار لم يكن بيدها تغييره.
إيمان بشعور مختلط بين العجز والغضب:
"وهما هيسكتوا؟"
سألتها بتردد، تشعر بمرارة الظلم.
صفية بتحدٍ وعزم:
"والله، على ما فخليهم يركبوه... لو انتي هتتنازلي عن حلم أبوكي، أنا مش هتنازل عن حقه... وأخدهم واطلع بيهم عمرة... أنا وانتي... وكدا يبقى انتي اللي حكمتي على نفسك تتجوزي وخلاص."
إيمان بإصرار مفاجئ:
"أنا مش هتنازل."
نطقت بهذه الكلمات وهي تمسح دموعها بقوة، تشعر بأن العزيمة بدأت تتسلل إلى قلبها.
صفية بتأكيد وثبات:
"يبقى تقومي، وإوعي حد يحاول يكسرك... يلا، إحنا صحيح ضهرنا مات، بس ربك موجود."
كانت هذه الكلمات بمثابة النور الذي بدأ يضيء طريق إيمان المظلم.
قامت إيمان بعد تلك الكلمات المشجعة، توضأت وصلت، وهي تدعو الله بدموعها أن يرحم أباها ويساعدها في تحقيق حلمه.
كانت مشاعرها متناقضة بين الحزن والأمل، بين الفقدان والعزم.
جلست بجوار أمها، تمسك بكتابها، وتحاول أن تذاكر، لكن دموعها كانت تغرق الصفحات. كل حرف كانت تدرسه كان يحمل في طياته ذكرى لوالدها، وكان هذا الألم دافعًا لها للمضي قدمًا.
صفية بحنان الأم ودعواتها، مسحت دموع ابنتها، وضعت يدها على رأسها، وظلت تدعو الله بأن يمدها بالقوة والصبر. حتى عندما غفت إيمان على قدمها، كانت صفية تشعر بأنها بحاجة لمزيد من الصبر والإيمان لتحمل هذه الأيام الصعبة.
كانت لحظة من السكون تعم الغرفة، لكن قلوبهم كانت تعج بالألم والعزم على التمسك بالحياة، رغم كل ما فقدوه.
في صباح اليوم التالي، استيقظت إيمان على صوت أمها، صفية، وهي تناديها بلهجة قلقة ومتشبثة. كان يبرز من صوتها قلق الأم وحبها العميق، وهي تخشى أن تتأخر ابنتها على امتحانها الهام. لم يكن هناك وقت للكسل، وها هي إيمان تنهض مسرعة، تتوضأ، وتستعد بسرعة.
بينما كانت صفية تعد الطعام، نادت على إيمان:
"يلا يا إيمان هتتأخري."
أجابت إيمان بسرعة، وهي تحاول إنهاء آخر التحضيرات:
"حاضر خلصت اهوه."
خرجت إيمان من غرفتها، وتوجهت نحو الباب وهي تحادث أمها بتجاعيد القلق على وجهها:
"يلا أنا راحة."
ردت صفية، محذرة بصوت ملئ بالحرص:
"اقعدي افطري الأول، وبعدين روحي، وما تنسيش دا حلم أبوكي، وبلاش تسمعي لحد، ولا ليكي دعوة بالناس مفهوم؟"
أجابت إيمان بلهجة توحي بأنها تستوعب نصائح أمها، ولكنها متلهفة للذهاب:
"حاضر."
صوت صفية، الذي كان يتخلله الإلحاح، ازداد حدة:
"يلا اقعدي."
جلست إيمان بسرعة لتناول الإفطار، وهي تهم بالخروج. وكان دعاء أمها لها بالنجاح يملأ المكان بالدفء والأمل.
لم تبتعد إيمان عن المنزل إلا قليلاً، حتى اعترض طريقها شاب ذو جسد ضخم ونبرة غليظة مملوءة بالسخرية. كانت عينيه مليئتين بالاستفزاز:
"ألا الحلوة راح فين؟"
أجابت إيمان بغضب متزايد، موجهة له نظرات حادة:
"وانت مالك؟ ابعد عن طريقي."
عقب ذلك، أمسكها الشاب من شعرها بقوة، محاولاً إهانتها:
"لا يا روح أمك، مش أنا اللي تقولي كده. يلا انجري على البيت، مافيش مدرسة. يلا."
صرخت إيمان، وهي تشعر بالخوف والألم، محاولاً التخلص من قبضته:
"ابعد عني يا حيوان، سيب شعري! آه يا ماما!"
فزعت من صراخ ابنتها إيمان، فركضت نحوها، سحبتها من يد الشاب، وصاحت في وجهه بلهجة ملؤها الغضب والحماية:
"انت مين عشان تضرب بنتي؟"
رد ابن العم، مصمماً على موقفه، واثقاً من نفسه:
"أنا ابن عمها، وهكون جوزها، ومش هتخرج بره البيت تاني، ويلا انتا وهي على جوه."
صفية، معبرة عن غضبها واستنكارها، صاحت بشدة:
"ابعد عن طريق بنتي! وجواز إيه يا أبو جواز؟ أبوها قبل كده رفضك. انت مش شايف نفسك يا طور؟ دا فرق السن اللي بينك وبنها، لو كنت خلفت، كان زمانك عندك قدها، بس نقول إيه؟"
رد ابن العم بتحدي وسخرية، محاولاً إظهار نفسه القوي:
"قولي، يا مرات عمي، أغلطي، وأنا عاوزك تغلطي، علشان لما أوقفك عند حدك، ما حدش يلومني."
اقترب شيخ القرية، الشيخ حسين، مخاطباً ابن العم بلهجة تتسم بالحكمة والصرامة:
"خير،يا داغر يا ابني. عيب اللي بيحصل دا. عمك لسه مات من أيام، وانت بتأكل في لحمه."
رد داغر بتهكم، مشيراً إلى الوضع:
"أنت مش شايف يا شيخ حسين؟ بنته خارجة وقالت إنها رايحة المدرسة، وأبوها ميت من ثلاث أيام، عالم مش مكسوبة من نفسها. نتكسف إحنا ليها."
تدخل الشيخ حسين بلهجة أكثر حدة، محاولاً حل المشكلة:
"حقها يا ابني. وبعدين، النهارده آخر يوم في الامتحانات. سبها يا ابني، ربنا يهديك."
داغر، محبطاً، ختم حديثه بلهجة قاطعة، ثم تركهم:
"علشانك انت بس يا شيخنا، بس قدامك اهوه. ما فيش مدارس تاني، خلصت على كده. أمين."
ترك الشيخ حسين قائلاً بتمني:
"ربنا يهديك يا ابني."
ثم توجه إلى إيمان، قائلاً بلطف:
"يلا يا بنتي روحي."
ردت إيمان، وهي تشعر بالغضب والحزن:
"ربنا يخده."
قال الشيخ حسين، محاولاً تهدئة الأوضاع:
"عيب يا إيمان، دا انتا يا بنتي ما يطلعش منك العيبة. يلا، ربنا يهديكي."
ردت إيمان بتمرد، مصممة على استكمال تعليمها، رغم التهديدات:
"انت مش شايف يا شيخ عميلة، وأنا هكمل تعليمي ومش هسمع كلامه."
قالت صفية، محذرة وفي نفس الوقت عازمة على تحقيق حلم زوجها الراحل:
"ايوه يا شيخ، كلامك على عيني ورأسي، بس بنتي هتكمل لحد لما تحقق حلم أبوها."
الشيخ حسين، متفهماً الوضع، وعد بحل المشكلة:
"هتكلم معاهم يا أم إيمان، وإن شاء الله نلاقي حل."
قالت صفية، وهي تدفع إيمان للرحيل:
"يلا انتي يا إيمان هتتأخري."
تجري إيمان وتذهب للمدرسة ،
وتدخل بعد توزيع الورق، تتأسف المراقبة وهي تبكي علي التأخير، تسمح لها وتعطيها الورقه ، وتبدأ بالحل، يمر الوقت سريعا، وتنتهي من الامتحان وتعود إلي بيتها.
... تمر الأيام، وتنتهي من
الامتحانات،تجلس في غرفتها وهي تشعر بالقلق مصاحب باستغراب.
فبتعاد ابن عمها عنها بهذه السهولة لم يرح بالها، اتجهت إلى أمها الجالسة بغرفتها، استأذنت ودخلت.
عند دخولها، تركت أمها ما بيدها، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بجانبها
"تعالي يا بنتي"
تجلس بجانبها على الفراش وتنطق بقلق
"خايفة اوي يا ماما"
ارتعبت صفيه ونطقت بخوف:
"من اي حبيبتي"
تنهدت إيمان بقوه ثم أجابتها:
"يعني جدتي و أعمالي، من أخر مره داغر وقفني بعد وفاة بابا، وهما سكتين، دا مش من طبعهم"
اعتدلت صفيه مره اخرى على الفراش وهي تجيبها بنبرة غاضبه تملؤها الكره:
"ربنا يريحنا منهم، دول عالم سم، وانتي بتفكري فيهم ليه"
إيمان بخوف أجابت:
"يعني مش غريبه يا ماما، بقالهم اربع شهور على الحال دا، ودلوقتي انا قدمت في ثانوي، وهما عرفوا مش غريبه دي كمان، إن ما حدش ادخل"
ابتسمت صفيه بسخرية على طيبة ابنتها وقالت:
"لاء يابنتي، علشان هما المهم عندهم الفلوس"
إيمان بتذكار:
"ايوه صحيح هو الراجل جبهملك"
اجابت صفيه:
"ايوه بس أنا رفضت، وقولت له يصرف عليكى وعلى علامك الاول، وبعد لما تدخلي الكليه يدفع الفلوس،والراجل كتر خيره وافق، وقالي كل المصاريف عليه، ولما تدخلي الكليه هيكون المبلغ زي ما هو ما ينقص منه شئ بالعكس هيزيد"
إيمان باستغراب:
"ازاي يعني، اومال هيصرف عليا من فين"
رد صفيه بحيره تسكن قلبها:
"سألته، قالي دا بره الموضوع، وكمان هيزودهم، وهيكونوا 100الف جنيه"
إيمان بسعادة:
"ايه"
اكملت صفيه حديثها بهدوء
"فأنا خلتهم باسمك، ومش هتخديهم غير لما تدخلي الكليه ودا شرطي عليه. علشان كدا بقولك، ما تستغربيش منهم، لازم تدخلي، ولا مش هيطولوا قرش، عرفتي ليه هما بعدوا عننا"
إيمان بكره:
"ايوه يا ماما عرفت، دول تعبانين، وأنا اللي فكرتهم قلبهم حن عليا"
صفيه بسخرية:
"دول عندهم قلب، دول منشار فلوس، يبيعوا دمهم علشان القرش.يلا سيبك منهم، وركزي في مستقبلك، أنا كلمت المدرسين هنا هتروحي الدروس، وفلوسهم هتوصلهم أول كل شهر،الراجل بردوا، عامل لينا مصروف شهري5ألاف جنيه"
إيمان بالإرتياح:
"كويس اوي"
نطقت صفيه بسعادة من اجل ابنتها:
"يلا المهم تتعلمي يا دكتوره"
تخرج وتتجه لغرفتها تذاكر حتي تنهي، وينتهي اليوم أيضاً.
