ياسمين خاطر كاتبة مصرية، تتميز بأسلوبها الخاص في كتابة أدب النثر ولها عدة مؤلفات إلكترونية منها أنياب الورد لها مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ أنياب الورد الروايه الاولي ❝ ❞ "قطيع الذئاب "الرواية الثالثة من (سلسلة ورد الياسمين) الجزء الاول ❝ الناشرين : ❞ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ❝
ياسمين خاطر كاتبة مصرية، تتميز بأسلوبها الخاص في كتابة أدب النثر ولها عدة مؤلفات إلكترونية منها أنياب الورد ❰ لها مجموعة من الإنجازات والمؤلفات أبرزها ❞ أنياب الورد الروايه الاولي ❝ ❞ "قطيع الذئاب "الرواية الثالثة من (سلسلة ورد الياسمين) الجزء الاول ❝ الناشرين : ❞ جميع الحقوق محفوظة للمؤلف ❝ ❱
واتساب (WhatsApp) هي منصة تراسل فوري تمكن المستخدمين من إرسال رسائل نصية وملفات ومكالمات صوتية ومكالمات فيديو عبر الإنترنت. تأسست واتساب في عام 2009 وأصبحت شهيرة بسبب سهولة استخدامها وانتشارها الواسع.
الميزات الرئيسية لواتساب تشمل:
1. *الرسائل النصية: * يمكن للمستخدمين إرسال رسائل نصية فورية إلى أصدقائهم وجهات الاتصال الأخرى.
2. *المكالمات الصوتية والفيديو: * إمكانية إجراء مكالمات صوتية ومكالمات فيديو عبر الإنترنت مع جهات الاتصال الأخرى.
3. *الملفات والوسائط: * يمكن للمستخدمين مشاركة الملفات والصور ومقاطع الفيديو والرسائل الصوتية.
4. *المجموعات: * إمكانية إنشاء مجموعات للدردشة مع عدة أشخاص في وقت واحد.
5. *الحالة والقصص: * يتيح للمستخدمين نشر حالة (Status) تعبر عن حالتهم الحالية، وهي مرئية لمستخدميهم لمدة 24 ساعة.
6. *الأمان والتشفير: * واتساب يستخدم تشفير الرسائل من نهاية إلى نهاية لضمان أمان المحتوى.
7. *المكالمات الصوتية والفيديو الجماعية: * إمكانية إجراء مكالمات جماعية صوتية وفيديو مع عدة أشخاص في نفس الوقت.
واتساب أصبحت واحدة من التطبيقات الرائدة في مجال التراسل الفوري وتحظى بشعبية كبيرة حول العالم، خاصةً في ظل سهولة استخدامها وتوفيرها لمجموعة واسعة من الميزات.
❞المؤلِّف الذي يعزز من عمق الأفكار ويفتح أبواب الخيال، يقودنا في رحلات استكشاف إلى عوالم غامضة ومثيرة.❝ يسعدنا أن نقدم لكم فرصة التواصل المباشر مع شخصيات عامة مؤثرة رائجين في مجال التأليف، على المنصات الاجتماعية. ابقوا على اطلاع دائم بأحدث المحتويات والتحديثات مع عوالمهم الإبداعية والرؤى الفريدة.
go more
❞الكاتب الذي يجمع بين الكلمات والجمل بشغف، يُصِيغ العبارات ببراعة تجعل كل سطر يرتقي إلى مستوى فني.❝ يسعدنا أن نقدم لكم فرصة التواصل المباشر مع شخصيات عامة مؤثرة رائجين في مجال الكتابة، على المنصات الاجتماعية. ابقوا على اطلاع دائم بأحدث المحتويات والتحديثات مع عوالمهم الإبداعية والرؤى الفريدة.
آسر وسر مذكرات أمه: في خضم أيام الإجازة، ومع مرور كل يوم، ظلَّ آسر متأرجحاً بين الحلم والواقع. كان يقترب من لحظة عودته إلى مدرسته بينما في داخله صراعٌ مرير، لم يكن قادرًا على التهرب منه. أما عايدة، فقد كانت تتعمد، دون رحمة، أن تسلب من آسر كل شعور بالراحة والطمأنينة التي قد تكون لديه، ولسانها اللامتوقف كان كالسيف يقطع كل خيط أمل في قلبه. كلما دخلت عايدة إلى غرفة آسر، كانت تجد الصغير غارقًا في شروده، وعينيه مسمرتين على صورة والدته. كان يعاني من الغياب، وهو لا يزال يتذكر آخر لحظات مع والدته التي رحلت عنه، ولا يزال يرتدي الحزن كعباءة ثقيلة. دخلت عايدة الغرفة ذات يوم، وبنبرة حادة: "إنت قاعد تعمل إيه؟ يلا نام، الإجازة خلصت، بكرة في مدرسة. ولا هو يعني علشان هتاخد بقيت السنة إجازة، هتلعب من أولها؟ يلا." آسر، بصوت خافت: "حاضر يا نانا." عايدة، بتفويض صارم: "يلا." قام آسر إلى سريره، وهو يحاول يضع في ذهنه أن كل ما يفعله هو مجرد حالة من الانتظار للعودة إلى حياته الطبيعية، لكن كلما حاول أن ينام، كان وجه والدته يلاحقه في أحلامه، وتذكره برفق الصورة التي يحتفظ بها في حضنه. مرت الأيام كالساعات، وتوالت الأسابيع. كان آسر يذهب إلى المدرسة ويعود إلى أجواء المنزل التي تطغى عليها قسوة عايدة وكلماتها السامة. عادت عادته بعد المدرسة، حيث يذهب إلى غرفته، ويجلس ممسكًا بصور والدته ووالده، مُستمدًا من هذه الصور بعض السكينة قبل أن يخلد إلى النوم. في أحد الأيام، بعد عودته من المدرسة، دخلت عايدة الغرفة مرة أخرى: "إنت لسه قاعد هنا؟" آسر، بهدوء مكتوم: "لا يا نانا، أنا بعمل الواجب." عايدة، بشدة: "يلا، خلص وانام." آسر بخوف: "حاضر." بعدما خرجت عايدة، قام آسر بإنهاء واجباته المدرسية بسرعة. كان الوقت يمر ببطء شديد، وبالتأكيد كانت عايدة على وشك الدخول مجددًا، فاستعجل في إنهاء ما عليه. بعد أن أتم الواجب، أخرج صور والديه من حقيبته، وأخذها في حضنه، مستعدًا للنوم، وهو يحاول إغلاق عينيه. هذه الليلة، لم يكن عاطفياً كما في الليالي السابقة. كان لديه تصميم جديد؛ سمع من عايدة حديثاً عن خطة محاكة ضد أصدقاء والدته وعمه زين. هذا ما جعله يقرر أن يتخذ خطوة جريئة.كان يعتقد أن قراءة مذكرات والدته، التي كانت تحتوي على كل أسرار حياتها، قد تكون مفتاحًا لفهم الحقيقية واسترجاع حقها. قبل أن يبدأ في قراءة المذكرات، سمع صوت عايدة خارج الغرفة. سارع إلى سريره، وتظاهر بالنوم، وهو يشعر بقلبه يخفق بسرعة. كانت عايدة واقفة عند الباب، وكان خائفًا أن تكتشف أنه لم يكن نائمًا بعد. ظل مغطى بغطاء السرير، وعينيه مغلقتين بشدة، حتى شعر بالنعاس يغلب عليه. في قلبه كان يدعو الله أن يكشف له الحقيقة، وأن يعيده إلى نقطة توازن، حتى يتمكن من استرداد حقوق والدته، والانتقام من أولئك الذين ظلموها. في صباح اليوم التالي، تسللت خيوط الشمس إلى الغرفة عبر النوافذ، بينما كان آسر غارقًا في سبات عميق. لكن فجأة، صرخ من وقع الماء البارد الذي صبته عايدة عليه، وهو يصرخ: "آه، آه، آه، في إيه؟" عايدة، بعصبية: "كل دا نوم؟ قوم، المدرسة. لو كنت بتنام بدري، كنت صحيت بدري. وبعدين، تعال هنا، كنت بتقول إيه وإنت نايم؟" آسر، وهو لا يزال في حالة من الارتباك، حاول استيعاب ما يحدث: "نانا، أنا..." عايدة بغضب وحده: "إنت مش سامعني؟ بلاش تأتأ، اتكلم!" آسر، غير قادر على فهم الموقف بالكامل، حاول أن يوضح: "أنا مش عارف في إيه، أنا كنت نايم والله يا نانا، ما عملتش حاجة." عايدة، بتجاهل تام لمشاعره، أضافت ببرود: "يلا، اغور، وعمل حسابك، ما فيش فطار." آسر، وهو يمسح دموعه التي اختلطت مع الماء الذي غسلت به وجهه، تمتم لنفسه: "هو أنا يعني كنت بفطر؟ أنا باكل بقايا الأكل. ربنا يسامحك يا نانا." بكى بشدة، وكانت دموعه تتساقط وتختلط بالماء الذي كان يغسل به وجهه، وكأن حزنه يفيض مع كل قطرة. ثم ذهب ليجهز نفسه للمدرسة، بينما استمر يومه كالعادة، دون تغيير يذكر، متجاوزًا كل محنة جديدة بمشاعر مدفونة عميقًا. وفي مساء، دخل آسر غرفة بعد أن انهى طعامه. كانت خطواته ثقيلة، لكنه حاول ألا يظهر حزنه. بمجرد دخوله غرفته، أسرع نحو الدولاب، وسحب منه دفتر مذكرات والدته. جلس على سريره، قلبه يخفق بتسارع، وبدأ يقرأ أولى صفحاتها. كانت الكلمات مكتوبة بعناية، تحمل بين السطور ذكريات وأحلام وحنين. شعر وكأنه يغوص في عالم آخر، حيث تلتقي الذكريات القديمة بالواقع الحاضر، ليجد في تلك الكلمات عزاءً لروحه المتعبة. كان آسر جالسًا على سريره، والقمر يرسل خيوطه الفضية عبر النافذة، لكنها لم تكن كافية لتبدد الظلام الذي أحاط بقلبه وهو يمسك بدفتر مذكرات والدته. فتحه بيدين مرتجفتين، وكانت الصفحة الأولى تحمل صورة قديمة، تجمع والدته وجدته وجده عندما كانت صغيرة. تلك الصورة كانت مألوفة له، فقد رأها من قبل حين كانت والدته تُظهرها له، ولكن ما أحزنه أكثر أنه لم يرَ أصحابها في الحقيقة، حتى ولو في صور أخرى. بدأ يقرأ ببطء، وكأن كل كلمة كانت تثقل قلبه أكثر: "عارف إنك دلوقتي بتقرأ مذاكراتي، ماتزعلش مني لو كنت قصرت في حقك. إنتا عارف إنك أغلى شخص في حياتي إنتا وأحمد، وأنا قررت إني أكتبلكم حياتي وكل حاجة عني. مش عارفة مين فينا هيموت بس قررت إني أكتبها؛ أحمد على طول مسافر علشان شغله، وإنتا دلوقتي تميت السنتين. وأنا بكون لوحدي، وهما وحشوني أوي ونفسي يرجعوا. حبيت أكتبلك حياتهم معايا. وازاي عرفتهم، هتحبهم أوي. عارف إنك عمرك ما شفتهم، بس أحمد عرفهم كويس. عارف يا أحمد إنك هتزعل مني، بس أرجوك سامحني، عاوزه ابني يعرفهم حتى لو من خلال مذكراتي. فأرجوك لو أنا فارقت الحياة الأول، إنك تسمح لآسر يقرأها على الأقل علشاني أنا. دي أمنيتي الوحيدة بعد موتي أرجوك نفذها." بينما كان يقرأ، شعر آسر بدموعه تنهمر بصمت، كان يعرف أن هذه الكلمات كتبت بحب وألم، وكان يعلم أن والدته كتبتها وهي تفكر في المستقبل الذي لم تكن متأكدة من أنها ستكون جزءًا منه. قلب الصفحة ببطء، وكأنه يخشى ما سيقرأ بعد ذلك: "حبيبي ماتزعلش أنا موجودة على طول جنبك في كل مكان إنتا فيه أنا معاك وهفضل معاك على طول. خالي بالك من الكتاب دا فيه أحلى حاجة في حياتي." ضمت يديه الكتاب إلى صدره بشدة، وكأنه يحاول أن يحتفظ بجزء من والدته الحبيبة. بكى وهو يقبل الكتاب، متمنيًا لو كانت هنا لتحتضنه. بعد لحظات من الهدوء، مسح دموعه وأعاد فتح الكتاب ليكمل القراءة: "عارف يا آسر. أنا كمان زيك حبيبي، وحيدة أبويا وأمي، ملهمش غيري. ولا أنا ليّا غيرهم، حياتنا كانت عادية جدًا. أمي كانت ربة منزل بتشتغل من البيت بتعمل أكل وحلويات وتقعد قدام البيت بتبيعهم؛ وأبوي كان أرزقي على الله كل يوم شغلانة شكل، ويوم يلاقي ويوم لاء، وحياتنا كانت ماشية والحمد لله. أنا كان نفسي أكمل تعليمي، وبابا كان فرحان بيّا أوي لما قولته نفسي أكون دكتورة؛ كان بيشجعني على طول هو وماما. لكن جدتي وأعمامي لاء، مش بيحبوني ولا بيحبوا أمي، زي جدتك كدا مش بتحبني. كانوا بيتدخلوا في كل حاجة، ودايما بيقولوا إيه لازمة التعليم خليها في البيت وجوزها لابن عمها. لكن بابا كان أول مرة يرفض ليهم طلب، وأصر إني أكمل ورفض إني أتزوج ابن عمي. كنت فرحانة أوي من قراره دا. أنا كمان مش بحبهم ومش عاوزة أكون وسطهم؛ نفسي نبعد عنهم، لكن للأسف بابا اللي بعد عنّا للأبد." شعر آسر بألم في قلبه وهو يقرأ عن والدته، وعن أحلامها التي كانت بسيطة ولكنها ذات معنى عميق. كانت تتحدث عن رغبتها في الهروب من واقع ضيق، عن شغفها بالتعلم، وعن دعم والدها لها. لكنه شعر بثقل الفراق الذي أحاط بتلك الكلمات. ثم وصل إلى الجزء الذي أخبرته فيه عن ذلك اليوم المشؤوم: "كان معايا الصبح وهو بيوصّلني للمدرسة؛ كان عندي امتحان جبر وإنجليزي. كنت في سنة ثالثة إعدادي ودا امتحان آخر السنة، بعد لما وصلني قالي؛. هروح أشوف الشغلانة اللي عمي فهمي جابهاله؛ كانت في منطقة بعيدة عنّا بأكتر من ساعتين؛ هاشتغل معاه عامل تحميل طوب و أسمنت، راح معاه وللأسف ما رجعش.خلصت إمتحان و روحت على البيت. فضلت مستنيه. لكن هو إتأخر أوي، خرجت أنا وماما نسأل مرات عم فهمي عليه.قالت انها متعرفش حاجه عن زوجها من وقت لما خرج الصبح وقال هيعدي على بابا عند المدرسة. رجعنا البيت ومش عارفين نتصرف إزاي. الوقت تأخر والعشاء هتأذن وبابا لسه مارجعش." هنا، لم يستطع آسر منع دموعه من السقوط بغزارة، شعر بالحزن العميق على جدّه الذي لم يكن يعرفه، وعلى والدته التي فقدت سندها في الحياة في عمر صغير. كانت هذه اللحظات التي كتب فيها تلك المذكرات مليئة بالأسى والحزن، ولكنهما كانا مفعمين أيضًا بالحب والأمل الذي كانت تسعى لنقله إلى ابنها الصغير، الذي كان يقرأ الآن بين السطور ذكريات وحنين شخصيات لم يعرفها إلا من خلال تلك الكلمات المكتوبة بحبر الألم. "" "" جلست صفية على عتبة بابها، وألمها يكاد يفترس قلبها. كانت تبكي بحرقة، ترفع يديها إلى السماء وتدعوا الله بحرقة أن يعيد لها زوجها سالمًا. في تلك اللحظات، شعرت وكأن الحياة كلها توقفت، وكل ما تبقى لها هو الدعاء والتوسل. شعور العجز سيطر عليها، وكانت دموعها تحمل معها كل آلامها ومخاوفها. إيمان كانت تتحرك بقلق أمام المنزل، تتنقل من جانب إلى آخر، تضرب يدها في بعضها بحركة عصبية. كانت في صراع داخلي بين خوفها على والدها وغضبها من الوضع الذي وجدوا أنفسهم فيه. لم تستطع تحمل الانتظار أكثر، فاقتربت من والدتها، التي كانت تجلس على العتبة وتبدو ضائعة في حزنها، وسألتها بصوت مليء بالقلق: "هنعمل إيه يا ماما؟" صفية نظرت إلى ابنتها بعينين مليئتين بالدموع، وقالت بصوت متحشرج: "والله ما عارفة يا بنتي... ربنا يردك ليا يا أبو إيمان، يا رب." إيمان، التي لم تكن تطيق الوقوف دون فعل شيء، ردت بإصرار: "احنا هنفضل قاعدين كدا؟ يلا نروح عند مرات عم فهمي نسألها، ممكن تكون كلمت زوجها ولا حاجة. ما احنا لو كان عندنا تلفون كنا عرفنا أخباره." تحتضن صفية نفسها بذراعيها بينما تسيل الدموع على وجنتيها. كانت عيناها تنظران إلى السماء بتوسل، والشفتان تتحركان بالدعاء بصوت خافت، "وهنكلمه على اي يا عين أمك، هو أبوكي يفهم فيه. ولا يعرف يمسكه." إيمان، التي لم تستطع الجلوس طويلاً، بدأت تتحرك ذهابًا وإيابًا أمام المنزل. كان القلق يغمر وجهها، وكانت تضرب يديها ببعضهما في محاولة لتهدئة نفسها. فجأة، قررت دون تفكير أن الوقت ليس مناسبًا للانتظار. نهضت بحدة، تمسك بيد أمها بقوة وكأنها تستمد منها الشجاعة: "طب يلا نروح. يلا يا ماما." لكن عندما بدأتا بالتحرك، توقفت إيمان فجأة عند سماع صوت خلفها. صوت ذو نبرة ساخرة مليئة بالاحتقار، جعلها تشعر بالدماء تغلي في عروقها. التفتت ببطء، وعيناها تمتلئان بالغضب المكبوت، لتواجه ابن عمها، الذي كان يقف متكئًا على الحائط، يلاعب ذقنه البارزة قليلًا ويرفع حاجبه بتحدٍ: "علي فين يا مرات عمي انتي والسنيوره، اي هو علشان راجل البيت لسه بره. الحريم هتلف على حل شعرها والا اي؟" نطق الكلمات من فمه كسهام مسمومة، تتساقط على إيمان لتزيد من اشتعال غضبها. قلبها كان ينبض بقوة، لكن صوتها جاء حادًا وصارمًا: "ابعد عن طريقي، وما لكش دعوه بينا." ابن العم، بابتسامة مائلة تضمنت مزيجًا من السخرية والتهديد، اقترب خطوة للأمام، وكأن تقدمه يهدف إلى فرض سيطرته بالقوة. "نعم يا حلوى، اعمل اي، شيفه تربيتك يا مرات عمي. ولا عال، وكمان بتبجحي، يلا ادخلى جوه، ومافيش خروج بره البيت لحد لما عمي يرجع. يلا يا مرات عمي، ومش هفضل هتكلم كتير أنا." كان صوته يغلفه التهديد والابتزاز العاطفي. صفية، التي شعرت بالعجز والخوف يلتفان حول قلبها، تمتمت بصوت متردد: "عمك هيرجع منين بس، دا عمره ما تأخركدا، استر يارب." لكن ابن العم لم يكن مستعدًا لتخفيف حدة كلامه، بل زاد في تهكمه قائلاً: "هيستر ان شاءالله، يلا ادخلوا انتوا بس، وبعدين هتلاقيه بشتغل شغلانه كمان ولا حاجة، مش السنيوره عوزه تكون دكتوره، وراح وجايه من المدرسة، تهز طولها وتفرج الناس عليها." لم تتحمل إيمان أكثر من ذلك. شعرت بالغضب يشتعل في صدرها وكأنه نار تحرقها من الداخل. وقفت أمامه بكل قوتها، تنظر إليه بجرأة لم تعهدها في نفسها من قبل: "انتا عاوز اي، ابعد عن طريقنا، وبعدين من امتا وبابا كان يهمك، انتا ولا علتك، ابعد خليني ادور عليه." نظر إليها ابن العم بدهشة ممزوجة بالغضب، وكأنها تجرأت على تخطي حدودها، "اي دا! القطه بقت بتخربش، بس ورحمت أمي لأخليكي تخافي من خيالك، بس الصبر بكره تيجي تحت لرجلي." شعرت صفية وكأن التهديد موجّه لها ولابنتها في الوقت ذاته. نهضت بسرعة، وملامحها تحولت إلى قوة لم تتوقعها، "رجلك دي انا هكسرهالك يا ابن نفسيه؛ يلا امشي من هنا، ومالكش دعوه ببنتي." لم يكن في ابن العم سوى الابتسامة الساخرة وهو يتراجع ببطء، يهمس بكلمات مليئة بالاحتقار: "أنا ماشي، ان شاءالله تولعوا." إيمان، التي شعرت بالغضب يفيض من قلبها، صرخت خلفه بكلماتها الأخيرة قبل أن يبتعد: "غور ربنا يأخدك." ثم التفتت إلى أمها، محاولًا تهدئتها وسحبها بعيدًا عن المشهد الذي تراه أمامها: "يلا يا ماما." صفية كانت تمشي بخطى ثقيلة، وكأن ثقل العالم يجثم على كتفيها. كانت الدموع تموج في عينيها، لكنها كانت تحاول أن تبقيها حبيسة، مستعينة بإيمانها الهش الذي تماسكته بصعوبة. نظرت إلى ابنتها التي كانت تمشي بجانبها، تقاوم انهيارها، تحاول أن تكون قوية لأجلها. "ماشي يا بنتي... يلا." قالتها بصوت شبه مكسور، ولكنه يحمل في طياته قوة لا تنفك تستجمعها من حبها لأبنتها. لكن فجأة، تعالت صرخات مدوية في الهواء، أوقفت خطواتهما، وجعلتهما تلتفتان بسرعة نحو مصدر الصوت. كانت الصرخات تعبر عن خوف وألم شديد، وكأنها تنذر بحدوث شيء سيء. تبادلتا النظرات، وقلوبهما مليئة بالخوف والقلق، وكأن هذا الصوت هو إنذار لشيء خطير سيحدث. عيون صفية اتسعت بصدمة، وقلبها خفق بقوة كأنه يريد الخروج من صدرها. "إي الصريخ دا... جاي من بيت جدتك؟" سألت بارتباك، لكن بداخلها كانت تعرف الجواب دون أن تحتاج إلى تأكيد. إيمان، التي كانت دائماً تندفع نحو الحلول السريعة، لم تستطع السيطرة على غضبها المكبوت. صرخت بغضب مكبوت: "يلا يا ماما، ان شاء الله يموتوا كلهم، يلا." كانت كلماتها حادة مثل السكاكين، تعكس الألم والغضب الذي لم تجد له متنفساً آخر. لكن صفية، برغم كل شيء، لم تستطع تجاهل إحساسها الأمومي، الذي جعلها تهمس بحذر: "استني يا بنتي بس... يلا نشوف في إيه." كان عقلها مشوشًا، لكنها لم تستطع تجاهل الشعور بالمسؤولية. اقتربتا من المنزل الذي يبتعد قليلاً عنهما، وعندما وصلتاه، كان مشهد الجدة سعدية وهي تصيح وتضرب وجهها بمثابة الصاعقة التي حطمت ما تبقى من تماسك. كانت الجدة تصرخ وتنادي على ابنها، وكأنها تحاول استدعاءه من الموت. وعندما سمعت إيمان اسم أبيها، هرولت نحو الجدة، تمسكها بقوة وتصرخ بوجهها، محاولًة أن توقف هذا الجنون: "بابا ماله؟ ردي عليا، بتصرخي ليه؟" الجدة سعدية، بعينين غائرتين من الحزن واليأس، كانت تبدو كأنها تعيش كابوسًا لا نهاية له، صرخت بألم يغمر كل كلمة: "ابني مات، يالهوي، يا حبيبي،اه،ياني اه، ابني." كلماتها كانت تخرج من قلبها المنكسر، محملة بعبء الألم الذي لا يُطاق. إيمان شعرت بأن الحياة تنسحب منها، وكأن الأرض قد تفتحت تحت قدميها لتهوي بها إلى أعماق الجحيم. انقضت الجدة عليها بقوة، وكأنها تحملها مسؤولية هذا الفقدان الرهيب، صرخت في وجهها بغضب محموم: "ابعدي عني. انتي السبب انتي وأمك، هو راح بشتغل علشان مين؟ ومش انتي والله هموتك." كان كل حرف يخرج من فمها وكأنه سكين يغرز في قلب حفيدتها. الجدة سعدية، التي لم تعد تملك سوى الألم والغضب، لم تتمالك نفسها وأمسكت بشعر إيمان، تضربها بقوة على وجهها، وكأنها تحاول أن تنقل لها جزءًا من الألم الذي يعصف بها. "آه آه، الحقيني يا ماما!" صرخت إيمان وهي تشعر بأن الألم ليس جسديًا فقط، بل هو ألم عاطفي يعصف بكل ذرة من كيانها. صفية، التي لم تستطع تحمل رؤية ابنتها تُضرب، هرعت لتفصل بينهما، صارخة بألم وغضب: "ابعدي عن بنتي، ابعدي. إيه ربنا على الظالم والمفتري، بدل ما تقفوا جمبها، وانتوا بتقولوا أبوها مات. ربنا يسامحكم. عمر ما جاه من وراكم خير أبدًا، حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم." كانت كلماتها مليئة بالمرارة واليأس، وكأنها تلقي بلعنتها على هذا القدر الظالم. الجدة سعدية لم تعد تحتمل، كانت عيناها تحترقان بالغضب والشعور بالظلم، صرخت بقوة: "اخرجوا انتي وبنتك من بيتي؛ موتوا ابني." كان غضبها يفيض من قلبها، ولم تعد قادرة على التفكير بعقلانية. العم رأفت، الذي حاول التدخل للحفاظ على الهدوء، قال بصوت منخفض لكنه كان يحمل ترددًا واضحًا: "بس يا أما... الناس بتتفرج علينا." لكن الجدة سعدية لم تهتم، دفعت ابنها بعيدًا وكأنها لا تريد سماع صوته: "ابعد عني، والله ما هخليكي تشوفي يوم حلو، يا بنت صفية." كانت كلماتها تحمل تهديدًا واضحًا، وكأنها عازمة على الانتقام بأي ثمن. إيمان، التي لم تعد تستطيع التحكم في غضبها، صرخت بجرأة: "أنا بنت محمد. وأبويا موجود، ومش من حق حد يحرمني من اسمه، حتى لو انتي." كان صوتها مليئًا بالقوة، لكنها كانت تخفي خلف هذه القوة ألمًا عميقًا. الجدة سعدية، وكأن كلمات إيمان أشعلت فيها نارًا لم تعد تستطيع إخمادها، صرخت وهي تلوح بيدها في الهواء: "ورحمة ابني اللي لسه ما اندفن، لأكسر شوكتك، وخليكي تتمني الموت." كان تهديدها قاتمًا، يعبر عن حقد دفين لا يمكن محوه. ابتعدت صفية وابنتها عنهم، وكانتا تقفان أمام منزلهما، منتظرتين بقلوب منكسرة، تنتظران زوجها الذي علمتا بموته منذ قليل، ولا تعرفان ماذا تفعلان أو كيف تتحققان من هذا الخبر. بعد فترة قصيرة جدًا، رأت صفية سيارة الشرطة تقف أمام المنزل. كانت تسأل عنها، فاقتربت بخطى مترددة، وحاولت أن تبقي صوتها ثابتًا: "خير يا بيه." الضابط، بنبرة رسمية مليئة بالجدية، قال: "انتي مرات محمد عبود؟" كانت عينه تبحث عن أي علامة تدل على أنها قادرة على تحمل ما سيخبرها به. ردت صفيةوهي تكاد تلتقط أنفاسها: "أيوه يا بيه، ودي بنتي." الضابط، بحذر واضح، قال: "تعالي معانا على المستشفى، علشان تستلمي الجثة." كان يحاول أن يخفف من وقع كلماته، لكن الحقيقة كانت قاسية جدًا. خرجت صرخة قوية من فم إيمان، وكأنها طلقة نارية تخترق السكون. وضعت صفية يدها بسرعة على فم ابنتها، محاولة تهدئتها، "حرام أوعي تعملي كده... سمعه. ادعي ربنا هو دلوقتي بين إيديه." كانت تحاول أن تبقى قوية، لكن صوتها كان مليئًا بالوجع الذي تحاول قمعه. ثم نظرت للضابط مرة أخرى، تجمع ما تبقى من شجاعتها لتنطق بثبات ظاهري فقط: "جوزي مات إزاي يا بيه؟" كان قلبها ينبض بقوة، وكأنها تعرف أنها لن تحتمل سماع الجواب. الضابط، بنبرة محايدة لكنها مليئة بالتفهم، قال: "وقع عليه جدار من الدور الثالث، القضية مفتوحة ما تخافيش. حق جوزك هيرجع. يلا اتفضلي معانا." كان يحاول أن يخفف من حدة الألم الذي يعرف أنه لا يمكن التخفيف منه. ركبت صفية وابنتها السيارة مع الشرطة، توجهتا للمستشفى. عند وصولهما، لاحظت صفية أهل زوجها الذين سبقوها إلى هناك، كانوا في انتظارها، يعلمون أنها من ستستلم الجثمان. استلمت صفية الجثة بصمت مطبق، وكأنها تحمل في يديها ثقل العالم. تم الصلاة على الجنازة في صلاة الفجر، ثم الدفن. كانت تشعر وكأنها تعيش في كابوس لا ينتهي، كل لحظة كانت تثقل عليها كأنها ألف عام. في الأيام الثلاثة التالية، كانت صفية تجلس مع ابنتها في البيت الصغير الذي يعيشون فيه، وكانت نساء القرية يأتين لتقديم واجب العزاء. كان الحزن يلف المكان كغيمة سوداء، لكن صفية كانت تحاول التماسك من أجل ابنتها. لكن إيمان التى كانت منهارة، لم تخرج من غرفتها، وظلت مدة ثلاث أيام. تدخل صفيه غرفة ابنتها، وبنبرة حزينه على حال ابنتها، وما حل بهم تقول: "قومي يا ضنايا " ترفع إيمان رأسها وتنطق بحزن: "اعمل اي يا ماما، خلاص بابا راح. هنعمل اي من بعده" في اللحظة التي نطقت فيها إيمان بتلك الكلمات، كان صوتها يحمل وزنًا ثقيلاً من الحزن والعجز، كما لو كانت تسحب نفسها من بئر عميقة لا نهاية له. جلست صفية بجوار ابنتها على الفراش، تشعر بألم قلب ابنتها الذي ينعكس في عيونها الدامعة. كل كلمة تنطق بها صفية كانت مملوءة بمحاولة بائسة لاحتضان ابنتها داخل دفء الأمل، لكنها كانت تعلم أن قلب إيمان مثقل بفقدان والدها. صفية بحنان الأم وألمها: "ربك موجود يا بنتي... يلا قومي." كانت كلماتها ناعمة، تحمل في طياتها مزيجًا من القوة والعجز في آن واحد. كانت يدها التي أزاحت شعر إيمان عن وجهها مليئة بالحنان الذي لم يفارقها أبدًا، حتى في أصعب اللحظات. لكن إيمان، تلك الفتاة التي أضحت تحمل همومًا أكبر من عمرها، دفعت يد أمها عنها برفق وهي تقول بصوت متهدج بين شهقاتها المتقطعة: "سبيني والنبي يا ماما... مش عاوزه أكل ولا أشرب... عاوزه بابا بس." كل كلمة كانت كالسكين تغرز في قلب الأم، التي كانت ترى في عيون ابنتها صدى آلامها. صفية بمحاولة للتشجيع: "أبوكي عند اللي أحسن مني ومنك... وأحن عليه من الدنيا اللي قاسية علينا دي." حاولت صفية أن تجد في تلك الكلمات قوة لترفع من معنويات ابنتها، لكن ابتسامتها الهادئة لم تكن كافية لمحو الألم من قلب إيمان. صفية بلمحة من الأمل: "يلا قومي يا دكتورة... لسه عندك امتحان بكره... ولا مش عاوزه تحققي حلم أبوكي... وتشمتي فينا اعمامك." كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة التي حاولت صفية أن تشعل بها روح العزم في قلب ابنتها. لكن إيمان لم تستطع إلا أن تهز رأسها ببطء، وقالت بصوت مبحوح: "ما ليش نفس أمسك كتاب." صفية بتحدٍ مستميت: "لا، قومي... صلي وادعي ربنا كدا... كل لما تمسكيه تفتكري دا حلمه... لازم تحقيقيه واوعي تتنازلي عنه." كان صوت صفية مليئًا بالإصرار، وكأنها تحاول بث روح المقاومة في قلب ابنتها. لكن إيمان، ما زالت تتساءل بقلق: "وهنعمل ايه في المصاريف؟" صفية بإيمان عميق: "ربك هيدبرها... وهو القضية بيقولوا فيها تعويض... قرشين يا بنتي... ربنا على الظالم." شعرت إيمان ببعض الراحة، لكن فكرة أن تأخذ تعويضًا عن والدها لم تكن شيئًا يمكنها أن تقبله بسهولة. "هنأخد تعويض عن أبوي؟" سألتها وهي تحاول كبح دموعها. صفية بحكمة وألم: "والله لو عليا، ما قبلته ولا اتنازل... بس اعمل ايه؟ جدتك الله يسامحها اتنازلت هي واعمامك عن القضية وقبلوه... والرجال قالوا أنا اللي هستلمه... واهو قرشين أمنك بيهم وعلمك... 