تمر الأيام ويليها الشهور والحال كما هو عليه. حتي تنتهي من عامها التاني الثانوي،
تنتظر النتيجة هي وامها بفارغ الصبر، ظهرت و تأهلت للصف الثالث، كانت تغني وترقص لكن أمها تبتسم فقد ولم تقدر على القيام.لاحظت ذلك اقتربت منها وهي تردف بقلق
"مالك يا ماما، فيكي اي"
لم تستطع الرد عليها،تتألم وتخفي ذلك لكن لم تصمد طويلاً وصرخت بقوه،و تمسك بجانبها الأيمن.
تبكي إيمان بخوف عليها،
تجري للخارج وتنادي على الجيران والشيخ حسين،
الذي خرج واتجه إليها بسرعه، وطلب من ابنه زيدان الاتصال بالاسعاف.
انصاغ لطلب أبيه فورا واتجه إليه. وأخذوا صفيه للمستشفى.
دخلت غرفة العمليات. وبعد ساعه خرج الطبيب وهو يقول:
"حالتها صعبه الكلي تعبانه، فيها ورم واتم استئصالها"
صاحت إيمان بصدمه:
"اي، ليه، دي أول مره تشتكي منها"
الدكتور مراد بهدوء وخبث:
"لاء واضح انها تعبانه من فتره كبيره، الكلي مدمره"
طالعت الطبيب بصدمه ونظرت للشيخ برجاء وتحدثه بنبره بيطيئه مصاحبه بصراخ
"لا يا شيخ، والله عمرها ما أخدت علاج، غير لتعب عادي، برد وكدا، عمرها ما اشتكت من جنبها ولا اي حاجه،امي حصلها اي"
الدكتور مراد بتوتر:
"قولتلك، إنها مدمره، ولو كنت سبتها كانت هتموت، كلها ساعه وهتفوق، عن اذنكوا"
هرول بعدها لمكتبه وهو يمسح حبات العرق من التوتر.
دخل عليه مساعده ذراعه اليمين.
"اقعد يا يحيي"
تكلم يحيي باستغراب من حالته المغزيه:
"في اي بره، البنت دي، لو فضلت تقول كدا، هتلفت النظر لينا"
الدكتور مراد بضيق واضح:
"اطمن دي عيله صغيره، ومن الصدمه بس، لازم تخرج وتتكلم مع الشيخ اللي بره، وتشرح له حالتها وتهول الموضوع، مش عاوز حد يشك في حاجة"
دكتور يحيى بمكر:
"اطمن يعني دي اول مره"
الدكتور مراد ابتسم بخبث مع غمزه عين:
"يلا روح"
يخرج يحيى ثم يتجه إليهم و يحدثهم عن حالت امها
يظل الدكتور مراد في غرفته، يلعب بالقلم بأصابعه وهو يفكر في الحاله، وكيف يبقيها في المستشفى، لكي يأخذ منها ما يريد، فهي مطابقه للمواصفات التي يريدها، ويجب الا تضيع من يده.
لكن ابنتها هى العائق، فلابد من تعب الام المتواصل لكي تاتي بها لهنا. فاق من تفكيره على رنين الهاتف، رفع وتحدث وهو يجاوب على سيده ويقول له خطته،ثم يغلقه، ويخرج لإيمان والشيخ.
يقف ويتكلم بغموض وكلمات تهول الموضوع، أرعبت إيمان على امها،تشبكت بالشيخ، وهي تبكي بقوه غير مصدقه لما يحدث:
"ازاي دا حصل، دي كانت كويسه، كل التعب دا فيها وما مش دريانه بيها، ازاى"
بدأ الشيخ حسين حديثه بحزن مكتوم، صوته هادئ لكنه مشبع بالهموم، وكأن كل كلمة تخرج من فمه تحمل ثقل ما يخفيه قلبه:
"اهدي يا بنتي، ووحدي الله. كل ما يصيبنا هو مما كتبه الله لنا، ادعيلها، وربنا هيشفيها."
إيمان رفعت يديها للسماء باندفاع، وكأنها ترفع معهما كل آلامها وأوجاعها، عيناها تفيض بالدعاء الصادق:
"يا رب..."
الشيخ حسين التفت نحوها، وعيناه تحملان حزناً عميقاً، لكنها اختبأت خلف هدوء ظاهر:
"يلا على البيت، الدكتور قال ممنوع حد يفضل هنا."
صرخت إيمان بقوة، صوتها ممزوج بالخوف والعجز، وكأنها ترفض الانصياع للواقع المؤلم:
"لا، مش هسيب أمي!"
حاول الشيخ تهدئتها، صوته الناعم كان كالنسيم الذي يحاول عبثاً تهدئة عاصفة مشاعرها:
"يا بنتي، قعادك هنا مش هيعمل حاجة، يلا."
استسلمت لرغبة الشيخ حسين على مضض، لتعود معه إلى البيت، لكن روحها بقيت عالقة في الغرفة التي ترقد فيها والدتها.
دخلت غرفتها، أغلقت الباب عليها، لتترك العنان لدموعها التي انهمرت بلا توقف حتى بزوغ الفجر.
عند الصباح، اندفعت إيمان نحو المستشفى، قلبها يسبح بين الرجاء والخوف. جلست بجانب والدتها التي بدأت تستعيد وعيها ببطء. صفيه فتحت عينيها بصعوبة، وأخرجت كلماتها المتعبة:
"إيمان... إيه اللي حصل لي يا بنتي؟"
ابتلعت إيمان دموعها بصعوبة، وحاولت إخفاء ألمها، ناطقة بكلمات مليئة بالحنان والطمأنينة:
"اطمني يا ماما، الدكتور قال إنك هتكوني كويسة، الكلى تعبت واطروا يشيلوها."
تنهدت صفية بإيمان ورضا:
"لا حول ولا قوة إلا بالله... أنا هخرج امتى من هنا؟"
ارتعشت إيمان بين الخوف والحزن وهي ترد:
"بيقول مش أقل من أسبوعين، لما تتحسني شويه."
نظرت صفية لابنتها بقلق يملأ عينيها وسألتها بصوت مليء بالحنان:
"وانتي هتعملي إيه؟"
ردت إيمان بحزن:
"هقعد معاكي."
لكن صفية رفضت بقوة، خوفها على ابنتها يفوق خوفها على نفسها:
"لاء حبيبتي، روحي البيت، و عاوزاكي تركزي كويس السنادي مهمه أوي، فهمه، دا حلم أبوكي حقيقة، حلمي أنا كمان"
همست إيمان وكأنها تحاول تغيير الموضوع:
"الراجل جه ودفع فلوس العملية."
أجابت صفية ببساطة:
"كتر خيره."
ابتعدت إيمان قليلاً وقالت بقلق:
"أنادي للدكتور، شكلك تعبانه."
ردت صفية وهي تغمض عينيها:
"لا، أنا هنام. روحي انتي دروسك يلا، ولما تخلصي تعالي."
تركت إيمان والدتها لتذهب، لكن قلبها بقي مرتبطاً بها.
مع مرور الأيام، استمرت إيمان في روتينها المضني؛ تذهب إلى المستشفى كل صباح لتجلس بجانب أمها صفية، تتبادل معها الكلمات القليلة التي تسمح بها حالتها الصحية، بينما تحاول إخفاء قلقها وحزنها خلف ابتسامات صغيرة، ثم تسرع إلى دروسها وهي تحمل على عاتقها ثقل همين، أحدهما أكاديمي والآخر عاطفي.
ورغم ذلك، كانت تعود كل مساء لتنام بجانب والدتها، وكأن وجودها بجوارها هو الملاذ الوحيد الذي يهدئ روع قلبها.
. ❝ ⏤ياسمين خاطر
في خضم أيام الإجازة، ومع مرور كل يوم، ظلَّ آسر متأرجحاً بين الحلم والواقع. كان يقترب من لحظة عودته إلى مدرسته بينما في داخله صراعٌ مرير، لم يكن قادرًا على التهرب منه.
أما عايدة، فقد كانت تتعمد، دون رحمة، أن تسلب من آسر كل شعور بالراحة والطمأنينة التي قد تكون لديه، ولسانها اللامتوقف كان كالسيف يقطع كل خيط أمل في قلبه.
كلما دخلت عايدة إلى غرفة آسر، كانت تجد الصغير غارقًا في شروده، وعينيه مسمرتين على صورة والدته. كان يعاني من الغياب، وهو لا يزال يتذكر آخر لحظات مع والدته التي رحلت عنه، ولا يزال يرتدي الحزن كعباءة ثقيلة.
دخلت عايدة الغرفة ذات يوم، وبنبرة حادة:
"إنت قاعد تعمل إيه؟ يلا نام، الإجازة خلصت، بكرة في مدرسة. ولا هو يعني علشان هتاخد بقيت السنة إجازة، هتلعب من أولها؟ يلا."
آسر، بصوت خافت:
"حاضر يا نانا."
عايدة، بتفويض صارم:
"يلا."
قام آسر إلى سريره، وهو يحاول يضع في ذهنه أن كل ما يفعله هو مجرد حالة من الانتظار للعودة إلى حياته الطبيعية، لكن كلما حاول أن ينام، كان وجه والدته يلاحقه في أحلامه، وتذكره برفق الصورة التي يحتفظ بها في حضنه.
مرت ....... [المزيد]
المقدمه: في بيتٍ تملؤه الأسرار والخفايا، كان هناك طفلٌ صغير يحمل في قلبه ما لا يتحمله حتى الكبار.