50 ألف جنيه... هيساعدوا نعمل مشروع صغير يصرف علينا والباقي أعلمك بيهم." كانت كلماتها مليئة بالحسرة على قرار لم يكن بيدها تغييره. إيمان بشعور مختلط بين العجز والغضب: "وهما هيسكتوا؟" سألتها بتردد، تشعر بمرارة الظلم. صفية بتحدٍ وعزم: "والله، على ما فخليهم يركبوه... لو انتي هتتنازلي عن حلم أبوكي، أنا مش هتنازل عن حقه... وأخدهم واطلع بيهم عمرة... أنا وانتي... وكدا يبقى انتي اللي حكمتي على نفسك تتجوزي وخلاص." إيمان بإصرار مفاجئ: "أنا مش هتنازل." نطقت بهذه الكلمات وهي تمسح دموعها بقوة، تشعر بأن العزيمة بدأت تتسلل إلى قلبها. صفية بتأكيد وثبات: "يبقى تقومي، وإوعي حد يحاول يكسرك... يلا، إحنا صحيح ضهرنا مات، بس ربك موجود." كانت هذه الكلمات بمثابة النور الذي بدأ يضيء طريق إيمان المظلم. قامت إيمان بعد تلك الكلمات المشجعة، توضأت وصلت، وهي تدعو الله بدموعها أن يرحم أباها ويساعدها في تحقيق حلمه. كانت مشاعرها متناقضة بين الحزن والأمل، بين الفقدان والعزم. جلست بجوار أمها، تمسك بكتابها، وتحاول أن تذاكر، لكن دموعها كانت تغرق الصفحات. كل حرف كانت تدرسه كان يحمل في طياته ذكرى لوالدها، وكان هذا الألم دافعًا لها للمضي قدمًا. صفية بحنان الأم ودعواتها، مسحت دموع ابنتها، وضعت يدها على رأسها، وظلت تدعو الله بأن يمدها بالقوة والصبر. حتى عندما غفت إيمان على قدمها، كانت صفية تشعر بأنها بحاجة لمزيد من الصبر والإيمان لتحمل هذه الأيام الصعبة. كانت لحظة من السكون تعم الغرفة، لكن قلوبهم كانت تعج بالألم والعزم على التمسك بالحياة، رغم كل ما فقدوه. في صباح اليوم التالي، استيقظت إيمان على صوت أمها، صفية، وهي تناديها بلهجة قلقة ومتشبثة. كان يبرز من صوتها قلق الأم وحبها العميق، وهي تخشى أن تتأخر ابنتها على امتحانها الهام. لم يكن هناك وقت للكسل، وها هي إيمان تنهض مسرعة، تتوضأ، وتستعد بسرعة. بينما كانت صفية تعد الطعام، نادت على إيمان: "يلا يا إيمان هتتأخري." أجابت إيمان بسرعة، وهي تحاول إنهاء آخر التحضيرات: "حاضر خلصت اهوه." خرجت إيمان من غرفتها، وتوجهت نحو الباب وهي تحادث أمها بتجاعيد القلق على وجهها: "يلا أنا راحة." ردت صفية، محذرة بصوت ملئ بالحرص: "اقعدي افطري الأول، وبعدين روحي، وما تنسيش دا حلم أبوكي، وبلاش تسمعي لحد، ولا ليكي دعوة بالناس مفهوم؟" أجابت إيمان بلهجة توحي بأنها تستوعب نصائح أمها، ولكنها متلهفة للذهاب: "حاضر." صوت صفية، الذي كان يتخلله الإلحاح، ازداد حدة: "يلا اقعدي." جلست إيمان بسرعة لتناول الإفطار، وهي تهم بالخروج. وكان دعاء أمها لها بالنجاح يملأ المكان بالدفء والأمل. لم تبتعد إيمان عن المنزل إلا قليلاً، حتى اعترض طريقها شاب ذو جسد ضخم ونبرة غليظة مملوءة بالسخرية. كانت عينيه مليئتين بالاستفزاز: "ألا الحلوة راح فين؟" أجابت إيمان بغضب متزايد، موجهة له نظرات حادة: "وانت مالك؟ ابعد عن طريقي." عقب ذلك، أمسكها الشاب من شعرها بقوة، محاولاً إهانتها: "لا يا روح أمك، مش أنا اللي تقولي كده. يلا انجري على البيت، مافيش مدرسة. يلا." صرخت إيمان، وهي تشعر بالخوف والألم، محاولاً التخلص من قبضته: "ابعد عني يا حيوان، سيب شعري! آه يا ماما!" فزعت من صراخ ابنتها إيمان، فركضت نحوها، سحبتها من يد الشاب، وصاحت في وجهه بلهجة ملؤها الغضب والحماية: "انت مين عشان تضرب بنتي؟" رد ابن العم، مصمماً على موقفه، واثقاً من نفسه: "أنا ابن عمها، وهكون جوزها، ومش هتخرج بره البيت تاني، ويلا انتا وهي على جوه." صفية، معبرة عن غضبها واستنكارها، صاحت بشدة: "ابعد عن طريق بنتي! وجواز إيه يا أبو جواز؟ أبوها قبل كده رفضك. انت مش شايف نفسك يا طور؟ دا فرق السن اللي بينك وبنها، لو كنت خلفت، كان زمانك عندك قدها، بس نقول إيه؟" رد ابن العم بتحدي وسخرية، محاولاً إظهار نفسه القوي: "قولي، يا مرات عمي، أغلطي، وأنا عاوزك تغلطي، علشان لما أوقفك عند حدك، ما حدش يلومني." اقترب شيخ القرية، الشيخ حسين، مخاطباً ابن العم بلهجة تتسم بالحكمة والصرامة: "خير،يا داغر يا ابني. عيب اللي بيحصل دا. عمك لسه مات من أيام، وانت بتأكل في لحمه." رد داغر بتهكم، مشيراً إلى الوضع: "أنت مش شايف يا شيخ حسين؟ بنته خارجة وقالت إنها رايحة المدرسة، وأبوها ميت من ثلاث أيام، عالم مش مكسوبة من نفسها. نتكسف إحنا ليها." تدخل الشيخ حسين بلهجة أكثر حدة، محاولاً حل المشكلة: "حقها يا ابني. وبعدين، النهارده آخر يوم في الامتحانات. سبها يا ابني، ربنا يهديك." داغر، محبطاً، ختم حديثه بلهجة قاطعة، ثم تركهم: "علشانك انت بس يا شيخنا، بس قدامك اهوه. ما فيش مدارس تاني، خلصت على كده. أمين." ترك الشيخ حسين قائلاً بتمني: "ربنا يهديك يا ابني." ثم توجه إلى إيمان، قائلاً بلطف: "يلا يا بنتي روحي." ردت إيمان، وهي تشعر بالغضب والحزن: "ربنا يخده." قال الشيخ حسين، محاولاً تهدئة الأوضاع: "عيب يا إيمان، دا انتا يا بنتي ما يطلعش منك العيبة. يلا، ربنا يهديكي." ردت إيمان بتمرد، مصممة على استكمال تعليمها، رغم التهديدات: "انت مش شايف يا شيخ عميلة، وأنا هكمل تعليمي ومش هسمع كلامه." قالت صفية، محذرة وفي نفس الوقت عازمة على تحقيق حلم زوجها الراحل: "ايوه يا شيخ، كلامك على عيني ورأسي، بس بنتي هتكمل لحد لما تحقق حلم أبوها." الشيخ حسين، متفهماً الوضع، وعد بحل المشكلة: "هتكلم معاهم يا أم إيمان، وإن شاء الله نلاقي حل." قالت صفية، وهي تدفع إيمان للرحيل: "يلا انتي يا إيمان هتتأخري." تجري إيمان وتذهب للمدرسة ، وتدخل بعد توزيع الورق، تتأسف المراقبة وهي تبكي علي التأخير، تسمح لها وتعطيها الورقه ، وتبدأ بالحل، يمر الوقت سريعا، وتنتهي من الامتحان وتعود إلي بيتها. ... تمر الأيام، وتنتهي من الامتحانات،تجلس في غرفتها وهي تشعر بالقلق مصاحب باستغراب. فبتعاد ابن عمها عنها بهذه السهولة لم يرح بالها، اتجهت إلى أمها الجالسة بغرفتها، استأذنت ودخلت. عند دخولها، تركت أمها ما بيدها، وقالت وهي تشير لها بالجلوس بجانبها "تعالي يا بنتي" تجلس بجانبها على الفراش وتنطق بقلق "خايفة اوي يا ماما" ارتعبت صفيه ونطقت بخوف: "من اي حبيبتي" تنهدت إيمان بقوه ثم أجابتها: "يعني جدتي و أعمالي، من أخر مره داغر وقفني بعد وفاة بابا، وهما سكتين، دا مش من طبعهم" اعتدلت صفيه مره اخرى على الفراش وهي تجيبها بنبرة غاضبه تملؤها الكره: "ربنا يريحنا منهم، دول عالم سم، وانتي بتفكري فيهم ليه" إيمان بخوف أجابت: "يعني مش غريبه يا ماما، بقالهم اربع شهور على الحال دا، ودلوقتي انا قدمت في ثانوي، وهما عرفوا مش غريبه دي كمان، إن ما حدش ادخل" ابتسمت صفيه بسخرية على طيبة ابنتها وقالت: "لاء يابنتي، علشان هما المهم عندهم الفلوس" إيمان بتذكار: "ايوه صحيح هو الراجل جبهملك" اجابت صفيه: "ايوه بس أنا رفضت، وقولت له يصرف عليكى وعلى علامك الاول، وبعد لما تدخلي الكليه يدفع الفلوس،والراجل كتر خيره وافق، وقالي كل المصاريف عليه، ولما تدخلي الكليه هيكون المبلغ زي ما هو ما ينقص منه شئ بالعكس هيزيد" إيمان باستغراب: "ازاي يعني، اومال هيصرف عليا من فين" رد صفيه بحيره تسكن قلبها: "سألته، قالي دا بره الموضوع، وكمان هيزودهم، وهيكونوا 100الف جنيه" إيمان بسعادة: "ايه" اكملت صفيه حديثها بهدوء "فأنا خلتهم باسمك، ومش هتخديهم غير لما تدخلي الكليه ودا شرطي عليه. علشان كدا بقولك، ما تستغربيش منهم، لازم تدخلي، ولا مش هيطولوا قرش، عرفتي ليه هما بعدوا عننا" إيمان بكره: "ايوه يا ماما عرفت، دول تعبانين، وأنا اللي فكرتهم قلبهم حن عليا" صفيه بسخرية: "دول عندهم قلب، دول منشار فلوس، يبيعوا دمهم علشان القرش.يلا سيبك منهم، وركزي في مستقبلك، أنا كلمت المدرسين هنا هتروحي الدروس، وفلوسهم هتوصلهم أول كل شهر،الراجل بردوا، عامل لينا مصروف شهري5ألاف جنيه" إيمان بالإرتياح: "كويس اوي" نطقت صفيه بسعادة من اجل ابنتها: "يلا المهم تتعلمي يا دكتوره" تخرج وتتجه لغرفتها تذاكر حتي تنهي، وينتهي اليوم أيضاً. تمر الأيام ويليها الشهور والحال كما هو عليه. حتي تنتهي من عامها التاني الثانوي، تنتظر النتيجة هي وامها بفارغ الصبر، ظهرت و تأهلت للصف الثالث، كانت تغني وترقص لكن أمها تبتسم فقد ولم تقدر على القيام.لاحظت ذلك اقتربت منها وهي تردف بقلق "مالك يا ماما، فيكي اي" لم تستطع الرد عليها،تتألم وتخفي ذلك لكن لم تصمد طويلاً وصرخت بقوه،و تمسك بجانبها الأيمن. تبكي إيمان بخوف عليها، تجري للخارج وتنادي على الجيران والشيخ حسين، الذي خرج واتجه إليها بسرعه، وطلب من ابنه زيدان الاتصال بالاسعاف. انصاغ لطلب أبيه فورا واتجه إليه. وأخذوا صفيه للمستشفى. دخلت غرفة العمليات. وبعد ساعه خرج الطبيب وهو يقول: "حالتها صعبه الكلي تعبانه، فيها ورم واتم استئصالها" صاحت إيمان بصدمه: "اي، ليه، دي أول مره تشتكي منها" الدكتور مراد بهدوء وخبث: "لاء واضح انها تعبانه من فتره كبيره، الكلي مدمره" طالعت الطبيب بصدمه ونظرت للشيخ برجاء وتحدثه بنبره بيطيئه مصاحبه بصراخ "لا يا شيخ، والله عمرها ما أخدت علاج، غير لتعب عادي، برد وكدا، عمرها ما اشتكت من جنبها ولا اي حاجه،امي حصلها اي" الدكتور مراد بتوتر: "قولتلك، إنها مدمره، ولو كنت سبتها كانت هتموت، كلها ساعه وهتفوق، عن اذنكوا" هرول بعدها لمكتبه وهو يمسح حبات العرق من التوتر. دخل عليه مساعده ذراعه اليمين. "اقعد يا يحيي" تكلم يحيي باستغراب من حالته المغزيه: "في اي بره، البنت دي، لو فضلت تقول كدا، هتلفت النظر لينا" الدكتور مراد بضيق واضح: "اطمن دي عيله صغيره، ومن الصدمه بس، لازم تخرج وتتكلم مع الشيخ اللي بره، وتشرح له حالتها وتهول الموضوع، مش عاوز حد يشك في حاجة" دكتور يحيى بمكر: "اطمن يعني دي اول مره" الدكتور مراد ابتسم بخبث مع غمزه عين: "يلا روح" يخرج يحيى ثم يتجه إليهم و يحدثهم عن حالت امها يظل الدكتور مراد في غرفته، يلعب بالقلم بأصابعه وهو يفكر في الحاله، وكيف يبقيها في المستشفى، لكي يأخذ منها ما يريد، فهي مطابقه للمواصفات التي يريدها، ويجب الا تضيع من يده. لكن ابنتها هى العائق، فلابد من تعب الام المتواصل لكي تاتي بها لهنا. فاق من تفكيره على رنين الهاتف، رفع وتحدث وهو يجاوب على سيده ويقول له خطته،ثم يغلقه، ويخرج لإيمان والشيخ. يقف ويتكلم بغموض وكلمات تهول الموضوع، أرعبت إيمان على امها،تشبكت بالشيخ، وهي تبكي بقوه غير مصدقه لما يحدث: "ازاي دا حصل، دي كانت كويسه، كل التعب دا فيها وما مش دريانه بيها، ازاى" بدأ الشيخ حسين حديثه بحزن مكتوم، صوته هادئ لكنه مشبع بالهموم، وكأن كل كلمة تخرج من فمه تحمل ثقل ما يخفيه قلبه: "اهدي يا بنتي، ووحدي الله. كل ما يصيبنا هو مما كتبه الله لنا، ادعيلها، وربنا هيشفيها." إيمان رفعت يديها للسماء باندفاع، وكأنها ترفع معهما كل آلامها وأوجاعها، عيناها تفيض بالدعاء الصادق: "يا رب..." الشيخ حسين التفت نحوها، وعيناه تحملان حزناً عميقاً، لكنها اختبأت خلف هدوء ظاهر: "يلا على البيت، الدكتور قال ممنوع حد يفضل هنا." صرخت إيمان بقوة، صوتها ممزوج بالخوف والعجز، وكأنها ترفض الانصياع للواقع المؤلم: "لا، مش هسيب أمي!" حاول الشيخ تهدئتها، صوته الناعم كان كالنسيم الذي يحاول عبثاً تهدئة عاصفة مشاعرها: "يا بنتي، قعادك هنا مش هيعمل حاجة، يلا." استسلمت لرغبة الشيخ حسين على مضض، لتعود معه إلى البيت، لكن روحها بقيت عالقة في الغرفة التي ترقد فيها والدتها. دخلت غرفتها، أغلقت الباب عليها، لتترك العنان لدموعها التي انهمرت بلا توقف حتى بزوغ الفجر. عند الصباح، اندفعت إيمان نحو المستشفى، قلبها يسبح بين الرجاء والخوف. جلست بجانب والدتها التي بدأت تستعيد وعيها ببطء. صفيه فتحت عينيها بصعوبة، وأخرجت كلماتها المتعبة: "إيمان... إيه اللي حصل لي يا بنتي؟" ابتلعت إيمان دموعها بصعوبة، وحاولت إخفاء ألمها، ناطقة بكلمات مليئة بالحنان والطمأنينة: "اطمني يا ماما، الدكتور قال إنك هتكوني كويسة، الكلى تعبت واطروا يشيلوها." تنهدت صفية بإيمان ورضا: "لا حول ولا قوة إلا بالله... أنا هخرج امتى من هنا؟" ارتعشت إيمان بين الخوف والحزن وهي ترد: "بيقول مش أقل من أسبوعين، لما تتحسني شويه." نظرت صفية لابنتها بقلق يملأ عينيها وسألتها بصوت مليء بالحنان: "وانتي هتعملي إيه؟" ردت إيمان بحزن: "هقعد معاكي." لكن صفية رفضت بقوة، خوفها على ابنتها يفوق خوفها على نفسها: "لاء حبيبتي، روحي البيت، و عاوزاكي تركزي كويس السنادي مهمه أوي، فهمه، دا حلم أبوكي حقيقة، حلمي أنا كمان" همست إيمان وكأنها تحاول تغيير الموضوع: "الراجل جه ودفع فلوس العملية." أجابت صفية ببساطة: "كتر خيره." ابتعدت إيمان قليلاً وقالت بقلق: "أنادي للدكتور، شكلك تعبانه." ردت صفية وهي تغمض عينيها: "لا، أنا هنام. روحي انتي دروسك يلا، ولما تخلصي تعالي." تركت إيمان والدتها لتذهب، لكن قلبها بقي مرتبطاً بها. مع مرور الأيام، استمرت إيمان في روتينها المضني؛ تذهب إلى المستشفى كل صباح لتجلس بجانب أمها صفية، تتبادل معها الكلمات القليلة التي تسمح بها حالتها الصحية، بينما تحاول إخفاء قلقها وحزنها خلف ابتسامات صغيرة، ثم تسرع إلى دروسها وهي تحمل على عاتقها ثقل همين، أحدهما أكاديمي والآخر عاطفي. ورغم ذلك، كانت تعود كل مساء لتنام بجانب والدتها، وكأن وجودها بجوارها هو الملاذ الوحيد الذي يهدئ روع قلبها. . ❝ ⏤ياسمين خاطر