كانت أيامه تمر في خوف ورهبة من أقرب الناس إليه. يجلس في حجرته الصغيرة، وملامح الحزن تغطي وجهه البريء، بينما الألم يفيض من قلبه الصغير.
عيناه الصغيرتان شديدتا الحمراوان من كثرة البكاء تعكسان معاناته، وهو ينظر إلى ما بيديه ويبكي.
عيناه لا تكفّان عن الدمع، يمسح دموعه بيديه الصغيرتين، لكن رعشة الخوف لم تفارقه.
عندما سمع صوت الباب يُفتح بعنف، أخفى ما بيديه سريعًا.
دخلت امرأةٌ يظهر على وجهها كل علامات الشر، ينبعث الشر من عينيهاوالغضب يتفجر في صوتها وهي تقول:
"انت بتعمل إيه عندك؟ يلا قوم وقفل الزفت ده، اخلص!"
بصوت متقطع وباكي، رد الطفل:
"حاضر يا نانا."
نظرت إليه بعينين مليئتين بالقسوة وهي تقول:
"قوم اعمل واجب مدرستك، بلاش أرف. أنا عارفة مامتش انت كمان ليه، أوف!"
خرجت الجدة وأغلقت الباب بقوة، فتنفس الطفل بعمق وفتح الدرج ليتناول الصورة مرةً أخرى.
خاطبها بصوت مليء بالشوق والحزن:
"اشتقت لكم كتير أوي، ليه تركتوني هنا؟ ماحدش بيحبني، ليه سبتوني لوحدي؟"
لم تتوقف عيناه عن البكاء، وارتفع صوت نشيجه.
وضع يده على فمه ليخفي صوت بكائه عن جدته، التي لا تعلم بما يفعله.
استمر على هذا الحال لوقتٍ طويل، ثم أخذ نفسًا عميقًا وخاطب صورة والده:
"اشتقت لك كثير يا أبي، أتمنى لو أنام في حضنك زي زمان، وأمي تصنع لي الفشار، ونقضي السهرة مع بعض نلعب."
أخفى وجهه بين يديه ليمنع نفسه من البكاء، ثم مسح دموعه وأمسك بصورة والدته.
تنفس بعمق ونظر إليها قائلاً:
"لقد اشتقت إليك كثيرًا يا أمي، أسأل الله أن تكوني بخير، أعلم أنكما الآن عند الله، وأتمنى أن ألحق بكم قريبًا، أدعو الله كل يوم أن نكون معًا في الجنة."
تحدث والدموع تتساقط على خديه، وكان الحزن يغطي وجهه البريء.
أكمل حديثه وهو يمسك الصورة بيده الصغيرة:
"أنا بسمع كلام جدتي، بس هي ما بتحبنيش، دايمًا بتضربني وتقول 'مت مثل أمك، هي السبب في موت ابني'. هي ما بتحبنيش يا بابا."
فُتح الباب بعنف ودخلت جدته، فنظر إليها بخوف:
"إنت لسه قاعد؟"
رد آسر بسرعة:
"لا يا نانا، أنا بعمل الواجب."
سألت وهي تنظر إلى يديه:
"إيه اللي في إيدك ده؟"
أجاب مرتبكًا:
"مافيش، صورة بابا."
أمرته بصرامة:
"يلا خلص ونام."
رد بسرعة:
"حاضر."
خرجت الجدة، فأخذ آسر ينهي واجبه المدرسي بسرعة، فلديه مدرسة في الصباح الباكر، ويجب النوم مبكرًا، مدركًا أنه إذا دخلت جدته مرة أخرى فسوف تعاقبه كما كل يوم.
أمسك بصورة والديه بحنان وهو يذاكر، ثم أنهى واجبه وأغلق الكتاب، ورتب أغراضه في حقيبة المدرسة. بعد ذلك، غير ملابسه واحتضن الصورة والديه بحب، ونام على السرير.
هذه هي حياته بعد رحيل والديه؛ هو الذي يقوم بكل شيء لنفسه، حتى أنه هو الذي يواسي نفسه. ذهب الجميع وبقي وحيدًا.
'هذه كانت حياتى، وهذا عالمى، أعرفكم بنفسي وأروي لكم قصتي'
"أنا آسر، عمري 7 سنوات، في الصف الثاني الابتدائي. أبي كان ضابط في الجيش، لكنه الآن عند الله. أمي كانت دكتورة صيدلانية، توفيت في نفس اليوم الذي توفى فيه أبي."
(مشهد في الماضي)
"قبل سنتين"
يتذكر آسر ذلك اليوم المؤلم بكل تفاصيله. وكيف كانت حياتهم،وعائلته الصغير'الاب والأم وورد الياسمين' فكانت حياتهم هادئه مليئه بالحب والحنان، ولكن لم تكن دائماً كذالك، فعندنا تأتى الجده، لم يكن حالهم أفضل، بل الكوارث تصاحبهم. كان يبلغ من العمر خمس سنوات، وعاد من تمرين الكاراتيه مع والدته. دخلوا البيت وهي تقول بحب:
"يلا يا حبيبي، غير هدومك، وأنا هجهز الغداء وعملت تورته الشوكولاتة."
رد آسر بحماس:
"هاي، تحيا ماما!"
نطق بسعادة شديدة كانت ظاهرة في بنبرة صوته وحركاته؛ لم تتمالك الأم وضحكت بقوة على تصرف ابنها الطفولي، تقترب منه وتميل برأسها قليلاً لكي تلاعب أنفها بأنفه، وتقبل جبينه وتحدثه بحنانها.
"يلا يا حبيبي بسرعة، بابا هينزل إجازة النهاردة، اجهز يلا يشقى، عاوزة أنا كمان أخلص، ولبس حبيبي راجع."
رد عليها بغيرة طفولية:
"أنا بس اللي حبيبك."
كانت غيرته واضحة من أبيه الحبيب، ترسم ابتسامة صافية على وجه الأبيض المستدير بخدود تشبه الفراولة، حتى ظهرت غمازة خده الأيمن، لتزينه وتزيده جمالًا.
ابتسمت له والدته بحنان وقالت:
"أنت وأحمد أحلى حاجة في دنيتي."
فأجابها بمرح:
"ماشي يا إيماني."
ضحكت وقالت:
"حبيب إيمان يا ناس."
تتمسك بخديه وتلاعبه مع انتشار القبلات عليه، يتحرك الصغير متجهًا لغرفته ويترك أمه في المطبخ تعد الطعام، وفي أثناء تحركه يرى هاتف أمه يضيء وصوته يعلن عن اتصال، أمسكه بيده ونادى عليها:
"ماما، التليفون بيرن، دا رقم بابا."
أعطاها الهاتف وأجابته بحنان:
"شكرًا يا روحي، روح انتا اجهز."
أجابت على الهاتف بلهفة:
"الو، إزيك حبيبي؟ إيه؟ أنت مين؟"
كان على الجانب الآخر صوت غريب، قال لها:
"أنتِ الدكتورة إيمان، زوجة المقدم أحمد صلاح؟"
ردت بقلق:
"أيوه، أنا. أنت مين؟"
أجاب الصوت:
"أنا زميل أحمد في الشغل، الرائد عماد."
شعرت بقلق أكبر عندما عرفت هوية المتصل وأنه لم يكن غير صديق زوجها المقرب. وسألته:
"خير، في إيه؟ ليه بتتكلم من تليفون أحمد؟"
رد الرائد عماد بصوت محزون:
"أنا آسف يا فندم، المقدم أحمد استشهد، احنا في مستشفى الجيش في رفع."
لم تستطع الرد بعدما سمعت خبر استشهاد زوجها. الصدمة كانت شديدة عليها، لم تتحمل، وسقطت على الأرض. لا تدري بأي شيء حولها، ولا بصغيرها الذي يبكي بشدة.
لكنها استجابت للغمامة السوداء وغابت عن الوعي.
يجلس بجانبها وهو يصرخ باسمها:
"ماما، ماما، فوقي يا ماما، ماما."
بكى بشدة وحاول أن يوقظها، لكنه لم يجد استجابة.أمسك الهاتف الذي سقط من أمه، بيد مرتعشة وتكلم بصوت مختنق من البكاء:
"الو، الو."
سمع الرائد عماد صوته وقال:
"الو، الو يا دكتورة، أنتِ معايا؟"
لكن الطفل أجابه بصوت مخنوق بالبكاء:
"ماما مش بترد عليا، ماما."
فرد عليه الرائد عماد محاولاً تهدئته:
"اهدى يا حبيبي، أنا هتصرف."
آسرببكاء وصوت متقطع:
"ماما، فوقي يا ماما..."
لم يعلم آسر ماذا يفعل، والدته مستلقية على الأرض بلا حراك، لا تدري بشيء. كان صغيرها يبكي بحرقة، لا يتوقف عن مناداتها باسمها، أملاً في أن تفيق من غيبوبتها.
. ❝ ⏤ياسمين خاطر
في بيتٍ تملؤه الأسرار والخفايا، كان هناك طفلٌ صغير يحمل في قلبه ما لا يتحمله حتى الكبار.
كانت أيامه تمر في خوف ورهبة من أقرب الناس إليه. يجلس في حجرته الصغيرة، وملامح الحزن تغطي وجهه البريء، بينما الألم يفيض من قلبه الصغير.
عيناه الصغيرتان شديدتا الحمراوان من كثرة البكاء تعكسان معاناته، وهو ينظر إلى ما بيديه ويبكي.
عيناه لا تكفّان عن الدمع، يمسح دموعه بيديه الصغيرتين، لكن رعشة الخوف لم تفارقه.
عندما سمع صوت الباب يُفتح بعنف، أخفى ما بيديه سريعًا.
دخلت امرأةٌ يظهر على وجهها كل علامات الشر، ينبعث الشر من عينيهاوالغضب يتفجر في صوتها وهي تقول:
"انت بتعمل إيه عندك؟ يلا قوم وقفل الزفت ده، اخلص!"
بصوت متقطع وباكي، رد الطفل:
"حاضر يا نانا."
نظرت إليه بعينين مليئتين بالقسوة وهي تقول:
"قوم اعمل واجب مدرستك، بلاش أرف. أنا عارفة مامتش انت كمان ليه، أوف!"
خرجت الجدة وأغلقت الباب بقوة، فتنفس الطفل بعمق وفتح الدرج ليتناول الصورة مرةً أخرى.