في خضم أيام الإجازة، ومع مرور كل يوم، ظلَّ آسر متأرجحاً بين الحلم والواقع. كان يقترب من لحظة عودته إلى مدرسته بينما في داخله صراعٌ مرير، لم يكن قادرًا على التهرب منه. أما عايدة، فقد كانت تتعمد، دون رحمة، أن تسلب من آسر كل شعور بالراحة والطمأنينة التي قد تكون لديه، ولسانها اللامتوقف كان كالسيف يقطع كل خيط أمل في قلبه. كلما دخلت عايدة إلى غرفة آسر، كانت تجد الصغير غارقًا في شروده، وعينيه مسمرتين على صورة والدته. كان يعاني من الغياب، وهو لا يزال يتذكر آخر لحظات مع والدته التي رحلت عنه، ولا يزال يرتدي الحزن كعباءة ثقيلة. دخلت عايدة الغرفة ذات يوم، وبنبرة حادة: "إنت قاعد تعمل إيه؟ يلا نام، الإجازة خلصت، بكرة في مدرسة. ولا هو يعني علشان هتاخد بقيت السنة إجازة، هتلعب من أولها؟ يلا." آسر، بصوت خافت: "حاضر يا نانا." عايدة، بتفويض صارم: "يلا." قام آسر إلى سريره، وهو يحاول يضع في ذهنه أن كل ما يفعله هو مجرد حالة من الانتظار للعودة إلى حياته الطبيعية، لكن كلما حاول أن ينام، كان وجه والدته يلاحقه في أحلامه، وتذكره برفق الصورة التي يحتفظ بها في حضنه. مرت ....... [المزيد]
الوداع: في قطاع 115، كان زين يجلس منهارًا، محطماً بسبب فقدان أحد أقرب أصدقائه، الرائد عماد. دخل الغرفة بسرعة والقلق يأكله، يتحدث بصوت ملهوف ومتسرع: "في مشكلة يا قائد." نظر إليه زين بترقب وسأل: "خير، في إيه يا عماد؟ بلغت أهل المقدم أحمد؟" رد الرائد عماد بصوت متوتر: "أيوه يا قائد، كلمت الدكتورة، لكن فجأة مش بترد، وابنها الصغير بيصرخ في التليفون. أنا بحاول أهديه، وبقوله هتصرف، لكن أنا مش عارف أعمل إيه." تأمل زين الموقف للحظة قبل أن يقول بحزم: "أنا هبلغ أم المقدم أحمد بنفسي، وأقولها باللي حصل. وهما أكيد هيتصرفوا." هز الرائد عماد رأسه بالموافقة وقال: "تمام يا قائد." ........ .............. ......... في بيت والدة المقدم أحمد. كان الألم يتفجر من كل زاوية. الأم عايدة بصوت مليء بالصدمة والوجع: "إنتا بتقول إيه؟ ابني مات؟ إزاي دا حصل؟ ابني مات، يا خالق، ابني مات!" صوت صراخها يملأ الصالة، يرتد في أرجاء المنزل وكأنه صدى لمأساتها. تحاول السيطرة على نفسها، لكن الألم يجتاح قلبها بلا رحمة. ابنتها سمر تقف بجانبها، تحاول تهدئتها، ولكن الدموع تملأ عينيها، ويدها ترتعش وهي تمسح دموعها. الكلمة الواحدة التي ترددها أمها، "ابني"، كافية لتجعل العقل يفقد توازنه. ابنها الوحيد، الذي كان سندها في الحياة، قد رحل. لم يبق لها سوى سمر. الحزن يلتف حولها كالضباب، والخوف من المستقبل بلاه، يجعل الألم الذي تعيشه مضاعفًا. تساؤل مرير يعصف بذهنها: كيف ستجد القوة لتواجه هذا الفقدان؟ في هذه اللحظات القاسية، يتجلى الحزن والصدمة في كلمات الأم عايده وسمر. الألم يتسلل إلى كل جزء في جسدهما، وكأن الدموع قد جفت، ولم يعد للبكاء معنى. الأم عايدة وهي تبكي بحرقة: "اهدى؟ اهدى إزاي؟ ابني، ضنايا مات!" تستمر الدموع في الانهمار بلا توقف، وصوتها يتقطع من شدة البكاء. بصعوبة، تنطق كلماتها: "بيقولوا بلغوا مراته، وشكلها تعبت، وابنها بيعيط عليها." تحاول سمرتهدئة أمها، لكنها نفسها محطمة من الداخل، ومع ذلك تتحدث ببرود ظاهري: "اهدى يا ماما، و إحنا مالنا بيها؟ إن شاء الله تموت هي وابنها." الأم عايدة بغضب ممتزج بالألم: "هي السبب في موت ابني! ما فيش غيرها!" حاولت سمر تهدئة والدتها، لكنها كانت تعرف أن الألم الذي تشعر به أمها لا يمكن إسكاته بسهولة. سمر بحزم: "يلا نروح المستشفى. تعالى، أنا هرن على عيسى، أكيد هو هناك معاه." سحبت هاتفها وطلبت الرقم بسرعة، صوتها يرتعش وهي تتحدث: "ألو، أيوه عيسى، عرفت اللي حصل؟ أخويا مات، أخويا يا عيسى..." رد عليها عيسى بصوت هادئ محاولًا التماسك: "اهدى يا سمر، إحنا هنجيب الجثمان وجايين علشان الدفن. وكمان في وصية كانت في جيبه، القائد هيسلمها لمراته... دي وصية قبل ما يموت." لم تستطع الأم عايدة أن تستمع لهذا الكلام بدون أن يزداد غضبها: "ابني هيجي بيتي، مش هيروح عندها! مش كفاية أخدت شبابه، كمان عاوزة هي اللي تودعه؟ لا، والله ما يحصل، مش هتلمح ابني. هي لازم تموت زيه، أيوه لازم تموت!" صرخت عايدة بهذه الكلمات وهي تندفع نحو الباب، عازمة على الذهاب إلى منزل ابنها لتنفيذ نيتها المدمرة. كانت سمر في حالة من الذعر، فأغلقت المكالمة بسرعة مع زوجها وركضت وراء والدتها، محاولة إيقافها. سمر بصوت يائس: "ماما، رايحة فين؟ استني!" حاولت سمر إيقاف والدتها، لكنها كانت تعرف أنها تواجه أمًا محطمة، غير قادرة على التفكير بعقلانية. الأم عايدة بعزم لا يتزعزع: "ابعدي! سبيني أخلص عليها زي ما خلصت على ابني، ابعدي!" سمر محاولة استخدام العقل لإقناع والدتها: "ماما، اهدى. إنتي فاكرة موتها كده بالساهل؟ دي الحرباية اللي بتتحامى فيها، تودينا كلنا في ستين داهية!" لم تستمع الأم عايدة لكلام ابنتها، وغادرت المنزل بسرعة، مصممة على تنفيذ خطتها. فتحت الباب و اندفعت على السلم، تملؤها مشاعر الانتقام والغضب. الأم عايدة وهي تنزل السلم بسرعة، بعزم لا يتزعزع: "ابعدي يا سمر! خلاص اللي كانت بتحتمي فيهم راحوا، مش هنا، ولازم أخلص عليها! ابعدي سبيني!" كانت عايدة تركض نحو الخارج، وعندما وصلت إلى الشارع، أوقفت سيارة أجرة بسرعة. ولكن قبل أن تركب، أوقفتها ابنتها سمر. سمر بحزم: "استني! هاجي معاكي ومش هسيبك." ثم نظرت إلى السائق بسرعة وأمرت: "اطلع يا اسطى!" السائق مستفسرًا: "على فين؟" سمر بهدوء مصطنع: "العنوان... ٠٠٠٠٠٠٠٠٠" السائق: "حاضر." طوال الرحلة، كانت عايدة تغلي من الداخل. الغضب كان يعتمل في صدرها كبركان على وشك الانفجار. الطريق بدا طويلًا رغم أنه لم يأخذ سوى بضع دقائق. أخيرًا، توقفت السيارة أمام المنزل المقصود. هرعت عايدة للخروج من السيارة، واندفعت نحو الباب، تدق عليه بقوة. ............. في الداخل، كان آسر يبكي بجوار جسد والدته الساكنة، محاولًا إيقاظها، لكن بلا جدوى. آسر بصوت مملوء باليأس: "ماما، فوقي! ماما، أرجوكي، اصحي! ماما... يا رب، يا رب ساعدني..." سمع الطفل صوت طرقات عنيفة على الباب، فارتعد وهرع نحو الباب، يسأل بخوف. آسر بتردد: "مين؟" عايدة بصوتها الحازم، ولكن مليء بالحنق: "افتح يا آسر!" عايدة كانت تتحرك بعزمٍ لا يُثنى، وكأن الغضب الذي يعتمل في صدرها قد أزال أي أثر للرحمة من قلبها. لم تعر أي انتباهٍ لصوت حفيدها الصغير آسر، الذي كان يتوسل إليها بدموعٍ تسيل على وجهه الصغير كالشلالات. وجهه البريء الذي لم يعرف سوى حب أمه وأبيه، بات مشوشًا بين الحقائق القاسية والأمان الذي ظن أنه لا ينقطع. آسر بنبرةٍ مليئة باليأس: "نانا، ماما مش بترد عليا." لكن عايدة، التي تحولت إلى كتلة من الغضب، دفعت الصغير جانبًا بقسوةٍ لا تناسب طبيعة الجدة، وردت بصوتٍ قاسٍ: "عنها ما ردت! هي السبب، قتلت ابني." كان آسر يحدق فيها بعينيه المليئتين بالدموع، وهو لا يدرك كيف لأحد أن يلوم أمه على موت أبيه. في عقله الصغير، كان من المستحيل تصور أن والده قد رحل بالفعل. رفض بعنادٍ طفولي أن يصدق تلك الحقيقة المريرة، وبدأ يردد بصوتٍ متهدجٍ من فرط البكاء: "لا، لا، بابا مش مات، بابا حي." سمر، التي كانت تراقب المشهد بقلقٍ بالغ، شعرت بأن الغضب الأعمى الذي تملَّك أمها قد يدفعها لفعل شيءٍ فظيع. كانت تدرك أن إيمان، زوجة أخيها، لا تستحق هذه المعاملة، مهما كانت الأمور معقدة بينها وبين عائلتها. لكنها أيضًا كانت غارقة في ألمها الخاص، مما جعلها عاجزة عن اتخاذ موقف حاسم. قالت عايدة بصوتٍ يخلو من الرحمة: "سمر، هاتي ميه فوقيها، مش هسبها تموت بساهل كده. يلا!" سمر، رغم ترددها، أطاعت والدتها. ذهبت وأحضرت دلواً من الماء، وبينما كانت تسحبه، كانت تنظر إلى إيمان بكرهٍ شديد، مشاعر مختلطة بين الغيرة والغضب، والحزن الذي لم تستطع تفسيره. أفرغت الماء على وجه إيمان بقوة، وهي تضربها بوحشيةٍ غير مبررة، حتى بدأت إيمان تستعيد وعيها تدريجياً. حينما فتحت إيمان عينيها، كانت غير مدركة تماماً لما يحدث، لكنها شعرت بآلامٍ مبرحة في وجهها وكتفيها. مع كل ضربة تلقتها، كانت تصرخ بصوتٍ ضعيف، محاولةً فهم ما يجري: "آه... في إيه؟" عايدة، بنبرةٍ مليئة بالاحتقار، صاحت: "في إنك قتلتِ ابني! إنتِ السبب في كل حاجه!" كانت كلمات عايدة كالسكاكين، تغرز في قلب إيمان الجريح بالفعل. كيف لها أن تكون السبب في وفاة من أحبته بكل جوارحها؟ كانت تصرخ في وجع الفراق، بينما دموعها تسيل بغزارة. ردت إيمان، رغم الألم الذي يعصف بها: "لا، لا، أحمد مامتش، أحمد عايش." لكن سمر قطعت أملها بنبرة باردة: "خلاص مات، انتي السبب في كل حاجه... لازم تموتي زيه." كان آسر يشاهد في رعبٍ، غير قادر على فعل شيء. كل ما أراد هو أن يحمي أمه، لكنه كان صغيراً جداً وضعيفاً جداً أمام غضب جدته وعمته. ركض نحوها بسرعة، يحاول إنقاذها بكل ما لديه من قوة، وهو يصرخ منادياً: "ماما لا، سيبي ماما!" حينما حاول التدخل مرة أخرى، أوقفته عايدة بقسوة، وهي تمسك به وتخاطبه بنبرة تهديد: "ابعد كده! لازم تموت زي ابني." صرخ الصغير بكل قوته، يمسك بقدم جدته ويتوسل إليها بدموع تنهمر بغزارة بصوتٍ مرتعش: "أرجوكي سيبي ماما يا نانا، أرجوكي..." ولكن لم يكن هناك مكان للرحمة في قلب عايدة تلك اللحظة. كانت قد تحولت إلى شيطانٍ لا يعرف الرحمة. بينما كانت سمر تضرب إيمان بعنفٍ متزايد، حتى كسرت ساقها، و عايدة تمسك رأسها وتضربه بالأرض مرارًا وتكرارًا حتى سال الدم. رأى آسرالدم يتدفق من جسد أمه، لم يستطع فهم ما يحدث. احتضن نفسه، وجلس يبكي بحرقة، جسده يرتعش من شدة الخوف والبرد. بعد لحظاتٍ من الصمت المشوب بالتوتر، همست سمر: "ماتت يا ماما... مافيش فيها نفس." الصدمة بدأت تتسلل إلى ملامح عايدة، حيث تحول الغضب إلى قلقٍ، وبدأت تشعر بأنها تفقد السيطرة على ما فعلته. تحول الشيء الذي تملكها إلى شعورٍ بالذنب الذي بدأ يلتهمها. عايدة بنبره مختلطه بالخوف والغضب: "اسكتي، خليني أفكر..." كانت تحاول أن تخرج من هذه الفوضى، ولكن كيف؟ لم تعد تعرف ماذا تفعل. نظرت إلى آسر، ذلك الطفل الذي فقد للتو كل شيء، وبدلاً من أن تشفق عليه، تملكتها فكرة أخرى مرعبة. عايدة بصرامةٍ وهي تمسك آسرمن ذراعيه: "عارف لو حد عرف باللي حصل هعمل فيك إيه؟ هقتلك زيها، سامع؟" ارتعد آسر من الخوف، لم يكن لديه خيار سوى أن يطيع. تلعثم وهو يقول: "حاضر، مش هقول، حاضر، ماما... ماما." لم تكن لديه القوة ليعترض أو يقول شيئًا آخر. كان يهز رأسه بالموافقة على كل شيء تقوله جدته، معتقدًا أن هذا الكابوس سينتهي قريبًا. عايدة بنبرة باردة: "لما حد يسألك، تقول إنها وقعت من على السلم وهي بتجري لما عرفت اللي حصل لبابا، سامع؟ وإحنا جينا وطلعناها هنا الشقة. مفهوم كلامي ولا لأ؟" آسر بهمسٍ يكاد لا يُسمع: "حاضر." سمر كانت تهتز رعبًا، ودموعها تنهمر بلا توقف، لكنها لم تكن دموع الندم، بل كانت دموع الخوف. كانت تدرك أن ما حدث الآن هو كارثة لا يمكن الرجوع عنها. تضرب وجهها بيديها المرتجفتين وهي تبكي، وتلعن اللحظة التي سمحت فيها لهذه الأحداث أن تتطور. لم تكن تندب مقتل إيمان بقدر ما كانت تندب نفسها ومصيرها الذي أصبح على المحك. سمر بنبرة مختنقة ومليئة بالذعر: "العقارب هتعرف... هيسألوا، وهما مش هيسكتوا... هنعمَل إيه؟" كانت كل كلمة تخرج من فمها وكأنها محاولة بائسة للتشبث بأي أمل، لكنها كانت تدرك في أعماقها أن الأمور قد خرجت عن السيطرة. عايد، التي كانت تواجه انهيار ابنتها، لم تجد شيئًا لتهدئتها سوى كلمات لا تؤمن بها هي نفسها. عايدة بصرامة زائفة: "اسكتي بقا، هما خلاص مش هنا." لكن سمر، التي كانت دائماً الأكثر هشاشة بينهن، لم تكن لتقتنع بسهولة. ردت بنبرة يائسة: "إنتِ عمالة تقولي كدا... وأمال هما فين؟" عايدة، وهي تجلس على الأريكة، تحاول أن تهدئ من روع ابنتها، بينما كانت هي بحاجة إلى التهدئة أكثر منها. أخفت وجهها بين يديها للحظة، ثم رفعت رأسها ببطء وقالت بصوت خافت: "سافروا" كانت تلك الكلمة تحمل في طياتها كل الأكاذيب التي كانت عايدة تحاول أن تقنع بها نفسها قبل الآخرين. نظرت إلى آسرالصغير وهو يبكي بجانب جثة والدته، وأدركت أن عليها التصرف بسرعة. عايدة وهي تحاول الحفاظ على هدوءها: "بره مصر. وعمال ما يعرفوا وييجوا تكون إدفنت. جوزك ضابط وهيعرف يلم الموضوع... وهي مالهاش أهل علشان بيسألوا عنها ولا حاجة. إحنا أهلها." سمر، التي كانت تصارع بين الخوف والعجز، قالت بتردد: "طب وده... هنعمل فيه إيه؟" عايدة نظرت إلى حفيدها الصغير بعينين جافتين من أي شفقة، وقالت ببرود: "سبيه. انتي مش شايفة هو عامل إزاي؟ مش هيعرف ينطق بكلمة." لكن سمر، التي كانت تدرك جيدًا أن الأمر لن ينتهي بهذه البساطة، لم تستطع كتم مخاوفها: "طب هما لما يجوا... هيأخدوا معاهم. هتعرفي تقولي لا؟" ثم تابعت بصوتٍ مرتعشٍ من الرعب: "واهاه... ولو الحية الكبيرة هي اللي طلبت، هتعرفي تعترضي؟" شعرت عايدة بأن الخوف يتسلل إلى قلبها، فأخذت تقف ببطء، وقد بدا عليها التردد لأول مرة. لم تعرف ماذا تفعل، تلك اللحظة التي ظنت أنها تسيطر فيها على كل شيء تحولت إلى لحظة رعب وارتباك. تذكرت ابنها الذي لم يتم دفنه بعد، وغمرت قلبها مشاعر متضاربة من الحزن والغضب والخوف. عايدةبصوت متهدج: "اسكتي بقا... مش ناقصة، أنا ركبي بتخبط في بعض." سمر، التي بدأت تشعر بالندم لأول مرة، قالت وهي تبكي بحرقة: "أنا غلطانة إني طاوعتكِ يا ماه... آه." عايدة، وقد حاولت استعادة سيطرتها على الوضع، صاحت بغضب مكبوت: "استكتي يا بنت بطني انتي! معايا في كل حاجة من الأول. من يوم ما هي دخلت حياة أخوكي، وكل المصايب عملناها سوى. مش هنيجي دلوقتي ونتحاسب!" ثم وجهت أمراً حازماً إلى سمر: "يلا اتصلي على جوزكِ وعرفيه باللي حصل، علشان يتصرف. يلا!" كانت سمر ترتجف وهي تبحث عن هاتفها. كانت تعرف أن هذه المكالمة ستقرر مصيرها ومصير أمها وحفيدها. ولكنها كانت مضطرة، لا خيار لها. قامت سمر بتنفيذ ما أمرتها به والدتها، وهي تبكي بحرقة. كانت الدموع تنهمر من عينيها، ولكنها لم تكن دموع الحزن فقط، بل دموع الرعب من المجهول الذي ينتظرها. سمر بصوتٍ مختنق: "هتصل أههه... لما نشوف، استر يا رب." أمسكت الهاتف بيدين مرتعشتين، وضغطت على الرقم المألوف لها. دقّات قلبها كانت تتسارع مع كل ثانية تمر، حتى جاء صوت عيسى عبر الخط، مليئًا بالقلق والغضب. سمر بنبره مرتجفه: "الو، أيوه يا عيسى، حصل... اعمل....... اية......" عيسى بلهجة غاضبة: "إنتِ هببدتي إيه؟..... الله يخرب بيتك." سمر، وهي تحاول السيطرة على صوتها: "عيسى، اسمعني." لكن صوت عيسى الغاضب ارعبها اكثر وهو يقول: "مش عاوز أسمع. اتكتمي. اقفلي.... وخليني أشوف هتصرف إزاي. هي لسه فيها الروح؟" سمر، وقد شعرت بشعور اليأس يتسلل إليها: "لا، هي ماتت أكيد. باين كده، مش عارفة." عيسى، بعد لحظة من الصمت المتوتر: "أنا هبعت دكتور على البيت يكشف عليها. وانتي وامك تحطوها على السرير، وتنضفوا الشقة. وتحطوا من دمها على السلم، علشان الكلام يكون مظبوط. لو لسه عايشة، إحنا اللي هنموت، يلا اقفلي." أغلقت سمر الهاتف، والقلق يعصر قلبها. توجهت إلى والدتها، التي كانت في حالة من التوتر الشديد. سمر، وهي تحاول استعادة بعض الهدوء: "تمام، تمام." عايدة، بنبرة تحمل القلق: "قالك إيه؟" سمر، وهي تنفث نفسًا عميقًا: "قال لي نشيلها ونحط من دماءها على السلم، وهو هيبعت دكتور ليعرف يتصرف." عايدة، وقد بدأت تتولى زمام الأمور مجددًا: "يلا، شيلي معايا." بدأت الأم وابنتها في تنفيذ التعليمات، لكن كل حركة كانت محملة بالرهبة والخوف من العواقب، وكل لحظة تمر كانت تشعرهما بأنهما يغوصان أكثر في مستنقع من الكوارث التي لا مفر منها. أنا أتذكر كل شيء، كأنه حدث الآن. أتذكر نانا وعمتي وهما يحملان أمي من الصالة ويدخلان بها الغرفة. أتذكر كلامهم وكل ما فعلوه؛ لم أكن قادرًا على فعل أي شيء أو مساعدة أمي. حتى أبي يقولوا لي انه رحل عن هذه الحياه: “ماذا يمكنني أن أفعل؟” “من سيأساعدني؟” وأنا غير قادر حتى على التحدث، بقيت أبكي بدون صوت، وجسدي يرتجف. أرى نانا تخرج من الغرفة، وراءها عمتي سمر تأتي نحوي وتقول بصوت حاد وعيون حمراء: " قوم معايا يلا" لم اتحرك وبقيت مكانى انظر لها بخوف، وزاد ارتجاف جسدي،فصاحت جدتى مره أخري بحده أكبر: "أنا بكلمك أقوم" .. تسحب الصغير بقوة من الأرض، عيناه لا تفارق دم أمه، جسده يرتجف بقوة، ولا يستطيع الرد عليها أو الْتِفاته إليها. تصرخ بقوة فيه ولكن لا يوجد رد. عند سماع طرق الباب، تتجه سمر نحوه فورًا، تنظر من العين السحرية أولًا لتعرف هوية الطارق، ثم تنظر إليها و تخبرها، وهي تهم بفتح الباب،وصوت منخفض تخبر جدتي: "الدكتور جاه، يلا سبيه دلوقتي" تلف للباب والترحاب المصاحب بالبكاء. "اتفضل يا دكتور، الحقها الله يخليك، دى هتموت، دمها سايح جوه، حبيبتي يا ايمان" تخاطبه وهي تركض أمامه نحو للغرفة، مع عباراتها المتساقطه بلا توقف. يقف على باب الغرفه عندما لمح هذا الصغير الساكن في حضن جدته؛ كانت تمثل الحزن والتعاطف معه، والرحمه لا تعرف مكان فى قلبها، وصوت نحيبها يعلو بكلمات تواسيه بها: "حبيبي يا بنى، أمه وأبوه في يوم واحد، يارب، بس ي حبيبى بس، نانا جمبك، ومش هتسيبك أبداً، يا ابن الغالى " يدخل الطبيب إلى الغرفة مع سمر، وعندما تلتقط عيناه تلك الراقدة على الفراش، يصرخ في سمر بقوة، وهو يجري لمساعدتها: "ليه ماحدش حاول يوقف النزيف، دمها اتصفى" تكلمت سمر بخوف وهي تقترب منه: "يعني إي يا دكتور" نطق بسرعه دون تردد وصوت ثابت: "البقاء لله" تلطم وجها وتمثل البكاء والحزن بمهاره وهي تخبره باكاذيب: "يا حبيبتى، احنا لما جينا لقناها كدا وشلناها" "وكلمنا عيسى، كلمك على طول وما كناش عارفين نعمل، الصدمه صعبه أوى يا دكتور، أخويا ومراته فى يوم واحد، دي يا حبت عينى، جينا نشوفها بعد ما عرفنا الخبر موت اخويا؛ مرضناش نسبها لوحده؛ جينا لقنيها كدا . كانت لوحدها هى وابنها، حبيبى بره شاف امه ودمها بتصفى" أنهت حديثها وهي تركض نحو إيمان الراقدة على الفراش عاجزة عن الحركة والقوة؛ احتضنتها وهي تبكي. غادر الطبيب بعد أن أعطى الحقنة لإيمان، مع استغراب سمر لما فعل، وتركهم بعد ذلك وانصرف إلى الخارج، وعند نزوله إلى الأسفل، تحدث مع عيسى عبر الهاتف. بنبرة خبيثه ولكنه حاول أن يكون طبيعى حتى لا يكشف أمره: "الو أيوا عيسى باشا، أنا رحت البيت بس للاسف، وصلت متاخر، البقاء لله" سمع عيسى حديثه والخوف تسلل لقلبه، كان أن يتحدث بهدوء لكى لا يلفت الانتباه فقال بصوت منخفض: "جهز كل حاجه للدفن يا دكتور، علشان انهارده هدفنها هى وزوجها" أجابه الدكتور بثبات: "لا حول ولاقوة إلا بالله، حاضر هجهز كل حاجه، سلام" رد عليه عيسى ثم اغلق الهاتف بسرعه: " سلام " جلس يفكر ما يفعل حسب خطه وذهب للقطاع ليخبر زين بوفاة إيمان أيضاً. ............. في الأعلى داخل الشقه تحدثت عايده وهي تقترب من ابنتها بصوت حاد لكن لم يخلو من الخوف: " يلا اجهزى، و هاتى آسر معاكى، البلد عندنا عرفت بموت ابنى ومراته، وكل جاى يعزى ويحضر الدفن" سمر بإرتباك: "وانتى هتقبلى بالوصيه اللى ابنك عملها؟ " نطقت عايده بغضب مخالط بالخوف والحزن: "ايوه لازم أقبل، علشان يدفنوا مع بعض قبل ما هما يوصلوا، لازم قبل ما يجوا تكون، إدفنت يلا ٠العربية تحت وفى ست جاية تغسلها، والدكتور، هيجيب تصريح الدفن. " وقفت سمر مقابله لوالدتها وتحدث برعب سكن قلبها: "هما مش هيشكوا فى حاجه. " تحاول أن تطمئن ابنتها،لكن تعلم أن القادم سكون هلاك للجميع: "عيسى هيظبط كل حاجة، أهم حاجة،جينا لقناها على السلم سايحة في دمها، وكويس أن جارتها مش هنا ولا كانت هتبقا مصيبه يلا" أكملت حديثها وقامت لتفتح الباب.الذي كان يدق بقوه. '''فتحت جدتي الباب، وإذ بامرأة غريبة الشكل تدخل الشقة،رأيتها تدخل الغرفة التي فيها أمي، ومكثت هناك وقتًا طويلًا، ثم خرجت. وجدتي وعمتي يبكيان ويعانقانني،وبعد قليل دخل أربعة رجال كبار، ومعهم صندوق دخلوا به غرفة أمي. ثم خرجوا وهم يحملون الصندوق الأربعة.وعندما خرجوا، أمسكتني جدتي من يدي وقالت بحزن: "قوم يا حبيبى، يلا" عندما تفوهت بتلك الكلمات، هرولت بكل قوتي نحو غرفة أمي وأنا أبكي، أمسح دموعي وأغمض عيني ثم أفتحها مجددًا، وأكذب عيني عما رأيت وما حدث أمامي. ظللت أبحث عن أمي في الغرفة ولم أجدها، فظللت أصرخ، وجدتي تحتضنني وتأخذني وتنزل بي. وأنا أصرخ محاولًا دفعها عني، أريد الصعود لأبحث عن أمي، أين ذهبت أمي؟ نزلت إلى الأسفل فوجدت الرجال يضعون الصندوق في سيارة الإسعاف، وكثير من الناس تحت المنزل، والعديد من النساء يأتين إلى جدتي ليحتضنها، ويقلن: ‘تشددي يا أم أحمد، الله يصبر قلبك يا حبيبتي، وها هو الله كرمك بابنك الغالي، الله يعينك.’ وعايدة تصرخ بقوة: ‘حبيبي يا ابني.’ '''كثير من الناس كانوا يتحدثون ويحتضنون جدتي وعمتي، هؤلاء كانوا جيران جدتي، أتوا ليقفوا معها. ركبنا السيارة وظللنا نسير لمدة طويلة، هذا ليس منزل جدتي، هذا المكان الذي كنت أذهب إليه مع أمي، نعم، أنا أعرف هذا المسجد، كانت أمي تأخذني كل جمعة لنصلي العصر فيه، ونذهب لزيارة قبر صديقاتها، كانتا اثنتين، قالت أمي إنهما عند الله، لكن ماذا نفعل هنا، وأين أمي، ولماذا كل هؤلاء الناس؟ لما نزلت من السيارة وجدت أصدقاء أبي، كانوا يرتدون ملابس الجيش مثله. يعني أبي هو أيضًا هنا، تركت جدتي وركضت نحو القائد زين، أنا أعرفه. كان أبي يقول عنه إنه أخوه. أبي قال لي إنه إذا احتجت شيئًا وهو غير موجود، أذهب إلى القائد زين، فهو صديق عمره وأبي الثاني. لم أفكر في شيء سوى أن أحتضنه وأبكي وأسأله عن أبي، هل رآه، أين هو؟" نطق ببكاء مريب وجسد مرتجف: " بابا" .. ضمه زين بقوة ويحاول تهدئته بكلمات مواساة تحمل الحب والعطف: " اهدى حبيبى، أهدى أنا هنا معاك، ومش هسيبك ابدا، أنا موجوده مش هتخلى عنك، انتا بطل، صح حبيبى" '''كان يتحدث وهو يحتضنني بقوة، وأنا كنت أهز رأسي مع كل كلمة. ثم أبعدني عن حضنه وقال لي بصوت ثابت لكنى رأيت الدموع في عيناه: ''أنت عارف بابا فين دلوقتي؟'' حركت رأسى ونطقت بحزن: ''بيقولوا إنه توفي، سمعت نانا وهي تقول كدا.'' وبكى بكاءً يحرق القلوب، بكاء اليتم والحرمان. ثم أخذني في حضنه مرة أخرى وقال: ''والدك ذهب إلى الله، لكنه سيظل حيًا بداخلنا، لن يغادرنا أبدًا.'' نطق بصوت متشنج من البكاء: ''وماما كمان؟'' ... كان يشعر بالشفقة على الصغير، فقد مر بما يمر به الآن، وهو فقدان السند والحرمان من والده. نادت على أمي بخوف: ''ماما.'' أخذني في حضنه وحملني، ودخلت معه المسجد، وجدت صندوقين؛ الأول رأيته يخرج من شقتنا، والثاني مغطى بعلم مصر. مشيت معه حتى الصندوقين، وقال لي وهو يجلس أمامى ويضع يداه على أعلي ذراعي: "عاوز توداعهم؟'' نطق بصوت مرتجف: ''نعم.'' هززت رأسي، وهو فتح الصندوق الأول وكان به والدي، احتضنته وقبلت رأسه، كان يرتدي ملابس عمله وكانت ملطخة بالدماء. عندما رأيته تذكرت أمي وهي ملطخة بالدماء أيضًا، تراجعت للخلف فجأة وأنا أضم رجلي وجسدي يرتعش. عم زين جاء وأمسكني واحتضنني. وأغلق أصدقاء والدي الصندوق مرة أخرى، ثم بدأ الشيخ بالصلاة وقراءة الدعاء، وأخرجني عم زين إلى خارج المسجد حيث كانت جدتي. وعندما تركني معها، أغمي علي. امرأة من أهل البلد: 'حبيبي يا ابني، الله يكون في عونك.' عايدة بحزن وألم حقيقى تصرح: 'ابني راح، آه، ابني.' كانت تبكي بصدق على فراق ابنها، من يراها الآن بهذا الضعف، لا يصدق ماذا فعلت في الساعات السابقة. انتهت صلاة الجنازة وأخذوا الجثمان إلى السيارة ليتم الدفن. تقدم زين من عايدة، وهو يعزيها ويصبرها، ويحدثها عن الوصية ليتم الدفن. القائد زين: 'البقاء لله، أعلم أنه ليس الوقت المناسب، لكن في وصية يجب أن تُسلم لزوجة المقدم أحمد، لكن هي كمان...'" ... توقف الكلام في صدره ولم يعرف ماذا يقول؛ فقد كان حزينًا فعلًا على وفاة صديقته وصديقه، دموعه خانته وسقطت على خده، مسحها بسرعة قبل أن يلاحظها أحد. كانت ترغب في انتهاء اليوم بسرعة، فقاطعته في الكلام بسرعه وقالت: " عرفه بالوصية يا ابنى، موافقة إن ابنى يدفع مع مراته" القائد زين أجاب بثبات ولكن شعور القلق يمتلك قلبه ولا يعرف السبب: 'تمام.' ثم ذهب نحو السيارة وأخذ الجثمان إلى المقابر، وهو محتار والقلق ينهش قلبه مما يحدث، لا يدري سبب مواقف صديقه تجاه هذه الوصية ولماذا هنا، لماذا ليس في مقابر العائلة. _وصف زين ما رأى: 'وصلت إلى المقابر، المسافة لم تكن بعيدة، دقائق معدودة فقط، وعندما وصلت وجدت مكانًا كبيرًا، مليئًا بالأشجار، وبه بوابة كبيرة، وكان هناك حارس يجري نحونا.' الحارس بحيره وقلق: "خير يا بيه،مين اللي مات!" القائد زين أجاب: 'أنت الغفير هنا؟' الحارس والقلق ياكله من الداخل وعلامات الصدمه تحتل وجه: 'أيوه يا بيه، أنا المسؤول هنا.' القائد زين بحيره وخو ينظر حوله: 'فين مقابر ورد الياسمين؟' سأل الحارس بأستغراب: "خير يا بيه، مين مات، حصل حاجه، الدكتورة كانت هنا يومين، فى اى" القائد زين بحزن: 'الدكتورة إيمان وزوجها المقدم أحمد توفيا، وفي وصية بأن يُدفنوا هنا، افتح الباب،بسرعه.' الحارس بطاعه وحزن: 'حاضر يا بيه، لا حول ولا قوة إلا بالله، كانت هنا من يومين، لا حول ولا قوة إلا بالله، تفضل يا بيه.' ثم فتح الحارس الباب." "وقف الجميع في ذهول من المشهد؛ فهناك عدد كبير من المقابر، ثلاثة عشر مقبرة. اثنتا عشرة مقبرة جنبًا إلى جنب، وواحدة أمامهم. وعلى كل مقبرة مكتوب اسم، لكن هناك مقبرتين مغلقتين، والباقي مفتوح. قال القائد زين في حيرة: "إيه دا؟ أنا مش فاهم حاجه، احنا هندفنهم فين، أي مقبرة من دول؟'' أجاب ضابط بصاح: ''يا قائد، في مقبرة مفتوحة مكتوب عليها اسم الدكتورة إيمان.'' اقترب زين منها وتساءل: " يعنى دى اللى هتدفن فيها، طب وأحمد" دخل الضابط المقبرة ونادى على زين: ''تعال وشوف يا قائد، المقبرة مقسمة إلى أجزاء." ذهب زين وتحقق مما قاله الضباط. وافق زين وتم الدفن. بدأوا بدفن أحمد في الجزء الأيمن من المقبرة، وبعد ذلك دُفنت إيمان بجواره. نظرات الاستغراب والدهشة تعلو وجوه الجميع؛ فكل مقبرة مقسمة إلى أربعة أجزاء، وهناك اثنتا عشرة مقبرة بجوار بعضها، مقبرة إيمان في المقدمة. وتلك الشجرة الكبيره على يمينها تحمل اسم الجاسر.في جاسر يكون؟ العديد من الأسئلة بلا إجابة تدور في عقله الشارد ولا يعرف لها جوابًا. كان المكان غريبًا يثير فضوله، مليء بالغموض، يبدو من الخارج كقصر لا كمقبرة، ومن الداخل يوجد الكثير من الأشجار والمقاعد والمصاحف، كل هذه الأشياء عددها ثلاثة عشر، اثنتا عشرة بجوار بعضها، وواحدة في المقدمة. الفضول يسيطر عليه، يريد معرفة كل شيء. فاق من أفكاره على صوت الرائد عماد وهو ينادي عليه: ''يا قائد، انت روحت فين؟ كنت بنادي عليك من فترة، الرجال خلصوا، مش هقرأ الفاتحة؟'' 'أجاب القائد زين: ''تمام.'' وبدأ يقرأ ويدعو لهم، وبعد ذلك كان يخرج لكنه لاحظ شيئًا غريبًا، اتجه نحوه وطالع اللوائح الموضوعة على الاثنتي عشرة مقبرة، كلها مفتوحة ما عدا اثنتين مغلقتين، وبها نفس التقسيمة الأجزاء من الداخل، وعلى كل مقبرة لوحة مكتوب عليها الاسم، وتاريخ الميلاد، ولقب. وما زاد فضوله أكثر، أنها كلها بنفس الاسم (ياسمين) ونفس تاريخ الميلاد،3/8 لكن الألقاب مختلفة. حار بين الألقاب، ولم يكن هناك أسماء محافظة، لكن كان مكتوبًا بجانبها اللقب. تنهد كثيرًا ووضع يده على شعره وقال: "إيه الغبطه دي بقا؟أكيد دول هما الي قال لي أحمد عليهم، ووصاني أقول لهم أن يحافظوا على إيمان، وأنه كان غصبًا عنه، وأن يسامحوه، وأقول لهم إن ابنه على قيد الحياة. أنا مش فاهمه حاجه، ايه المفروض اعمله ؟ و ازاي اعرف طريقهم؟ وهو قال لي أنه بِعد عنهم من خمس سنين، يا رب.'' ... كان محتار بالفعل، وشعر أن رأسه سينفجر. صديقه أوصاه على ابنه وزوجته، زوجته التي توفيت في نفس اليوم. 'ماذا سأقول له؟ لم أستطع الحفاظ على الأمانة، ولا على ابنه.' تذكر فجأة: ''أه، صحيح، أنا نسيته تمامًا، فضولي أخذني ونسيته.'' خرج وقبل أن يخرج من الباب، التفت مرة أخرى إلى المقابر وقال: 'أكيد هرجع تاني هنا، لازم اعرف كل حاجة، أنتم مين يا ورد الياسمين؟' ثم خرج." ... بعد خروج زين من المقابر، وقف الهواء البارد يتسلل إلى عظامه، ليحمل معه عبق الموت والحزن الذي خيم على المكان. التقى بأصدقائه والضباط المتواجدين بالخارج بجوار عائلة المقدم أحمد. مشاعر الأسى والوجوم كانت تسكن وجوههم، كأنها مرآة تعكس الفقد الكبير الذي اجتاح الجميع. بينما كان يبحث بعينيه عن الحارس الذي اختفى دون أثر، كانت نبضات قلبه تتسارع، ليس فقط بسبب الحزن، ولكن لشعور غير مريح يتسلل إلى صدره. تقدم زين نحو والدة المقدم أحمد، السيدة عائدة، التي كانت جالسة بحزن على مقعد خشبي بجوار المقابر في الخارج. كانت عيناها مغرورقتين بالدموع، ووجهها شاحب كأنه مرآة لروحها المكسورة. وقف أمامها زين، متمالكًا دموعه التي كانت على وشك الانفجار، ثم تحدث بصوت مبحوح، مليء بالأسى: "إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله، شدي حيلك، كوني قوية. أنا دائمًا موجود إذا احتجتِ أي شيء. أحمد كان أكثر من أخ ليا، هو موصيني عليكي وعلى ابنه ومراته. بس هي دلوقتي معاه زي ما كانوا بيتمنوا... الله يرحمه." نظرت إليه عائدة بعينين مليئتين بالألم والفراغ، لم تكن قادرة على النطق في البداية، كأن الكلمات خانتها، لكنها جمعت شتات نفسها وأجابت بصوت مخنوق بالدموع: "تسلم يا حبيبي... أحمد كان بيقول إن عندك كل خير، لو احتجت أي حاجة هقولك. إنت دلوقتي مكان ابني." ثم احتضنته بقوة، كأنها تحاول أن تستمد منه بعض القوة التي فقدتها مع رحيل ابنها. كان صوت بكائها يعلو تدريجيًا، نبرتها الحزينة تخترق شهقاتها، ودموعها المتساقطة لا تتوقف، تسيل على كتفه دون مقاومة. شعر زين بثقل الحزن الذي تحمله بين ذراعيه، وابتعد عنها قليلًا، لكنه ظل ممسكًا بيدها، وكأنه يريد أن يكون لها دعامة في هذا الوقت العصيب. بادرها بالسؤال بصوت يحاول أن يكون هادئًا رغم اضطرابه الداخلي: "آسر عامل إيه دلوقتي؟" تنهدت عائدة بصعوبة، وابتسامة حزينة شقت طريقها بين دموعها. ردت بصوت متهدج: "حبيبي من أول لما فاق وهو مش بيتكلم خالص، خايفة عليه أوي ليروح مني زي أبوه... هو اللي فاضل لي من ريحته." كان زين يعرف أن الألم الذي تتحدث عنه ليس فقط ألم الفقد، بل خوف من المستقبل، من أن تظل وحيدة. رد عليها بحزم وهو يحاول أن يزرع الطمأنينة في قلبها: "هو مسؤوليتي لحد لما أنفذ الوصية وأسلمه لدكتورة." في تلك اللحظة، ساد الصمت، وكان الصمت أكثر تعبيرًا من أي كلمات. شعرت عائدة بقلق شديد، انعكس على ملامحها، التي بدأت تتحول إلى اللون الأصفر، وكأنها تجرعت سُم الخوف فجأة. رفرفت شفتاها بالكلمات دون أن تخرج، وحين تمكنت من الحديث، كانت كلماتها متهدجة ونبرتها قلقة: "دكتورة إيه يا بني؟" نظر إليها زين بنظرة مشفقة، محاولًا أن يخفف من وطأة الأمر، لكنه كان يعلم أن الحقيقة ستحطمها أكثر: "كنت مع أحمد في المهمة عندما أصيب، وكنت أقرب شخص ليه. أوصاني بأن أعتني بابنه وزوجته وأن أحاول أصلح سوء التفاهم اللي حصل بينه وبين 'ورد الياسمين'. ما فهمتش منه حاجة وقتها، بس هو قال لي." بدت الحيرة على وجهها، ولم تعرف إن كانت تريد الاستمرار في طرح الأسئلة أم أنها تخشى الإجابة. كانت تلك اللحظة الفاصلة التي أدرك فيها زين أن هناك شيئًا ما خفيًا، شيئًا أكثر من مجرد حزن أم فقدت ابنها. بدأت عينا زين تدمعان وهو يسترجع تلك اللحظة القاسية، وكأنها تعاد أمامه بكل تفاصيلها. كان الألم واضحًا على وجهه وهو يروي الحادثة لعائدة. كانت تجلس أمامه، تنتظر الكلمات التي ستنهي تلك الغموض الذي يحيط بموت ابنها، لكن زين كان يعرف أن هذه الكلمات ستجلب لها مزيدًا من الألم. قال زين بصوت حزين: "كنا في المهمة، وكانت النار شغالة من كل اتجاه. فجأة، سمعت صوت طلقة، ولما بصيت حواليَّ، لقيت أحمد واقع على الأرض. ركضت ليه بكل قوتي، وقلبي كان بيصرخ قبل ما لساني يقدر ينادي عليه. أمسكته ونيمته على رجلي. كان نفسه ثقيل، وكنت شايف في عينيه أن الألم مابيسيبهوش." نطق أحمد بصوت ضعيف ومتهدج، كأنه يحاول أن يقاتل الألم ليوصل رسالة أخيرة: "زين... زين..." حاول زين أن يبقى هادئًا رغم خوفه، فابتلع غصة في حلقه وقال بصوت مرتجف: "استشهد يا أحمد، أنا جنبك، طلبت الدعم، وهما على وصول." لكن أحمد كان يعلم أن النهاية قريبة، نظر إلى زين بعينيه الممتلئتين بالحزن والوداع وقال: "خلاص يا صاحبي، مافيش وقت، أنا رايح خلاص." انهار زين أمام تلك الكلمات، وكان يحاول بكل طاقته أن ينكر الواقع، فقال بسرعة وبتوسل: "لأ ما تقولش كده؛ احنا هنفضل سوا على طول؛ إنت مش عاوز تشوفني عريس؟ مش دي أكتر حاجة نفسك فيها؟ هتقوم وهتجوز عشان تفرح فيا، زي ما إنت عاوز؛ قوم يا صاحبي." ولكن أحمد كان يعلم أن الوقت ينفد، فقرر أن يقول ما يشغله، فقال بصوت متقطع: "عاوز أقولك على حاجة مهمة؛ اوعدني يا صاحبي؛ إنك هتعمل كده، اوعدني." لم يكن زين قادرًا على رفض أي طلب لأحمد في تلك اللحظة، فقال بحزم وحزن: "اوعدك يا أحمد، إني أعمل أي حاجة انت عاوزها، بس خليك معايا." أمسك أحمد بيد زين بقوة، وكأنها كانت آخر قوة متبقية له، وقال بصعوبة: "إيمان... إيمان... يا زين... أمي ابعدها عنها." تفاجأ زين بالكلمات، ولم يفهم ما يقصده أحمد، فسأله بسرعة وقلق: "مالها مراتك وابعدها إزاي؟" رد أحمد بصوت متقطع وضعيف، وكأن الكلمات تخرج من روحه أكثر من فمه: "وديها عندهم، هما اللي هيحموها، هما اللي هيحموها." كانت الكلمات تزيد من حيرة زين وقلقه، فسأله بلهفة: "هما مين؟ وهيحموها من إيه؟" أجاب أحمد بصوت شبه ميت، كأن حياته كانت تتسرب منه مع كل كلمة: "أمي... أمي..." كان زين يشعر بالعجز، لا يستطيع فهم ما يحدث، فسأله بسرعة: "مالها يا أحمد؟ أنا مش فاهم حاجة." بدأ زين يسترجع اللحظات الأخيرة من حياة أحمد، تلك اللحظات التي حفرت في ذاكرته إلى الأبد. كان الألم يلف كل كلمة، وكل حركة، وكل نظرة في تلك اللحظة، حيث الحياة والموت اختلطا في مشهد واحد. بينما كان أحمد يحتضر بين ذراعي زين، نطق بصعوبة، كأنه يقاتل الألم ليتمكن من توصيل وصيته الأخيرة: "في ورقة أنا كتبها في هدومي، وديها لإيمان، وقولها تسامحني... وتقولهم يسامحوني... أنا السبب في اللي حصل... أنا سمعت كل حاجة حصلت بينهم وبين أمي... بس ما قدرتش أكسر أمي قدامهم... دي أمي... قولت هتتغير وهتحب مراتي... بس لا، هي بتكرهها... وكرهها ليها ممكن يعمل فيها أي حاجة... وأنا خلاص رايح ومش قادر أحميها تاني... بس هما يقدروا... قولهم ابني عايش ما ماتش... قولهم يا زين." كان زين يشعر بعبء الكلمات التي قالها أحمد، كأنها أثقال وضعت على كاهله في تلك اللحظة. حاول أن يتمالك نفسه، فقال له بنبرة متوسلة: "حاضر، أعمل كده صدقني، بس انت قوم يا صاحبي." لكن أحمد كان يعرف أن وقته انتهى، فابتسم ابتسامة مؤلمة وقال: "أنا ادفن بهدومي في نفس المكان اللي فيه ورد الياسمين... مش في مقابر العيلة... يا زين." لم يكن لدى زين أي قدرة على الرفض، فوافق بكل حزن: "حاضر يا أحمد، حاضر." ثم فجأة، شعر زين باليأس يسيطر عليه، فصرخ بألم: "أحمد، لا يا أحمد، قوم يا صاحبي!" كانت الصرخة تعبر عن الفراق الذي لم يكن زين مستعدًا له، ولكنه كان يعرف أن لا مفر منه. حاول أحمد أن يخفف عنه، لكن صوته كان يختفي مع كل كلمة: "أه... أه... خلاص يا صاحبي... خلاص." في تلك اللحظة، لَفَظَ أحمد أنفاسه الأخيرة، وغادرت روحه جسده. نطق زين بصعوبة وكلمات متقطعة: "استشهد يا أحمد." صرخ زين بألم شديد، صرخة مزقت سكون المكان: "أحمد!" كانت الصرخة تعبيرًا عن فقدان شخص عزيز، صديق كان جزءًا من روحه. لم يكن قادرًا على قبول الحقيقة، وبقي يصرخ باسم أحمد وكأنه يحاول استعادته للحياة. وصلت الضباط على صوت زين الصارخ عبر الجهاز، وقاموا بأخذ جسد أحمد إلى السيارة. لكن زين لم يستطع أن يتحرك، ظل في مكانه، وصوت صياحه يعلو أكثر مع كل لحظة، كأن الألم يزداد حدة كلما أدرك الحقيقة. ظل زين على هذا الحال لفترة طويلة، حتى انتهت القوات من القضاء على الإرهابيين وتطهير المكان. كان الوقت قد فات، وأبلغ زين بوفاة أحمد. عندما سمع زين الخبر، كان الأمر أكبر من أن يتحمله. لم يكن قادرًا على الكلام، فطلب من عماد الاتصال بحرم المقدم أحمد وإعلامها بوفاة زوجها. . ❝ ⏤ياسمين خاطر
في قطاع 115، كان زين يجلس منهارًا، محطماً بسبب فقدان أحد أقرب أصدقائه، الرائد عماد. دخل الغرفة بسرعة والقلق يأكله، يتحدث بصوت ملهوف ومتسرع: "في مشكلة يا قائد." نظر إليه زين بترقب وسأل: "خير، في إيه يا عماد؟ بلغت أهل المقدم أحمد؟" رد الرائد عماد بصوت متوتر: "أيوه يا قائد، كلمت الدكتورة، لكن فجأة مش بترد، وابنها الصغير بيصرخ في التليفون. أنا بحاول أهديه، وبقوله هتصرف، لكن أنا مش عارف أعمل إيه." تأمل زين الموقف للحظة قبل أن يقول بحزم: "أنا هبلغ أم المقدم أحمد بنفسي، وأقولها باللي حصل. وهما أكيد هيتصرفوا." هز الرائد عماد رأسه بالموافقة وقال: "تمام يا قائد." ........ .............. ......... في بيت والدة المقدم أحمد. كان الألم يتفجر من كل زاوية. الأم عايدة بصوت مليء بالصدمة والوجع: "إنتا بتقول إيه؟ ابني مات؟ إزاي دا حصل؟ ابني مات، يا خالق، ابني مات!" صوت صراخها يملأ الصالة، يرتد في أرجاء المنزل وكأنه صدى لمأساتها. تحاول السيطرة على نفسها، لكن الألم يجتاح قلبها بلا رحمة. ابنتها سمر تقف بجانبها، تحاول تهدئتها، ولكن الدموع تملأ عينيها، ويدها ....... [المزيد]