خاطبها بصوت مليء بالشوق والحزن:
"اشتقت لكم كتير أوي، ليه تركتوني هنا؟ ماحدش بيحبني، ليه سبتوني لوحدي؟"
لم ....... [المزيد]
الفصل الأول : في قطاع 115، كان زين يجلس منهارًا، محطماً بسبب فقدان أحد أقرب أصدقائه، الرائد عماد. دخل الغرفة بسرعة والقلق يأكله، يتحدث بصوت ملهوف ومتسرع:
"في مشكلة يا قائد."
نظر إليه زين بترقب وسأل:
"خير، في إيه يا عماد؟ بلغت أهل المقدم أحمد؟"
رد الرائد عماد بصوت متوتر:
"أيوه يا قائد، كلمت الدكتورة، لكن فجأة مش بترد، وابنها الصغير بيصرخ في التليفون. أنا بحاول أهديه، وبقوله هتصرف، لكن أنا مش عارف أعمل إيه."
تأمل زين الموقف للحظة قبل أن يقول بحزم:
"أنا هبلغ أم المقدم أحمد بنفسي، وأقولها باللي حصل. وهما أكيد هيتصرفوا."
هز الرائد عماد رأسه بالموافقة وقال:
"تمام يا قائد."
........ .............. .........
في بيت والدة المقدم أحمد.
كان الألم يتفجر من كل زاوية.
الأم عايدة بصوت مليء بالصدمة والوجع:
"إنتا بتقول إيه؟ ابني مات؟ إزاي دا حصل؟ ابني مات، يا خالق، ابني مات!"
صوت صراخها يملأ الصالة، يرتد في أرجاء المنزل وكأنه صدى لمأساتها. تحاول السيطرة على نفسها، لكن الألم يجتاح قلبها بلا رحمة.
ابنتها سمر تقف بجانبها، تحاول تهدئتها، ولكن الدموع تملأ عينيها، ويدها ترتعش وهي تمسح دموعها. الكلمة الواحدة التي ترددها أمها، "ابني"، كافية لتجعل العقل يفقد توازنه.
ابنها الوحيد، الذي كان سندها في الحياة، قد رحل. لم يبق لها سوى سمر. الحزن يلتف حولها كالضباب، والخوف من المستقبل بلاه، يجعل الألم الذي تعيشه مضاعفًا. تساؤل مرير يعصف بذهنها: كيف ستجد القوة لتواجه هذا الفقدان؟
في هذه اللحظات القاسية، يتجلى الحزن والصدمة في كلمات الأم عايده وسمر.
الألم يتسلل إلى كل جزء في جسدهما، وكأن الدموع قد جفت، ولم يعد للبكاء معنى.
الأم عايدة وهي تبكي بحرقة:
"اهدى؟ اهدى إزاي؟ ابني، ضنايا مات!"
تستمر الدموع في الانهمار بلا توقف، وصوتها يتقطع من شدة البكاء. بصعوبة، تنطق كلماتها:
"بيقولوا بلغوا مراته، وشكلها تعبت، وابنها بيعيط عليها."
تحاول سمرتهدئة أمها، لكنها نفسها محطمة من الداخل، ومع ذلك تتحدث ببرود ظاهري:
"اهدى يا ماما، و إحنا مالنا بيها؟ إن شاء الله تموت هي وابنها."
الأم عايدة بغضب ممتزج بالألم:
"هي السبب في موت ابني! ما فيش غيرها!"
حاولت سمر تهدئة والدتها، لكنها كانت تعرف أن الألم الذي تشعر به أمها لا يمكن إسكاته بسهولة.
سمر بحزم:
"يلا نروح المستشفى. تعالى، أنا هرن على عيسى، أكيد هو هناك معاه."
سحبت هاتفها وطلبت الرقم بسرعة، صوتها يرتعش وهي تتحدث:
"ألو، أيوه عيسى، عرفت اللي حصل؟ أخويا مات، أخويا يا عيسى..."
رد عليها عيسى بصوت هادئ محاولًا التماسك:
"اهدى يا سمر، إحنا هنجيب الجثمان وجايين علشان الدفن. وكمان في وصية كانت في جيبه، القائد هيسلمها لمراته... دي وصية قبل ما يموت."
لم تستطع الأم عايدة أن تستمع لهذا الكلام بدون أن يزداد غضبها:
"ابني هيجي بيتي، مش هيروح عندها! مش كفاية أخدت شبابه، كمان عاوزة هي اللي تودعه؟ لا، والله ما يحصل، مش هتلمح ابني. هي لازم تموت زيه، أيوه لازم تموت!"
صرخت عايدة بهذه الكلمات وهي تندفع نحو الباب، عازمة على الذهاب إلى منزل ابنها لتنفيذ نيتها المدمرة. كانت سمر في حالة من الذعر، فأغلقت المكالمة بسرعة مع زوجها وركضت وراء والدتها، محاولة إيقافها.
سمر بصوت يائس:
"ماما، رايحة فين؟ استني!"
حاولت سمر إيقاف والدتها، لكنها كانت تعرف أنها تواجه أمًا محطمة، غير قادرة على التفكير بعقلانية.
الأم عايدة بعزم لا يتزعزع:
"ابعدي! سبيني أخلص عليها زي ما خلصت على ابني، ابعدي!"
سمر محاولة استخدام العقل لإقناع والدتها:
"ماما، اهدى. إنتي فاكرة موتها كده بالساهل؟ دي الحرباية اللي بتتحامى فيها، تودينا كلنا في ستين داهية!"
لم تستمع الأم عايدة لكلام ابنتها، وغادرت المنزل بسرعة، مصممة على تنفيذ خطتها. فتحت الباب و اندفعت على السلم، تملؤها مشاعر الانتقام والغضب.
الأم عايدة وهي تنزل السلم بسرعة، بعزم لا يتزعزع:
"ابعدي يا سمر! خلاص اللي كانت بتحتمي فيهم راحوا، مش هنا، ولازم أخلص عليها! ابعدي سبيني!"
كانت عايدة تركض نحو الخارج، وعندما وصلت إلى الشارع، أوقفت سيارة أجرة بسرعة. ولكن قبل أن تركب، أوقفتها ابنتها سمر.
سمر بحزم:
"استني! هاجي معاكي ومش هسيبك."
ثم نظرت إلى السائق بسرعة وأمرت:
"اطلع يا اسطى!"
السائق مستفسرًا:
"على فين؟"
سمر بهدوء مصطنع:
"العنوان... ٠٠٠٠٠٠٠٠٠"
السائق:
"حاضر."
طوال الرحلة، كانت عايدة تغلي من الداخل.
الغضب كان يعتمل في صدرها كبركان على وشك الانفجار.
الطريق بدا طويلًا رغم أنه لم يأخذ سوى بضع دقائق. أخيرًا، توقفت السيارة أمام المنزل المقصود.
هرعت عايدة للخروج من السيارة، واندفعت نحو الباب، تدق عليه بقوة.
.............
في الداخل، كان آسر يبكي بجوار جسد والدته الساكنة، محاولًا إيقاظها، لكن بلا جدوى.
آسر بصوت مملوء باليأس:
"ماما، فوقي! ماما، أرجوكي، اصحي! ماما... يا رب، يا رب ساعدني..."
سمع الطفل صوت طرقات عنيفة على الباب، فارتعد وهرع نحو الباب، يسأل بخوف.
آسر بتردد:
"مين؟"
عايدة بصوتها الحازم، ولكن مليء بالحنق:
"افتح يا آسر!"
عايدة كانت تتحرك بعزمٍ لا يُثنى، وكأن الغضب الذي يعتمل في صدرها قد أزال أي أثر للرحمة من قلبها.
لم تعر أي انتباهٍ لصوت حفيدها الصغير آسر، الذي كان يتوسل إليها بدموعٍ تسيل على وجهه الصغير كالشلالات.
وجهه البريء الذي لم يعرف سوى حب أمه وأبيه، بات مشوشًا بين الحقائق القاسية والأمان الذي ظن أنه لا ينقطع.
آسر بنبرةٍ مليئة باليأس:
"نانا، ماما مش بترد عليا."
لكن عايدة، التي تحولت إلى كتلة من الغضب، دفعت الصغير جانبًا بقسوةٍ لا تناسب طبيعة الجدة، وردت بصوتٍ قاسٍ: "عنها ما ردت! هي السبب، قتلت ابني."
كان آسر يحدق فيها بعينيه المليئتين بالدموع، وهو لا يدرك كيف لأحد أن يلوم أمه على موت أبيه. في عقله الصغير، كان من المستحيل تصور أن والده قد رحل بالفعل.
رفض بعنادٍ طفولي أن يصدق تلك الحقيقة المريرة، وبدأ يردد بصوتٍ متهدجٍ من فرط البكاء: "لا، لا، بابا مش مات، بابا حي."
سمر، التي كانت تراقب المشهد بقلقٍ بالغ، شعرت بأن الغضب الأعمى الذي تملَّك أمها قد يدفعها لفعل شيءٍ فظيع. كانت تدرك أن إيمان، زوجة أخيها، لا تستحق هذه المعاملة، مهما كانت الأمور معقدة بينها وبين عائلتها. لكنها أيضًا كانت غارقة في ألمها الخاص، مما جعلها عاجزة عن اتخاذ موقف حاسم.
قالت عايدة بصوتٍ يخلو من الرحمة:
"سمر، هاتي ميه فوقيها، مش هسبها تموت بساهل كده. يلا!"
سمر، رغم ترددها، أطاعت والدتها. ذهبت وأحضرت دلواً من الماء، وبينما كانت تسحبه، كانت تنظر إلى إيمان بكرهٍ شديد، مشاعر مختلطة بين الغيرة والغضب، والحزن الذي لم تستطع تفسيره. أفرغت الماء على وجه إيمان بقوة، وهي تضربها بوحشيةٍ غير مبررة، حتى بدأت إيمان تستعيد وعيها تدريجياً.
حينما فتحت إيمان عينيها، كانت غير مدركة تماماً لما يحدث، لكنها شعرت بآلامٍ مبرحة في وجهها وكتفيها.
مع كل ضربة تلقتها، كانت تصرخ بصوتٍ ضعيف، محاولةً فهم ما يجري:
"آه... في إيه؟"
عايدة، بنبرةٍ مليئة بالاحتقار، صاحت:
"في إنك قتلتِ ابني! إنتِ السبب في كل حاجه!"
كانت كلمات عايدة كالسكاكين، تغرز في قلب إيمان الجريح بالفعل.