الوداع الاخير : تقدم زين نحو الغرفة الذي كان يرقد فيها أحمد للمرة الأخيرة. كانت خطواته ثقيلة، محملة بالوجع والحزن. دخل الغرفة ببطء، واقترب من جثمان صديقه الذي كان يرتدي زيه العسكري الملطخ بالدماء. مدّ يده المرتعشة نحو جيب أحمد، وأخرج منه الورقة التي تركها له. قبل رأس أحمد للمرة الأخيرة، وودعه بدموع حارقة لم تتوقف عن الانهمار. شعر بثقل الفراق في كل جزء من كيانه، وكأن الروح تغادر جسده مع رحيل أحمد. أمسك بالورقة بيده المرتعشة، كانت مبللة بالدماء، وخرج من الغرفة بخطوات مثقلة نحو القطاع. لم يكن قادراً على فتح الورقة في البداية، كان خائفاً مما سيجده بين السطور. لكن في النهاية، استجمع قوته وفتحها ببطء. بدأت عينيه بالقراءة، بينما كان قلبه يخفق بقوة مع كل كلمة. في البداية، قرأ الآية القرآنية: "بسم الله الرحمن الرحيم. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون ) صدق الله العظيم." شعر زين بوخز في قلبه، وكأن أحمد يخاطبه من مكان بعيد، يطمئنه أنه ما زال موجودًا بطريقة ما. استمر في القراءة، وكل جملة كانت تنحت في روحه، تاركة آثارًا لا تمحى: "حبيت أبدا كلامي بها علشان ديما تفتكري إني ديما معاكي، ودا مش كلامي دا كلام ربنا سبحانه وتعالى. عاوزك دايما تكوني متأكدة إني هكون معاكي في كل لحظة موجود؛ في قلبك وعقلك، وموجود في ذكرياتنا سوا، موجود في كل مكان في بيتنا. وكمان سيبلك نسخة مني ابننا، مش انتي دايما تقولي إنه نسخة مني؟ خالي بالك من نفسك ومن آسر وكمان أنا بعتذر عن كل حاجة قصرت فيها وعن أمي." كان زين يشعر بدموعه تتساقط على الورقة وهو يقرأ كلمات أحمد، كل جملة كانت تزيد من ثقل الفراق عليه. أكمل القراءة: "أنا آسف يا إيماني، أنا عارف إني غلط. أرجوكي سامحيني ما كانش لازم أخيرك بيني وبينهم. بس ما كانش في إيدي حاجة وقتها، الاختيار كان صعب بينهم وبين أمي، وأنا مش هقدر أشوفهم يهينوها وأسكت؛ حتى لو أمي هي اللي غلطانة. هما ما تخلوش عنك زي ما انتي فاهمة، أنا كذبت عليكي وعليهم للأسف. كنت مفكر دا في مصلحتك، لكن لقيت نفسي بضرك وبسلمك لأمي وأختي يؤذوك، وأنا مش عارف حتى أساعدك ولا أجبلك حقك. أيوه عارف إنه الوقت تأخر على الكلام دا وعارف قد إيه هما تعبوا علشانك، بس كمان عارف إنهم أول لما يعرفوا إني بموت مش هيتأخروا عندك لحظة، ولا على ابننا وهقدروا يعملوا اللي ما قدرتش أعمله. سامحيني وقولهم سامحوني." شعر زين بالألم يعتصر قلبه أكثر مع كل اعتراف يخرج من سطور أحمد، وعينيه تتسعان بينما يكمل: "كمان أنا قلت لهم إن ابننا مات، وأنا اللي قلتلك تأجهضي، وإني مش عاوزهم. عارف إني كذبت عليهم، قوللهم يسامحوني، وانتي كمان سامحيني. قولهم ابننا عايش، وكمان سميته آسر، زي ما كانوا عاوزين." كان زين بالكاد يستطيع مواصلة القراءة، لكنه استمر: "دا الجزء خاص يبكى، الباقي لزين، انتي عارفة هو اللي هيساعدك فيه، وهيحميكي، ويساعدك إن كل حاجة ترجع أحسن من الأول. أنا موافق إني أدفن في مقابر (ورد الياسمين)، عارف إن أمي مش هتوافق، علشان كده زين هيساعدك تحققي حلمك، إننا نكون سوا مع بعض بعد عمر طويل. لا إله إلا الله. حبيبك أحمد." انتهى زين من قراءة الوصية، وكان يشعر بأن قلبه قد تهشم إلى قطع صغيرة. أغلق الورقة بقوة، وضرب بقبضته على مكتبه بعنف، كأن الألم داخله كان يحتاج إلى مخرج مادي. دموعه لم تتوقف، بل كانت تتدفق بغزارة. لم يكن يريد أن يرى أحد ضعفه، لذا مسح دموعه بسرعة عندما سمع طرقات على الباب. أمر بالدخول، ولم يكن الشخص الذي دخل سوى صديقه عماد. بعد أن أنهى زين قصة وفاة أحمد لعايدة، كانت عيونها مسمرة على الأرض، مستغرقة في أفكارها بينما كانت تسمع كلماته. لم يخبرها بكل ما سمعه من أحمد قبل استشهاده، لم يذكر خوف أحمد على زوجته من والدته ورغبته في حمايتها منها. فقط روى لها موقف استشهاده وأوصيته له بالعناية بزوجته وابنه، وأنه يرغب في أن يُدفن في مقبرة "ورد الياسمين"، وأن ورد الياسمين علموا أن آسر لا يزال على قيد الحياة. عائدة، بصوت متهدج ومشوب بالصدمه، بدأت تتحدث: "يعني ابني مش عاوز ابنه يكون معايا؟ عاوز يحرمني منه هو كمان؟" كانت كلماتها تحمل مزيجاً من الصدمة واليأس، وضربت على صدرها بقوة، وظهر على وجهها تعبير لا يوصف من الحزن والخوف. زين، بنبرة حاول أن تكون هادئة رغم شعوره بالعجز: "أحمد كان يعرف منين إن مراته هتموت معاه؟ دا قضاء الله وقدره. هو وصاني، وأنا لازم أبلغهم." في عقل عائدة كانت الأفكار تتسارع، تشعر بالقلق من أن آسر إذا تكلم أو تم أخذه، قد يكشف كل شيء ويهدد حياتها. كانت تعلم أن عليها إيجاد حل سريع لتجنب الكارثة التي تلوح في الأفق. زين كان لا يزال يتحدث، محاولاً طمأنتها، لكنه تفاجأ بسحبها ليده وتقبيلها. كان هذا التصرف غير متوقع بالنسبة له، فشعر بالضيق وسحب يده بسرعة، متحدثاً بنبرة حادة رغم حزنها: "إيه دا يا أمي، أنا اللي أبوس إيدك، مش إنتِ." انحنى وقبل رأسها ويدها احترامًا لها. رأت عائدة في هذا الوضع فرصة، فاستغلتها لصالحها. انفجرت في البكاء، تتوسل إليه بألم، طالبة منه أن يترك آسر معها وألا يحرمها منه، فهو كل ما تبقى لها من أحمد. عائدة، بكلمات مليئة بالدموع والضعف الظاهري: "علشان خاطري يا ابني، علشان خاطري، ما تبعدوش عني. ما اقدرش أعيش من غيره، دا هو اللي فاضلي من ريحة الغالي. أبوس إيدك." زين، متأثراً بدموعها، حاول تهدئتها قائلاً: "يا أمي إيه اللي هيبعده عنك بس؟ أنا كمان هكون مسؤول عنه، وهيكون معاكي، مش هيبعد عنك أبداً. اهدي إنتي بس." لكن عائدة لم تتوقف عند هذا الحد، وبدأت تخاطبه بنبرة مليئة بالتوتر والقلق: "إنتا مش فاهم حاجة يا ابني. دا لو المرحومة كانت لسه عايشة، كانوا هيفضلوا هنا. لكن هما عايشين بره مصر، في بلد مش عارفه اسمها، هما سافروا من خمس سنين، وكلهم بنات عزاب، إزاي هيقدروا ياخدوا بالهم من عيل صغير؟" وقف زين محتارًا، مشوشًا بين وصية صديقه ودموع والدته. كانت الأفكار تتصارع في رأسه، ووجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه. بعد فترة من الصمت والتفكير، تكلم بصوت محمل بالحيرة: "آسر حالته دلوقتي مش كويسة. أنا هاخده معايا البلد كام يوم. يكون العزاء خلصت وقدرتوا تهتمي بيه، وكمان تكون أعصابكم هدت. وصدقيني مش هخليه يبعد عنك. ولو هما عاوزينه يفضل هنا، ما كانش أنا أقدر اهتم بيه. وبعدين لحد دلوقتي لسه ما حدش فيهم ظهر." عائدة، تحاول أن تجد مخرجاً، تمتمت بصوت منخفض: "أكيد لسه ما يعرفوش." رد زين بحزم: "لاء، أحمد أكد لي إنهم كانوا دايمًا بيراقبوا إيمان من بعيد، علشان هو مانعهم يتكلموا معاها. وكمان الغفير دلوقتي بلغهم... شكله على اتصال بيهم. كل دا هنعرفه بعدين، وأنا مش هسكت غير لما أعرف هما مين ورد الياسمين." كلماته كانت كافية لتزيد من رعب عايدة، تلك التي شعرت بأن كل كلمة كانت تضيف ثقلًا جديدًا على قلبها المتعب. كانت تخشى من أن يكشف زين الحقيقة كاملة، ويكتشف ما تحاول إخفاءه بأي ثمن. فمراقبة إيمان أشبه بصفعة قوية هزت أعماقها. ارتجفت أطرافها، لكنها حاولت التحكم في تعابير وجهها، رغم أن زين كان يراقبها بدقة، يحاول قراءة كل حركة وكل ارتعاش. زين كان عازمًا على كشف الحقيقة، غير مدرك للمخاوف التي كانت تعصف بعقل عايدة. بالنسبة له، كان الأمر يتعلق بالوفاء لوصية صديقه الراحل وكشف الغموض الذي يحيط بورد الياسمين. تكلمت بصوت متحشرج، يغلبه القلق والرهبة: "ماشي يا ابني... اللي تشوفه صح اعمله." أومأ زين برأسه، مظهرًا تفهمه لطلبها. "أنا هروح دلوقتي، وهاجي بليل علشان العزاء." ردت عايدة بإيماءة سريعة وعينين متعبتين: "سلام." حمل زين الطفل الصغير، آسر، واتجه به نحو سيارته، مصممًا على السفر إلى بلدته في سوهاج، حيث يسكن مع عائلته الكبيرة. بينما كانت عايدة وسمر وعيسى يذهبون إلى البيت لتحضير مراسم العزاء، كل منهم كان غارقًا في أفكاره المظلمة، محاولين جاهدين إيجاد حلول للمصائب التي أحاطت بهم. ........... ......... ............ في السيارة، استيقظ آسر بمجرد أن وضعه زين في المقعد الخلفي. كانت عيناه مليئتين بالحزن، وجسده يرتجف بينما تساقطت عبراته الصغيرة. نظر إليه زين بتعاطف وحزن عميقين، غير معتاد على مواساة طفل، فهو رجل صارم، حاد الطباع، يكره كل ما يضعفه أو يشغل باله. كان دائمًا يتجنب العواطف والمشاعر العميقة، خاصة بعد خذلانه من أقرب الأشخاص إليه. ظل آسر على حاله طوال الطريق، يبكي ويئن حتى استسلم للتعب ونام. كانت المسافة بين القاهرة وسوهاج طويلة، وطوال الرحلة، لم يتوقف زين عن التفكير في الصعوبات التي تنتظره في الأيام القادمة، وهو يتحمل مسؤولية حماية هذا الطفل الصغير، ويواجه الحقائق المرعبة التي تتكشف أمامه. كان زين يقود سيارته في صمت مهيب، وعقله غارق في دوامة من الأفكار. كان التفكير في الصغير آسر، وما قالته جدته، وأيضًا الوصية الثقيلة التي يحملها، يشغل كل تفكيره. لم يشعر بطول الطريق الذي كان يسلكه، ولم يكن يعلم أين كان يذهب. فقط كان ذهنه منشغلًا بمسؤولياته الثقيلة وقرار لا بد من أخذه. حاول أن يقنع نفسه مرارًا بأن ما يفعله هو الصواب، أمسك بهاتفه، وضغط على بعض الأرقام وانتظر الرد. ........ ............ .......... في القصر الكبير الذي يزدان بالفخامة، كانت الخادمة الشابة تركض بخفة نحو الهاتف بعد أن سمعت رنينه. توجهت بسرعة نحو سيدها الصغير، متحدثة بنبرة احترام واهتمام. "ألو، أيوه زين بيه." زين بصوت هادئ لكنه بنبرة جادة: "جولي للحاجة إني جاى على البلد، وكملها دجايج، ووصل، وكمان معايا ضيف، هيكون مسجول منيها. مفهوم كلامي؟" كانت كلمات زين مشبعة بالصرامة والجديّة، تخللتها نبرة حازمة تجعل من الصعب تجاهلها. ردت الخادمة هنيه بكل احترام، محاولة أن تظل متفهمة ومتجاوبة: "مفهوم يا زين بيه، مفهوم حاضر، هجولها." أجاب زين دون إكثار: "سلام." أنهى المكالمة ثم أغلق الهاتف، ليواصل الطريق نحو بلدته. كان الصغير، آسر، نائمًا بجواره، يغفو في سكون عميق. لم يكن زين يركز على المناظر التي تمر بجواره، كان كل تركيزه على المهمة التي تنتظره. أخيرًا، وصل إلى بلدته مع غروب الشمس، وقد أخذت الألوان الذهبية والبرتقالي تتداخل في الأفق. قرر أنه سيترك آسر مع عائلته، ليقوموا برعايته، ثم يعود بعد ذلك لأداء واجب العزاء. لقد كان النهار طويلًا ومليئًا بالأحداث، لكن المهم الآن هو تأدية ما عليه من واجبات وتحمل المسؤوليات التي فرضها عليه الراحل أحمد. عند وصول زين إلى بوابة القصر الكبيرة، كان الغفير، عم متولي، يقف على البوابة بملابس العمل التقليدية. كان يراقب وصوله من بعيد. حينما رآه زين، ركض نحو السيارة بسرعة، ووجهه يشرق بالترحاب، وكانت ملامح وجهه توحي بالراحة لرؤية زين، كأنه كان ينتظر قدومه بفارغ الصبر. عم متولي، بصوت حار: "أهلاً يا زين بيه، افتح يا ولد زين بيه، وصل!" زين، بابتسامة خفيفة: "إزيك يا عم متولي؟" عم متولي، بلهجة عفوية: "بخير يا بيه، اتفضل اتفضل." فتح عم متولي البوابة، وعندما دخل زين، بدأت المشاهد تتكشف أمامه: الطريق الكبير الذي يمتد بين الزهور والأشجار،كان يحيط بالقصر، وكل شيء يبدو هادئاً ومليئاً بالسكينة. وصل أمام باب القصر، وأوقف سيارته بلطف، ثم نزل منها ليجد جدّه عبد الحميد وأمه فاطمة في استقباله. توجه زين إلى جدّه، وقبل يده، وكان يعبر عن شوقه بلمسة حانية، وتبادل معه كلمات دافئة تفيض بالحنين. زين، بابتسامة مشبعة بالعاطفة: "إزيك يا جدي." الجد عبد الحميد، وهو يضع يده على كتف زين: رح"أهلاً بيك انتا يا ولدي." ثم انتقل زين إلى أمه، ضمها إلى صدره وقبّل يدها وجبهتها، وكانت مشاعره تتراوح بين الحزن والحنين. زين، بصوت خافت مليء بالمشاعر: "اتوحشتك يا ما." الأم فاطمة، بدموع في عينيها: "اتوحشتك جوى، جوى، يا ولدي." ظل زين يحتضن أمه، وكأنه يستمد قوتها ليواصل رحلته، ثم اعتدل وسأل بجدية. زين، بنبرة جادة: "بعد إذنك يا جدي، وأنتِ كمان يا ما، كنت حابب إن آسر يفضل هنا كام يوم لحد يعني." الجد عبد الحميد، وهو ينظر إلى زين بجدية وحنان: "دا بيتك يا ولدي، وضيفك هيكون في عينينا، ويقعد الوقت اللي هو رايده، إن شاء الله العمر كله." زين، وهو يقبل يد الجد مجدداً: "تسلميلي يا جدي، وأنا ما لقيتش مكان أمان لآسر غير هنا." الجد، بطمأنينة: "روح هات ضيفك يا ولدي." توجه زين نحو السيارة، حمل الصغير النائم، وصعد به إلى الداخل. نادت الحاجة فاطمة على هنية، الخادمة. "بت يا هنية، انتي يا بت!" كانت هنية مشغولة في إعداد الطعام، وعندما سمعت نداء الحاجة فاطمة، هرولت إلى الخارج وهي تقول: "أيوة يا ستي الحاجة." أجابت الحاجة فاطمة: "روحي حضري الأوضة لآسر." أجابت هنية: "حصل يا ستي الحاجة، جول لما زين بيه كلمني، وأنا عملت كده على طول." توجهت هنية إلى زين، الذي كان يحمل آسر النائم بعمق. ولا يدرى بأي شئ يحدث حوله. تتكلمت وعلى وجهها إبتسامة جميلة، وهى ترحب بسيدها الصغير، الذى يعامل الكل باحترام شديد ، كأنهم عائلة وليس خدم عنده.