كيف لها أن تكون السبب في وفاة من أحبته بكل جوارحها؟ كانت تصرخ في وجع الفراق، بينما دموعها تسيل بغزارة.
ردت إيمان، رغم الألم الذي يعصف بها:
"لا، لا، أحمد مامتش، أحمد عايش."
لكن سمر قطعت أملها بنبرة باردة:
"خلاص مات، انتي السبب في كل حاجه... لازم تموتي زيه."
كان آسر يشاهد في رعبٍ، غير قادر على فعل شيء. كل ما أراد هو أن يحمي أمه، لكنه كان صغيراً جداً وضعيفاً جداً أمام غضب جدته وعمته.
ركض نحوها بسرعة، يحاول إنقاذها بكل ما لديه من قوة، وهو يصرخ منادياً:
"ماما لا، سيبي ماما!"
حينما حاول التدخل مرة أخرى، أوقفته عايدة بقسوة، وهي تمسك به وتخاطبه بنبرة تهديد:
"ابعد كده! لازم تموت زي ابني."
صرخ الصغير بكل قوته، يمسك بقدم جدته ويتوسل إليها بدموع تنهمر بغزارة بصوتٍ مرتعش:
"أرجوكي سيبي ماما يا نانا، أرجوكي..."
ولكن لم يكن هناك مكان للرحمة في قلب عايدة تلك اللحظة.
كانت قد تحولت إلى شيطانٍ لا يعرف الرحمة.
بينما كانت سمر تضرب إيمان بعنفٍ متزايد، حتى كسرت ساقها، و عايدة تمسك رأسها وتضربه بالأرض مرارًا وتكرارًا حتى سال الدم.
رأى آسرالدم يتدفق من جسد أمه، لم يستطع فهم ما يحدث. احتضن نفسه، وجلس يبكي بحرقة، جسده يرتعش من شدة الخوف والبرد.
بعد لحظاتٍ من الصمت المشوب بالتوتر، همست سمر: "ماتت يا ماما... مافيش فيها نفس."
الصدمة بدأت تتسلل إلى ملامح عايدة، حيث تحول الغضب إلى قلقٍ، وبدأت تشعر بأنها تفقد السيطرة على ما فعلته.
تحول الشيء الذي تملكها إلى شعورٍ بالذنب الذي بدأ يلتهمها.
عايدة بنبره مختلطه بالخوف والغضب:
"اسكتي، خليني أفكر..."
كانت تحاول أن تخرج من هذه الفوضى، ولكن كيف؟ لم تعد تعرف ماذا تفعل. نظرت إلى آسر، ذلك الطفل الذي فقد للتو كل شيء، وبدلاً من أن تشفق عليه، تملكتها فكرة أخرى مرعبة.
عايدة بصرامةٍ وهي تمسك آسرمن ذراعيه:
"عارف لو حد عرف باللي حصل هعمل فيك إيه؟ هقتلك زيها، سامع؟"
ارتعد آسر من الخوف، لم يكن لديه خيار سوى أن يطيع. تلعثم وهو يقول:
"حاضر، مش هقول، حاضر، ماما... ماما."
لم تكن لديه القوة ليعترض أو يقول شيئًا آخر. كان يهز رأسه بالموافقة على كل شيء تقوله جدته، معتقدًا أن هذا الكابوس سينتهي قريبًا.
عايدة بنبرة باردة:
"لما حد يسألك، تقول إنها وقعت من على السلم وهي بتجري لما عرفت اللي حصل لبابا، سامع؟ وإحنا جينا وطلعناها هنا الشقة. مفهوم كلامي ولا لأ؟"
آسر بهمسٍ يكاد لا يُسمع: "حاضر."
سمر كانت تهتز رعبًا، ودموعها تنهمر بلا توقف، لكنها لم تكن دموع الندم، بل كانت دموع الخوف. كانت تدرك أن ما حدث الآن هو كارثة لا يمكن الرجوع عنها.
تضرب وجهها بيديها المرتجفتين وهي تبكي، وتلعن اللحظة التي سمحت فيها لهذه الأحداث أن تتطور. لم تكن تندب مقتل إيمان بقدر ما كانت تندب نفسها ومصيرها الذي أصبح على المحك.
سمر بنبرة مختنقة ومليئة بالذعر:
"العقارب هتعرف... هيسألوا، وهما مش هيسكتوا... هنعمَل إيه؟"
كانت كل كلمة تخرج من فمها وكأنها محاولة بائسة للتشبث بأي أمل، لكنها كانت تدرك في أعماقها أن الأمور قد خرجت عن السيطرة.
عايد، التي كانت تواجه انهيار ابنتها، لم تجد شيئًا لتهدئتها سوى كلمات لا تؤمن بها هي نفسها.
عايدة بصرامة زائفة:
"اسكتي بقا، هما خلاص مش هنا."
لكن سمر، التي كانت دائماً الأكثر هشاشة بينهن، لم تكن لتقتنع بسهولة. ردت بنبرة يائسة:
"إنتِ عمالة تقولي كدا... وأمال هما فين؟"
عايدة، وهي تجلس على الأريكة، تحاول أن تهدئ من روع ابنتها، بينما كانت هي بحاجة إلى التهدئة أكثر منها. أخفت وجهها بين يديها للحظة، ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بصوت خافت:
"سافروا"
كانت تلك الكلمة تحمل في طياتها كل الأكاذيب التي كانت عايدة تحاول أن تقنع بها نفسها قبل الآخرين.
نظرت إلى آسرالصغير وهو يبكي بجانب جثة والدته، وأدركت أن عليها التصرف بسرعة.
عايدة وهي تحاول الحفاظ على هدوءها:
"بره مصر. وعمال ما يعرفوا وييجوا تكون إدفنت. جوزك ضابط وهيعرف يلم الموضوع... وهي مالهاش أهل علشان بيسألوا عنها ولا حاجة. إحنا أهلها."
سمر، التي كانت تصارع بين الخوف والعجز، قالت بتردد: "طب وده... هنعمل فيه إيه؟"
عايدة نظرت إلى حفيدها الصغير بعينين جافتين من أي شفقة، وقالت ببرود:
"سبيه. انتي مش شايفة هو عامل إزاي؟ مش هيعرف ينطق بكلمة."
لكن سمر، التي كانت تدرك جيدًا أن الأمر لن ينتهي بهذه البساطة، لم تستطع كتم مخاوفها:
"طب هما لما يجوا... هيأخدوا معاهم. هتعرفي تقولي لا؟"
ثم تابعت بصوتٍ مرتعشٍ من الرعب:
"واهاه... ولو الحية الكبيرة هي اللي طلبت، هتعرفي تعترضي؟"
شعرت عايدة بأن الخوف يتسلل إلى قلبها، فأخذت تقف ببطء، وقد بدا عليها التردد لأول مرة.
لم تعرف ماذا تفعل، تلك اللحظة التي ظنت أنها تسيطر فيها على كل شيء تحولت إلى لحظة رعب وارتباك.
تذكرت ابنها الذي لم يتم دفنه بعد، وغمرت قلبها مشاعر متضاربة من الحزن والغضب والخوف.
عايدةبصوت متهدج:
"اسكتي بقا... مش ناقصة، أنا ركبي بتخبط في بعض."
سمر، التي بدأت تشعر بالندم لأول مرة، قالت وهي تبكي بحرقة:
"أنا غلطانة إني طاوعتكِ يا ماه... آه."
عايدة، وقد حاولت استعادة سيطرتها على الوضع، صاحت بغضب مكبوت:
"استكتي يا بنت بطني انتي! معايا في كل حاجة من الأول. من يوم ما هي دخلت حياة أخوكي، وكل المصايب عملناها سوى. مش هنيجي دلوقتي ونتحاسب!"
ثم وجهت أمراً حازماً إلى سمر: "يلا اتصلي على جوزكِ وعرفيه باللي حصل، علشان يتصرف. يلا!"
كانت سمر ترتجف وهي تبحث عن هاتفها. كانت تعرف أن هذه المكالمة ستقرر مصيرها ومصير أمها وحفيدها. ولكنها كانت مضطرة، لا خيار لها.
قامت سمر بتنفيذ ما أمرتها به والدتها، وهي تبكي بحرقة. كانت الدموع تنهمر من عينيها، ولكنها لم تكن دموع الحزن فقط، بل دموع الرعب من المجهول الذي ينتظرها.
سمر بصوتٍ مختنق:
"هتصل أههه... لما نشوف، استر يا رب."
أمسكت الهاتف بيدين مرتعشتين، وضغطت على الرقم المألوف لها. دقّات قلبها كانت تتسارع مع كل ثانية تمر، حتى جاء صوت عيسى عبر الخط، مليئًا بالقلق والغضب.
سمر بنبره مرتجفه:
"الو، أيوه يا عيسى، حصل... اعمل....... اية......"
عيسى بلهجة غاضبة:
"إنتِ هببدتي إيه؟..... الله يخرب بيتك."
سمر، وهي تحاول السيطرة على صوتها:
"عيسى، اسمعني."
لكن صوت عيسى الغاضب ارعبها اكثر وهو يقول:
"مش عاوز أسمع. اتكتمي. اقفلي.... وخليني أشوف هتصرف إزاي. هي لسه فيها الروح؟"
سمر، وقد شعرت بشعور اليأس يتسلل إليها:
"لا، هي ماتت أكيد. باين كده، مش عارفة."
عيسى، بعد لحظة من الصمت المتوتر:
"أنا هبعت دكتور على البيت يكشف عليها. وانتي وامك تحطوها على السرير، وتنضفوا الشقة. وتحطوا من دمها على السلم، علشان الكلام يكون مظبوط. لو لسه عايشة، إحنا اللي هنموت، يلا اقفلي."
أغلقت سمر الهاتف، والقلق يعصر قلبها. توجهت إلى والدتها، التي كانت في حالة من التوتر الشديد.
سمر، وهي تحاول استعادة بعض الهدوء:
"تمام، تمام."
عايدة، بنبرة تحمل القلق:
"قالك إيه؟"
سمر، وهي تنفث نفسًا عميقًا: "قال لي نشيلها ونحط من دماءها على السلم، وهو هيبعت دكتور ليعرف يتصرف."
عايدة، وقد بدأت تتولى زمام الأمور مجددًا:
"يلا، شيلي معايا."
بدأت الأم وابنتها في تنفيذ التعليمات، لكن كل حركة كانت محملة بالرهبة والخوف من العواقب، وكل لحظة تمر كانت تشعرهما بأنهما يغوصان أكثر في مستنقع من الكوارث التي لا مفر منها.
أنا أتذكر كل شيء، كأنه حدث الآن. أتذكر نانا وعمتي وهما يحملان أمي من الصالة ويدخلان بها الغرفة. أتذكر كلامهم وكل ما فعلوه؛ لم أكن قادرًا على فعل أي شيء أو مساعدة أمي.
حتى أبي يقولوا لي انه رحل عن هذه الحياه:
“ماذا يمكنني أن أفعل؟” “من سيأساعدني؟” وأنا غير قادر حتى على التحدث، بقيت أبكي بدون صوت، وجسدي يرتجف.
أرى نانا تخرج من الغرفة، وراءها عمتي سمر تأتي نحوي وتقول بصوت حاد وعيون حمراء:
" قوم معايا يلا"
لم اتحرك وبقيت مكانى انظر لها بخوف، وزاد ارتجاف جسدي،فصاحت جدتى مره أخري بحده أكبر:
"أنا بكلمك أقوم"
.. تسحب الصغير بقوة من الأرض، عيناه لا تفارق دم أمه، جسده يرتجف بقوة، ولا يستطيع الرد عليها أو الْتِفاته إليها.
تصرخ بقوة فيه ولكن لا يوجد رد.
عند سماع طرق الباب، تتجه سمر نحوه فورًا، تنظر من العين السحرية أولًا لتعرف هوية الطارق، ثم تنظر إليها و تخبرها، وهي تهم بفتح الباب،وصوت منخفض تخبر جدتي:
"الدكتور جاه، يلا سبيه دلوقتي"
تلف للباب والترحاب المصاحب بالبكاء.
"اتفضل يا دكتور، الحقها الله يخليك، دى هتموت، دمها سايح جوه، حبيبتي يا ايمان"
تخاطبه وهي تركض أمامه نحو للغرفة، مع عباراتها المتساقطه بلا توقف.
يقف على باب الغرفه عندما لمح هذا الصغير الساكن في حضن جدته؛ كانت تمثل الحزن والتعاطف معه، والرحمه لا تعرف مكان فى قلبها،
وصوت نحيبها يعلو بكلمات تواسيه بها:
"حبيبي يا بنى، أمه وأبوه في يوم واحد، يارب، بس ي حبيبى بس، نانا جمبك، ومش هتسيبك أبداً، يا ابن الغالى "
يدخل الطبيب إلى الغرفة مع سمر، وعندما تلتقط عيناه تلك الراقدة على الفراش، يصرخ في سمر بقوة، وهو يجري لمساعدتها:
"ليه ماحدش حاول يوقف النزيف، دمها اتصفى"
تكلمت سمر بخوف وهي تقترب منه:
"يعني إي يا دكتور"
نطق بسرعه دون تردد وصوت ثابت:
"البقاء لله"
تلطم وجها وتمثل البكاء والحزن بمهاره وهي تخبره باكاذيب:
"يا حبيبتى، احنا لما جينا لقناها كدا وشلناها"
"وكلمنا عيسى، كلمك على طول وما كناش عارفين نعمل،
الصدمه صعبه أوى يا دكتور،
أخويا ومراته فى يوم واحد، دي يا حبت عينى، جينا نشوفها بعد ما عرفنا الخبر موت اخويا؛ مرضناش نسبها لوحده؛ جينا لقنيها كدا .
كانت لوحدها هى وابنها، حبيبى بره شاف امه ودمها بتصفى"
أنهت حديثها وهي تركض نحو إيمان الراقدة على الفراش عاجزة عن الحركة والقوة؛
احتضنتها وهي تبكي.
غادر الطبيب بعد أن أعطى الحقنة لإيمان، مع استغراب سمر لما فعل، وتركهم بعد ذلك وانصرف إلى الخارج، وعند نزوله إلى الأسفل، تحدث مع عيسى عبر الهاتف.
بنبرة خبيثه ولكنه حاول أن يكون طبيعى حتى لا يكشف أمره:
"الو أيوا عيسى باشا، أنا رحت البيت بس للاسف،
وصلت متاخر، البقاء لله"
سمع عيسى حديثه والخوف تسلل لقلبه، كان أن يتحدث بهدوء لكى لا يلفت الانتباه فقال بصوت منخفض:
"جهز كل حاجه للدفن يا دكتور،
علشان انهارده هدفنها هى وزوجها"
أجابه الدكتور بثبات:
"لا حول ولاقوة إلا بالله، حاضر هجهز كل حاجه، سلام"
رد عليه عيسى ثم اغلق الهاتف بسرعه:
" سلام "
جلس يفكر ما يفعل حسب خطه وذهب للقطاع ليخبر زين بوفاة إيمان أيضاً.
.............
في الأعلى داخل الشقه تحدثت عايده وهي تقترب من ابنتها
بصوت حاد لكن لم يخلو من الخوف:
" يلا اجهزى، و هاتى آسر معاكى، البلد عندنا عرفت بموت ابنى ومراته، وكل جاى يعزى ويحضر الدفن"
سمر بإرتباك:
"وانتى هتقبلى بالوصيه اللى ابنك عملها؟ "
نطقت عايده بغضب مخالط بالخوف والحزن:
"ايوه لازم أقبل، علشان يدفنوا مع بعض قبل ما هما يوصلوا، لازم قبل ما يجوا تكون، إدفنت
يلا ٠العربية تحت وفى ست جاية تغسلها،
والدكتور، هيجيب تصريح الدفن. "
وقفت سمر مقابله لوالدتها وتحدث برعب سكن قلبها:
"هما مش هيشكوا فى حاجه. "
تحاول أن تطمئن ابنتها،لكن تعلم أن القادم سكون هلاك للجميع:
"عيسى هيظبط كل حاجة، أهم حاجة،جينا لقناها على السلم سايحة في دمها،
وكويس أن جارتها مش هنا ولا كانت هتبقا مصيبه يلا"
أكملت حديثها وقامت لتفتح الباب.الذي كان يدق بقوه.
'''فتحت جدتي الباب، وإذ بامرأة غريبة الشكل تدخل الشقة،رأيتها تدخل الغرفة التي فيها أمي، ومكثت هناك وقتًا طويلًا، ثم خرجت.
وجدتي وعمتي يبكيان ويعانقانني،وبعد قليل دخل أربعة رجال كبار، ومعهم صندوق دخلوا به غرفة أمي.
ثم خرجوا وهم يحملون الصندوق الأربعة.وعندما خرجوا، أمسكتني جدتي من يدي وقالت بحزن:
"قوم يا حبيبى، يلا"
عندما تفوهت بتلك الكلمات، هرولت بكل قوتي نحو غرفة أمي وأنا أبكي، أمسح دموعي وأغمض عيني ثم أفتحها مجددًا، وأكذب عيني عما رأيت وما حدث أمامي.
ظللت أبحث عن أمي في الغرفة ولم أجدها، فظللت أصرخ، وجدتي تحتضنني وتأخذني وتنزل بي. وأنا أصرخ محاولًا دفعها عني، أريد الصعود لأبحث عن أمي، أين ذهبت أمي؟ نزلت إلى الأسفل فوجدت الرجال يضعون الصندوق في سيارة الإسعاف، وكثير من الناس تحت المنزل، والعديد من النساء يأتين إلى جدتي ليحتضنها، ويقلن:
‘تشددي يا أم أحمد، الله يصبر قلبك يا حبيبتي، وها هو الله كرمك بابنك الغالي، الله يعينك.’
وعايدة تصرخ بقوة:
‘حبيبي يا ابني.’
'''كثير من الناس كانوا يتحدثون ويحتضنون جدتي وعمتي، هؤلاء كانوا جيران جدتي، أتوا ليقفوا معها.
ركبنا السيارة وظللنا نسير لمدة طويلة، هذا ليس منزل جدتي، هذا المكان الذي كنت أذهب إليه مع أمي، نعم، أنا أعرف هذا المسجد، كانت أمي تأخذني كل جمعة لنصلي العصر فيه، ونذهب لزيارة قبر صديقاتها، كانتا اثنتين، قالت أمي إنهما عند الله، لكن ماذا نفعل هنا، وأين أمي، ولماذا كل هؤلاء الناس؟
لما نزلت من السيارة وجدت أصدقاء أبي، كانوا يرتدون ملابس الجيش مثله.
يعني أبي هو أيضًا هنا، تركت جدتي وركضت نحو القائد زين، أنا أعرفه. كان أبي يقول عنه إنه أخوه.
أبي قال لي إنه إذا احتجت شيئًا وهو غير موجود، أذهب إلى القائد زين، فهو صديق عمره وأبي الثاني.
لم أفكر في شيء سوى أن أحتضنه وأبكي وأسأله عن أبي، هل رآه، أين هو؟"
نطق ببكاء مريب وجسد مرتجف:
" بابا"
.. ضمه زين بقوة ويحاول تهدئته بكلمات مواساة تحمل الحب والعطف:
" اهدى حبيبى، أهدى أنا هنا معاك، ومش هسيبك ابدا، أنا موجوده مش هتخلى عنك، انتا بطل، صح حبيبى"
'''كان يتحدث وهو يحتضنني بقوة، وأنا كنت أهز رأسي مع كل كلمة. ثم أبعدني عن حضنه وقال لي بصوت ثابت لكنى رأيت الدموع في عيناه:
''أنت عارف بابا فين دلوقتي؟''
حركت رأسى ونطقت بحزن:
''بيقولوا إنه توفي، سمعت نانا وهي تقول كدا.''
وبكى بكاءً يحرق القلوب، بكاء اليتم والحرمان.
ثم أخذني في حضنه مرة أخرى وقال:
''والدك ذهب إلى الله، لكنه سيظل حيًا بداخلنا، لن يغادرنا أبدًا.''
نطق بصوت متشنج من البكاء:
''وماما كمان؟''
... كان يشعر بالشفقة على الصغير، فقد مر بما يمر به الآن، وهو فقدان السند والحرمان من والده.
نادت على أمي بخوف:
''ماما.''
أخذني في حضنه وحملني، ودخلت معه المسجد، وجدت صندوقين؛ الأول رأيته يخرج من شقتنا، والثاني مغطى بعلم مصر. مشيت معه حتى الصندوقين، وقال لي وهو يجلس أمامى ويضع يداه على أعلي ذراعي:
"عاوز توداعهم؟''
نطق بصوت مرتجف:
''نعم.''
هززت رأسي، وهو فتح الصندوق الأول وكان به والدي، احتضنته وقبلت رأسه، كان يرتدي ملابس عمله وكانت ملطخة بالدماء. عندما رأيته تذكرت أمي وهي ملطخة بالدماء أيضًا، تراجعت للخلف فجأة وأنا أضم رجلي وجسدي يرتعش.
عم زين جاء وأمسكني واحتضنني.
وأغلق أصدقاء والدي الصندوق مرة أخرى، ثم بدأ الشيخ بالصلاة وقراءة الدعاء، وأخرجني عم زين إلى خارج المسجد حيث كانت جدتي.
وعندما تركني معها، أغمي علي.
امرأة من أهل البلد:
'حبيبي يا ابني، الله يكون في عونك.'
عايدة بحزن وألم حقيقى تصرح:
'ابني راح، آه، ابني.'
كانت تبكي بصدق على فراق ابنها، من يراها الآن بهذا الضعف، لا يصدق ماذا فعلت في الساعات السابقة.
انتهت صلاة الجنازة وأخذوا الجثمان إلى السيارة ليتم الدفن.
تقدم زين من عايدة، وهو يعزيها ويصبرها، ويحدثها عن الوصية ليتم الدفن.
القائد زين:
'البقاء لله، أعلم أنه ليس الوقت المناسب، لكن في وصية يجب أن تُسلم لزوجة المقدم أحمد، لكن هي كمان...'"
... توقف الكلام في صدره ولم يعرف ماذا يقول؛ فقد كان حزينًا فعلًا على وفاة صديقته وصديقه، دموعه خانته وسقطت على خده، مسحها بسرعة قبل أن يلاحظها أحد.
كانت ترغب في انتهاء اليوم بسرعة، فقاطعته في الكلام بسرعه وقالت:
" عرفه بالوصية يا ابنى، موافقة إن ابنى يدفع مع مراته"
القائد زين أجاب بثبات ولكن شعور القلق يمتلك قلبه ولا يعرف السبب:
'تمام.'
ثم ذهب نحو السيارة وأخذ الجثمان إلى المقابر، وهو محتار والقلق ينهش قلبه مما يحدث، لا يدري سبب مواقف صديقه تجاه هذه الوصية ولماذا هنا، لماذا ليس في مقابر العائلة.
_وصف زين ما رأى:
'وصلت إلى المقابر، المسافة لم تكن بعيدة، دقائق معدودة فقط، وعندما وصلت وجدت مكانًا كبيرًا، مليئًا بالأشجار، وبه بوابة كبيرة، وكان هناك حارس يجري نحونا.'
الحارس بحيره وقلق:
"خير يا بيه،مين اللي مات!"
القائد زين أجاب:
'أنت الغفير هنا؟'
الحارس والقلق ياكله من الداخل وعلامات الصدمه تحتل وجه:
'أيوه يا بيه، أنا المسؤول هنا.'
القائد زين بحيره وخو ينظر حوله:
'فين مقابر ورد الياسمين؟'
سأل الحارس بأستغراب:
"خير يا بيه، مين مات، حصل حاجه، الدكتورة كانت هنا يومين، فى اى"
القائد زين بحزن:
'الدكتورة إيمان وزوجها المقدم أحمد توفيا، وفي وصية بأن يُدفنوا هنا، افتح الباب،بسرعه.'
الحارس بطاعه وحزن:
'حاضر يا بيه، لا حول ولا قوة إلا بالله، كانت هنا من يومين، لا حول ولا قوة إلا بالله، تفضل يا بيه.'
ثم فتح الحارس الباب."
"وقف الجميع في ذهول من المشهد؛ فهناك عدد كبير من المقابر، ثلاثة عشر مقبرة. اثنتا عشرة مقبرة جنبًا إلى جنب، وواحدة أمامهم. وعلى كل مقبرة مكتوب اسم، لكن هناك مقبرتين مغلقتين، والباقي مفتوح.
قال القائد زين في حيرة:
"إيه دا؟ أنا مش فاهم حاجه، احنا هندفنهم فين، أي مقبرة من دول؟''
أجاب ضابط بصاح:
''يا قائد، في مقبرة مفتوحة مكتوب عليها اسم الدكتورة إيمان.''
اقترب زين منها وتساءل:
" يعنى دى اللى هتدفن فيها، طب وأحمد"
دخل الضابط المقبرة ونادى على زين:
''تعال وشوف يا قائد، المقبرة مقسمة إلى أجزاء."
ذهب زين وتحقق مما قاله الضباط.
وافق زين وتم الدفن. بدأوا بدفن أحمد في الجزء الأيمن من المقبرة، وبعد ذلك دُفنت إيمان بجواره.
نظرات الاستغراب والدهشة تعلو وجوه الجميع؛ فكل مقبرة مقسمة إلى أربعة أجزاء، وهناك اثنتا عشرة مقبرة بجوار بعضها، مقبرة إيمان في المقدمة.
وتلك الشجرة الكبيره على يمينها تحمل اسم الجاسر.في جاسر يكون؟
العديد من الأسئلة بلا إجابة تدور في عقله الشارد ولا يعرف لها جوابًا.
كان المكان غريبًا يثير فضوله، مليء بالغموض، يبدو من الخارج كقصر لا كمقبرة، ومن الداخل يوجد الكثير من الأشجار والمقاعد والمصاحف، كل هذه الأشياء عددها ثلاثة عشر، اثنتا عشرة بجوار بعضها، وواحدة في المقدمة. الفضول يسيطر عليه، يريد معرفة كل شيء.
فاق من أفكاره على صوت الرائد عماد وهو ينادي عليه:
''يا قائد، انت روحت فين؟ كنت بنادي عليك من فترة، الرجال خلصوا، مش هقرأ الفاتحة؟''
'أجاب القائد زين:
''تمام.''
وبدأ يقرأ ويدعو لهم، وبعد ذلك كان يخرج لكنه لاحظ شيئًا غريبًا، اتجه نحوه وطالع اللوائح الموضوعة على الاثنتي عشرة مقبرة، كلها مفتوحة ما عدا اثنتين مغلقتين، وبها نفس التقسيمة الأجزاء من الداخل، وعلى كل مقبرة لوحة مكتوب عليها الاسم، وتاريخ الميلاد، ولقب. وما زاد فضوله أكثر، أنها كلها بنفس الاسم (ياسمين) ونفس تاريخ الميلاد،3/8 لكن الألقاب مختلفة. حار بين الألقاب، ولم يكن هناك أسماء محافظة، لكن كان مكتوبًا بجانبها اللقب.
تنهد كثيرًا ووضع يده على شعره وقال:
"إيه الغبطه دي بقا؟أكيد دول هما الي قال لي أحمد عليهم، ووصاني أقول لهم أن يحافظوا على إيمان، وأنه كان غصبًا عنه، وأن يسامحوه، وأقول لهم إن ابنه على قيد الحياة. أنا مش فاهمه حاجه، ايه المفروض اعمله ؟ و ازاي اعرف طريقهم؟ وهو قال لي أنه بِعد عنهم من خمس سنين، يا رب.''
... كان محتار بالفعل، وشعر أن رأسه سينفجر. صديقه أوصاه على ابنه وزوجته، زوجته التي توفيت في نفس اليوم. 'ماذا سأقول له؟ لم أستطع الحفاظ على الأمانة، ولا على ابنه.'
تذكر فجأة:
''أه، صحيح، أنا نسيته تمامًا، فضولي أخذني ونسيته.''
خرج وقبل أن يخرج من الباب، التفت مرة أخرى إلى المقابر وقال:
'أكيد هرجع تاني هنا، لازم اعرف كل حاجة، أنتم مين يا ورد الياسمين؟'
ثم خرج."
... بعد خروج زين من المقابر، وقف الهواء البارد يتسلل إلى عظامه، ليحمل معه عبق الموت والحزن الذي خيم على المكان. التقى بأصدقائه والضباط المتواجدين بالخارج بجوار عائلة المقدم أحمد.
مشاعر الأسى والوجوم كانت تسكن وجوههم، كأنها مرآة تعكس الفقد الكبير الذي اجتاح الجميع.
بينما كان يبحث بعينيه عن الحارس الذي اختفى دون أثر، كانت نبضات قلبه تتسارع، ليس فقط بسبب الحزن، ولكن لشعور غير مريح يتسلل إلى صدره.
تقدم زين نحو والدة المقدم أحمد، السيدة عائدة، التي كانت جالسة بحزن على مقعد خشبي بجوار المقابر في الخارج.
كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، ووجهها شاحب كأنه مرآة لروحها المكسورة. وقف أمامها زين، متمالكًا دموعه التي كانت على وشك الانفجار، ثم تحدث بصوت مبحوح، مليء بالأسى:
"إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله، شدي حيلك، كوني قوية. أنا دائمًا موجود إذا احتجتِ أي شيء. أحمد كان أكثر من أخ ليا، هو موصيني عليكي وعلى ابنه ومراته. بس هي دلوقتي معاه زي ما كانوا بيتمنوا... الله يرحمه."
نظرت إليه عائدة بعينين مليئتين بالألم والفراغ، لم تكن قادرة على النطق في البداية، كأن الكلمات خانتها، لكنها جمعت شتات نفسها وأجابت بصوت مخنوق بالدموع:
"تسلم يا حبيبي... أحمد كان بيقول إن عندك كل خير، لو احتجت أي حاجة هقولك. إنت دلوقتي مكان ابني."
ثم احتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تستمد منه بعض القوة التي فقدتها مع رحيل ابنها. كان صوت بكائها يعلو تدريجيًا، نبرتها الحزينة تخترق شهقاتها، ودموعها المتساقطة لا تتوقف، تسيل على كتفه دون مقاومة.
شعر زين بثقل الحزن الذي تحمله بين ذراعيه، وابتعد عنها قليلًا، لكنه ظل ممسكًا بيدها، وكأنه يريد أن يكون لها دعامة في هذا الوقت العصيب. بادرها بالسؤال بصوت يحاول أن يكون هادئًا رغم اضطرابه الداخلي:
"آسر عامل إيه دلوقتي؟"
تنهدت عائدة بصعوبة، وابتسامة حزينة شقت طريقها بين دموعها. ردت بصوت متهدج:
"حبيبي من أول لما فاق وهو مش بيتكلم خالص، خايفة عليه أوي ليروح مني زي أبوه... هو اللي فاضل لي من ريحته."
كان زين يعرف أن الألم الذي تتحدث عنه ليس فقط ألم الفقد، بل خوف من المستقبل، من أن تظل وحيدة. رد عليها بحزم وهو يحاول أن يزرع الطمأنينة في قلبها:
"هو مسؤوليتي لحد لما أنفذ الوصية وأسلمه لدكتورة."
في تلك اللحظة، ساد الصمت، وكان الصمت أكثر تعبيرًا من أي كلمات.
شعرت عائدة بقلق شديد، انعكس على ملامحها، التي بدأت تتحول إلى اللون الأصفر، وكأنها تجرعت سُم الخوف فجأة.
رفرفت شفتاها بالكلمات دون أن تخرج، وحين تمكنت من الحديث، كانت كلماتها متهدجة ونبرتها قلقة:
"دكتورة إيه يا بني؟"
نظر إليها زين بنظرة مشفقة، محاولًا أن يخفف من وطأة الأمر، لكنه كان يعلم أن الحقيقة ستحطمها أكثر:
"كنت مع أحمد في المهمة عندما أصيب، وكنت أقرب شخص ليه. أوصاني بأن أعتني بابنه وزوجته وأن أحاول أصلح سوء التفاهم اللي حصل بينه وبين 'ورد الياسمين'. ما فهمتش منه حاجة وقتها، بس هو قال لي."
بدت الحيرة على وجهها، ولم تعرف إن كانت تريد الاستمرار في طرح الأسئلة أم أنها تخشى الإجابة.
كانت تلك اللحظة الفاصلة التي أدرك فيها زين أن هناك شيئًا ما خفيًا، شيئًا أكثر من مجرد حزن أم فقدت ابنها.
بدأت عينا زين تدمعان وهو يسترجع تلك اللحظة القاسية، وكأنها تعاد أمامه بكل تفاصيلها. كان الألم واضحًا على وجهه وهو يروي الحادثة لعائدة.
كانت تجلس أمامه، تنتظر الكلمات التي ستنهي تلك الغموض الذي يحيط بموت ابنها، لكن زين كان يعرف أن هذه الكلمات ستجلب لها مزيدًا من الألم.
قال زين بصوت حزين:
"كنا في المهمة، وكانت النار شغالة من كل اتجاه. فجأة، سمعت صوت طلقة، ولما بصيت حواليَّ، لقيت أحمد واقع على الأرض. ركضت ليه بكل قوتي، وقلبي كان بيصرخ قبل ما لساني يقدر ينادي عليه. أمسكته ونيمته على رجلي. كان نفسه ثقيل، وكنت شايف في عينيه أن الألم مابيسيبهوش."
نطق أحمد بصوت ضعيف ومتهدج، كأنه يحاول أن يقاتل الألم ليوصل رسالة أخيرة:
"زين... زين..."
حاول زين أن يبقى هادئًا رغم خوفه، فابتلع غصة في حلقه وقال بصوت مرتجف:
"استشهد يا أحمد، أنا جنبك، طلبت الدعم، وهما على وصول."
لكن أحمد كان يعلم أن النهاية قريبة، نظر إلى زين بعينيه الممتلئتين بالحزن والوداع وقال:
"خلاص يا صاحبي، مافيش وقت، أنا رايح خلاص."
انهار زين أمام تلك الكلمات، وكان يحاول بكل طاقته أن ينكر الواقع، فقال بسرعة وبتوسل:
"لأ ما تقولش كده؛ احنا هنفضل سوا على طول؛ إنت مش عاوز تشوفني عريس؟ مش دي أكتر حاجة نفسك فيها؟ هتقوم وهتجوز عشان تفرح فيا، زي ما إنت عاوز؛ قوم يا صاحبي."
ولكن أحمد كان يعلم أن الوقت ينفد، فقرر أن يقول ما يشغله، فقال بصوت متقطع:
"عاوز أقولك على حاجة مهمة؛ اوعدني يا صاحبي؛ إنك هتعمل كده، اوعدني."
لم يكن زين قادرًا على رفض أي طلب لأحمد في تلك اللحظة، فقال بحزم وحزن:
"اوعدك يا أحمد، إني أعمل أي حاجة انت عاوزها، بس خليك معايا."
أمسك أحمد بيد زين بقوة، وكأنها كانت آخر قوة متبقية له، وقال بصعوبة:
"إيمان... إيمان... يا زين... أمي ابعدها عنها."
تفاجأ زين بالكلمات، ولم يفهم ما يقصده أحمد، فسأله بسرعة وقلق:
"مالها مراتك وابعدها إزاي؟"
رد أحمد بصوت متقطع وضعيف، وكأن الكلمات تخرج من روحه أكثر من فمه:
"وديها عندهم، هما اللي هيحموها، هما اللي هيحموها."
كانت الكلمات تزيد من حيرة زين وقلقه، فسأله بلهفة:
"هما مين؟ وهيحموها من إيه؟"
أجاب أحمد بصوت شبه ميت، كأن حياته كانت تتسرب منه مع كل كلمة:
"أمي... أمي..."
كان زين يشعر بالعجز، لا يستطيع فهم ما يحدث، فسأله بسرعة:
"مالها يا أحمد؟ أنا مش فاهم حاجة."
بدأ زين يسترجع اللحظات الأخيرة من حياة أحمد، تلك اللحظات التي حفرت في ذاكرته إلى الأبد.
كان الألم يلف كل كلمة، وكل حركة، وكل نظرة في تلك اللحظة، حيث الحياة والموت اختلطا في مشهد واحد.
بينما كان أحمد يحتضر بين ذراعي زين، نطق بصعوبة، كأنه يقاتل الألم ليتمكن من توصيل وصيته الأخيرة:
"في ورقة أنا كتبها في هدومي، وديها لإيمان، وقولها تسامحني... وتقولهم يسامحوني... أنا السبب في اللي حصل... أنا سمعت كل حاجة حصلت بينهم وبين أمي... بس ما قدرتش أكسر أمي قدامهم... دي أمي... قولت هتتغير وهتحب مراتي... بس لا، هي بتكرهها... وكرهها ليها ممكن يعمل فيها أي حاجة... وأنا خلاص رايح ومش قادر أحميها تاني... بس هما يقدروا... قولهم ابني عايش ما ماتش... قولهم يا زين."
كان زين يشعر بعبء الكلمات التي قالها أحمد، كأنها أثقال وضعت على كاهله في تلك اللحظة. حاول أن يتمالك نفسه، فقال له بنبرة متوسلة:
"حاضر، أعمل كده صدقني، بس انت قوم يا صاحبي."
لكن أحمد كان يعرف أن وقته انتهى، فابتسم ابتسامة مؤلمة وقال:
"أنا ادفن بهدومي في نفس المكان اللي فيه ورد الياسمين... مش في مقابر العيلة... يا زين."
لم يكن لدى زين أي قدرة على الرفض، فوافق بكل حزن:
"حاضر يا أحمد، حاضر."
ثم فجأة، شعر زين باليأس يسيطر عليه، فصرخ بألم:
"أحمد، لا يا أحمد، قوم يا صاحبي!"
كانت الصرخة تعبر عن الفراق الذي لم يكن زين مستعدًا له، ولكنه كان يعرف أن لا مفر منه. حاول أحمد أن يخفف عنه، لكن صوته كان يختفي مع كل كلمة:
"أه... أه... خلاص يا صاحبي... خلاص."
في تلك اللحظة، لَفَظَ أحمد أنفاسه الأخيرة، وغادرت روحه جسده.
نطق زين بصعوبة وكلمات متقطعة:
"استشهد يا أحمد."
صرخ زين بألم شديد، صرخة مزقت سكون المكان:
"أحمد!"
كانت الصرخة تعبيرًا عن فقدان شخص عزيز، صديق كان جزءًا من روحه. لم يكن قادرًا على قبول الحقيقة، وبقي يصرخ باسم أحمد وكأنه يحاول استعادته للحياة.
وصلت الضباط على صوت زين الصارخ عبر الجهاز، وقاموا بأخذ جسد أحمد إلى السيارة.
لكن زين لم يستطع أن يتحرك، ظل في مكانه، وصوت صياحه يعلو أكثر مع كل لحظة، كأن الألم يزداد حدة كلما أدرك الحقيقة.
ظل زين على هذا الحال لفترة طويلة، حتى انتهت القوات من القضاء على الإرهابيين وتطهير المكان. كان الوقت قد فات، وأبلغ زين بوفاة أحمد.
عندما سمع زين الخبر، كان الأمر أكبر من أن يتحمله. لم يكن قادرًا على الكلام، فطلب من عماد الاتصال بحرم المقدم أحمد وإعلامها بوفاة زوجها.
. ❝ ⏤ياسمين خاطر
في قطاع 115، كان زين يجلس منهارًا، محطماً بسبب فقدان أحد أقرب أصدقائه، الرائد عماد. دخل الغرفة بسرعة والقلق يأكله، يتحدث بصوت ملهوف ومتسرع:
"في مشكلة يا قائد."
نظر إليه زين بترقب وسأل:
"خير، في إيه يا عماد؟ بلغت أهل المقدم أحمد؟"
رد الرائد عماد بصوت متوتر:
"أيوه يا قائد، كلمت الدكتورة، لكن فجأة مش بترد، وابنها الصغير بيصرخ في التليفون. أنا بحاول أهديه، وبقوله هتصرف، لكن أنا مش عارف أعمل إيه."
تأمل زين الموقف للحظة قبل أن يقول بحزم:
"أنا هبلغ أم المقدم أحمد بنفسي، وأقولها باللي حصل. وهما أكيد هيتصرفوا."
هز الرائد عماد رأسه بالموافقة وقال:
"تمام يا قائد."
........ .............. .........
في بيت والدة المقدم أحمد.
كان الألم يتفجر من كل زاوية.
الأم عايدة بصوت مليء بالصدمة والوجع:
"إنتا بتقول إيه؟ ابني مات؟ إزاي دا حصل؟ ابني مات، يا خالق، ابني مات!"
صوت صراخها يملأ الصالة، يرتد في أرجاء المنزل وكأنه صدى لمأساتها. تحاول السيطرة على نفسها، لكن الألم يجتاح قلبها بلا رحمة.
ابنتها سمر تقف بجانبها، تحاول تهدئتها، ولكن الدموع تملأ ....... [المزيد]