ساعدته في نقل الأغراض إلى غرفة الصغير. وهي تقول بابتسامة: "اتفضل يا زين بيه، اتفضل هات عنيك يا بيه." رفض زين عرضها وأصر على حمل الطفل بنفسه. قال: "لا يا هنية، أنا اللي هطلعه، هاتي أنتِ الحاجات من العربية." ركضت هنية نحو العربية، وأخذت الأغراض إلى غرفة الصغير. صعد زين إلى الغرفة، تركه على الفراش، خلع حذاءه، وغطيه بالوشاح، وقبّل رأسه بحب. حينما نزل إلى الأسفل، قابل هنيه التي كانت تنقل الأغراض إلى غرفة الصغير. قالت هنية بإحترام: "هطلعهم فوق يا بيه." رد زين بإبتسامة: "أيوة، بس من غير صوت." أجابت هنية بطاعه: "حاضر يا بيه." أسرع زين في مهمته، ثم نزل إلى أسفل حيث كان الجد ووالدته ينتظرانه. وقف زين، وهو يواجههم بوجهٍ عابس حزين: "أنا لازم أروح يا جدي علشان الحق العزاء." الجد عبد الحميد، بقلق: "خلي بالك من حالك يا ولدي، توصل بسلامة." الأم فاطمة، بصوت يملأه القلق: "وهتيجي تاني هنا يا ولدي؟" زين، بحزم: "أيوه يا ما، لما العزاء يخلص وأعمل الواجب. اللي راح مش أي حد، دا صاحب عمري. لازم أروح. تأخرت. سلام." الجد والحاجة فاطمة، بقلوب مليئة بالتمنيات الطيبة: "مع السلامة يا ولدي." صعد زين إلى سيارته، وكان وجهه يعبّر عن توتر مستمر، عينيه متجهمتين، وكأنه يحمل ثقل العالم بأسره. بينما كانت السيارة تقطع الطريق، كان عقله غارقاً في التفكير، يحاول التوصل إلى قرار حاسم بشأن الصغير وآخر التعليمات التي حصل عليها. أدرج رقماً في هاتفه المحمول وانتظر، مع كل رنين كان يتمنى أن يتلقى خبراً مريحاً. زين، بلهجة مليئة بالترقب: "أيوه يا عماد، في جديد؟" عندما أجاب الرائد عماد، كانت نبرة صوته تتسم بالقلق، وكأنها تنم عن توتر لا يستطيع إخفاءه. الرائد عماد، بصوت مختنق: "أيوه يا قائد، بس لازم تيجي، مش هينفع في التليفون." زين، محاولة للتحكم في مشاعره: "أنا في الطريق يا عماد، أول لما العزاء يخلص هنتقابل." الرائد عماد، بتأكيد محمّل بالقلق: "تمام يا قائد، أنا في العزاء، أنا والرجالة." زين، وهو ينهي المكالمة: "تمام، سلام." أغلق زين الهاتف، وسرعان ما زاد من سرعة سيارته، وكأنه يهرب من أفكاره القلقة. كانت المسافة إلى القاهرة طويلة، ولكنه عزم على قطعها بأسرع ما يمكن. لم يكن يلتفت إلى مشهد الطريق أو الأصوات من حوله، كل ما كان يشغله هو الوصول في الوقت المناسب. عندما وصل إلى موقع العزاء، كان الوقت قد بدأ يغمره ألوان الغروب الذهبية. التقى بجانب عيسى والرجال، ووقف بينهم، بينما كان الشيخ يقرأ الورد الأخير من القرآن بصوت عميق ومؤثر. بعد انتهاء القراءة، تراجع زين إلى جانب الرائد عماد، الذي بدت عليه علامات التعب والإجهاد، وكأن الأوقات الأخيرة قد أثقلت كاهله. زين، وهو يحاول السيطرة على توتره: "خير يا عماد، إيه اللي عرفته وما ينفعش في التليفون؟" كانت نبرة زين تعكس قلقه العميق، وعيناه تتنقلان بين وجه عماد وكفه المتوتر. عماد، الذي بدا عليه الشحوب والتوتر، ابتلع ريقه ببطء، وكأن الكلمات عالقة في حلقه. عماد، بنبرة متقطعة: "بعد ما مشيت، أنا كنت لسه عند المقابر، أنا ووائل ومصطفى، كنت راجع أقرأ الفاتحة قبل ما نمشي." زين، وهو يحاول الحفاظ على هدوئه: "أها، وبعدين، إيه المهم في ده يعني، اخلص يا عماد دماغي مش فايقة." عماد، وهو يحاول ضبط نبرته المتوترة: "حاضر يا قائد، أنا هقول." رفع زين صوته، وكأنما يبحث عن طمأنينة وسط الضغوط، صرخ بنبرة عاتية جعلت كل الأنظار تتجه نحوه. زين، بصوت مرتفع: "عماد!" عماد، وهو يبتلع ريقه بوضوح: "يا قائد، مكان ده ماكنش فيه غير المقابر دي بس." زين، باهتمام حاد: "يعني إيه؟" عماد، وهو ينفث ببطء: "دي كلها أرض كبيرة تقريباً ملك لحد، وما فيش غير البوابة دي اللي فيها 13 مقبرة وكلهم في مكان واحد زي ما أنت شفت." زين، بتركيز: "أها، وبعدين؟" عماد، وهو يواصل بصوت مشحون بالتوتر: "اللي عرفته إن الأرض دي كلها ملك (ورد الياسمين)، وهم اللي عملوا عليها الجامع اللي كنا بنصلي فيه، وكمان فيه بيت صغير للغفير هو واهله، والغفير هو المسؤول هناك." زين، وهو يضغط على أعصابه: "وانت شفت الغفير تاني، لأن من أول لما أنا سألته وفتح البوابة وهو اختفى." عماد، بصوت متهدج: "أه، شوفته وأنا داخل من البوابة، بس كان ماسك التليفون وكان باين عليه القلق." زين، بحدة: "كان بيكلمهم؟" عماد، بتأكيد: "أكيد يا قائد." ثم أضاف عماد، بترقب متوتر: "بس في حاجة كمان." زين،وعصبية ملحوظة تتخلل صوته : "قُل اللي عندك على طول، مش هتنقطني بكلامك أنت." عماد، وهو يحاول تهدئة نفسه: "أول لما دخلنا المقابر، كل المقابر كانت مفتوحة ما عدا اتنين." قاطعه زين، وكأن الأسئلة تتزاحم في ذهنه: "شفتهم، واحدة في النص والتانية في الآخر." عماد، وهو يتحدث بسرعة: "أيوه، وكان في ست كبيرة قاعدة بتقرأ قرآن قدام المقبرة الأخيرة." زين، بترقب شديد: "عرفت هي مين؟" عماد، بنبرة خافتة: "بصراحة لا يا قائد." كان الليل قد حلّ على القاهرة، وغطى الظلام المدينة بعباءته الثقيلة، مغموراً في صمت قاتم، سوى من خرير الأمطار المتناثرة على الشوارع الهادئة. الضوء الخافت من مصابيح الشوارع يعكس على الأرض لمعاناً فضياً، مما يضفي هالة من الحزن والانتظار على المشهد. في وسط هذه الأجواء الموحشة، كان زين يواجه عماد، وهو غاضب ومشحون بالتوتر. نبرة زين كانت تعبر عن الانزعاج العميق، وجهه مشدود والعبوس يسيطر على ملامحه، وكأن أعباء العالم كله قد استقرت على كتفيه. زين، صرخ بصوت عالٍ، كان يملؤه الإحباط والغضب: "أمال انتا مستني إيه يا بني آدم، لما تمشي، ليه مروحتش، وعرفت هي مين؟" الكلمات خرجت من فم زين كالصاعقة، تنفجر في أرجاء المكان. عماد، الذي كان يتصبب عرقاً من التوتر، حاول أن يلتقط أنفاسه، وهو ينظر إلى الأرض، حائراً بين محاولة تفسير الموقف وإحساسه بالفشل. عماد، بصوت خافت وصعب: "يا قائد." زين، بنبرة حادة، وقد بدا عليه الغضب: "قائد إيه، بعتمد على شوية عيال. أنت والجوز الأرجوزات اللي معاك، مش عارفين تعرفوا هي مين، ومين اللي مدفون جوه." عماد، على وشك الانهيار، حاول أن يبرر موقفه، لكن زين كان صارماً، لم يسمح لأي حديث دفاعي. مصطفى، الذي كان يقف بجانب عماد، حاول أن يتحدث، لكن زين لم يلتفت إليه. مصطفى، بصوت متردد: "أكيد أم واحدة من الـ 12 يا قائد." زين، بلهجة ساخرة وحادة: "وممكن لأ يا خفيف، علشان كل مقبرة مقسومة أربعة أجزاء، وممكن حد تاني جوه، من عائلتها مثلاً. وبعدين أم المقدم أحمد قالت إنهم عزاب." وائل، وهو يبدو مرهقاً: "والله يا قائد، حياتهم كلها ألغاز." زين، وهو ينظر إليهم بمرارة: "وأنت بقى مش عارف تحل شوية ألغاز، ولا عاوز حد يحلها لك؟" وائل، بصوت منخفض: "يا قائد، أنا راجل صاعقة، مش مباحث." زين، بنبرة خافتة: "لاء، أنتوا شوية عيال." عماد ومصطفى ووائل، جميعهم كانوا يشيعون الرأس إلى الأرض، خجلاً من الفشل الذي ارتكبوه. زين، وهو يشعر بالإحباط الشديد، أعطى تعليماته بصرامة. زين، بصوت عالٍ وحازم: "من بكره، عاوزكم تعرفوا كل حاجة عن المقبرتين اللي مقفولين، سامعين؟" الرجال، في تنازل واضح: "مفهوم يا قائد." عماد، وهو يشعر بالقلق، حاول أن يضيف شيئاً آخر: "واللي يعني." زين، بحدة: "عاوز تقول إيه يا عماد، اتكلم." عماد، بتردد واضح: "(ورد الياسمين)، نسأل الغفير عنهم ولا إيه؟" زين، بتأكيد: "لاء، الغفير دلوقتي بلغهم، وإحنا هنستنى رد فعلهم الأول، وعلى أساسه نتحرك. وأكيد لما نعرف مين اللي مات، في حاجات كتير توضح." الرجال، بتأكيد سريع: "تمام يا قائد." زين، وهو يشعر بالغضب من أدائهم: "يلا روحوا، وأنا هدخل أشوف أم المقدم أحمد قبل ما أمشي." مصطفى، محاولاً تقديم دعمه: "راجع الصعيد يا قائد." زين، بصرامة: "لاء، هروح الصبح، وقبل ما أمشي لازم أشوفكم وتكونوا عرفتوا كل حاجة." غادر زين المكان وهو يشعر بغضب شديد، غير قادر على تصديق تصرفات فريقه التي تراها ساذجة وغير كافية. ...................... صعد إلى الشقة، حيث لم يتبقى سوى المقربون، ووقف أمام عايدة وسمر، محاولاً السيطرة على مشاعره. زين، وهو يمد يده كي يسلم على عايدة، حاول أن يظهر تعاطفه: "البقاء لله يا أمي، شدّي حيلك، واطمئني، آسر في أمان، هو دلوقتي مع الحاجة في البيت." عايدة، والدموع تتساقط من عينيها، بنبرة تحاول أن تكون هادئة لكنها تفيض بالحزن: "تسلم يا حبيبي. مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه." زين، وهو يشعر بمدى الألم الذي تعاني منه عايدة، حاول أن يخفف من مشاعرها: "ما تقولييش كدا يا أمي، أحمد غالي عندي قوي، ربنا اللي عالم، وانتي وابنه في عيني. وكمان أنا موجود وهكون مكانه. لو سمر احتاجت أي حاجة، تعرفي أني موجود مكان أحمد الله يرحمه. عاوزك كدا تجمدي، وتقفي على رجلك من تاني. آسر دلوقتي محتاجك أكتر من أي وقت." عايدة، وقد امتلأت عيونها بالدموع التي لم تظهرها لزين، حاولت أن تظهر قوتها: "حبيبي، أكيد طبعاً، أنا هكون أمه، دا حتى من الغالي." زين، بنبرة أكثر هدوءاً لكنه لا يزال يشعر بالقلق: "استأذن أنا، وإن شاء الله هكون عندك الصبح." عايدة، بلهجة هادئة ولكن مشوبة بالقلق: "ما فيش داعي يا حبيبي، أهوي عيسى موجود، ولو احتجت حاجة هكلمك على طول." زين، بجدية: "لا لا، ما فيش أي تعب ولا حاجة، دا واجبي." وضع قبلة على مقدمة رأس عايدة، ثم ابتعد وهو ينظر إليها، كان وجهه مليئاً بمزيج من الشفقة والحزن، وهو غير قادر على تحديد مشاعره تماماً، هل هي شفقة، أم حزن على فراق ابنها، أم خوف منها. عندما استدار ليخرج، قاطعته عايدة بصوت خافت، يشوبه القلق: "هو يعني يا ابني إيه؟" التفت زين إليها، مستفسراً: "خير يا أمي، عاوزة تسألي عن إيه، قولي." عايدة، وقد بدت عليها علامات الخوف الشديد، حاولت أن تتحكم في صوتها المرتعش: "هو في حد منهم جاه يا ابني؟" زين، مستفسراً: "تقصدين (ورد الياسمين)؟" عايدة، بلهجة تملؤها المخاوف: "أيوه." زين، بطمأنينة لكن مع بعض القلق: "لا يا أمي، لسه ما فيش حد ظهر، بس أكيد هيظهروا، الغفير كلمهم. وبعدين لما تشدي حيلك كدا، عاوز أتكلم معاك شوية بخصوصهم." زاد القلق داخل عايدة، حتى كاد أن يتسبب في اختناقها، وكانت غير قادرة على التعبير عن مخاوفها: "خير يا ابني." زين، بنبرة أكثر حناناً: "مش وقته يا أمي، هسيبك ترتاحي. سلام عليكم." ألقى السلام وغادر الشقة، وهو يشعر بضغط نفسي هائل، اتجه نحو سيارته، وركبها، متجهاً إلى شقته في القاهرة، بينما كانت مشاعره مختلطة بين الحزن، والإحباط، والقلق على ما يمكن أن يحدث. ............. في تلك الليلة، التي كانت مملوءة بصمت ثقيل يغلّف كل ركن من أركان المنزل، جلست عايدة في هدوء، لكن داخلها كان يغلي كبركان خامد. عينيها كانتا مشدودتين إلى نقطة غير مرئية في الفضاء، وكأن كل همومها وأحزانها قد اجتمعت في تلك اللحظة لتضغط على قلبها بقوة. كانت يدها تضغط على رأسها، محاولةً حبس الدموع التي تهدد بالانفجار، بينما كانت تنفث زفيرًا ثقيلًا، كأنها تسعى للتخلص من ضغط غير مرئي يثقل صدرها. سمر، التي كانت تراقب والدتها بحيرة وقلق، لم تستطع تجاهل التغيير المفاجئ في تصرفات عايدة. انبعث منها شعور بالضياع، فهي لا تفهم لماذا تبتعد والدتها فجأة، ولا كيف يمكن أن تتركها في هذا الحزن العميق دون تفسير. توجّهت نحو والدتها بقلق يملأ نبرتها، وهي تقترب منها بصوت يمزج بين الانزعاج والتأثر: "ماما، ماما." ردّت عايدة بلهجة مليئة بالإرهاق والغضب، وكأن كلماتها تعكس الألم العميق الذي تحاول أن تخفيه: "في إيه يا بت، إيه الصداع دا، هو أنا ناقصة؟" سمر، التي شعرت بضغط عاطفي غير عادي، حاولت أن تكون هادئة رغم انزعاجها، لتصل إلى والدتها بطريقة هادئة: "ما أنتي سبّتيني قعدة برة أنا وجوزي، ودخلت أوضتك من غير حتى كلمة، من ساعة زين ما كان هنا، وأنتِ قعدة سرحانة في إيه مالك، قلبي مش مطمن." لكن عايدة كانت في حالة من الفوضى الداخلية، وعبّرت عن ذلك بشدة عندما قالت: "ولا أنا، أعصابي كلها وجعاني، ودماغي هتتفجر يا بت." سمر، التي كانت محبطة من الوضع، حاولت أن تخفف من توترها وتطمئن والدتها، فقالت بصوت مليء بالحنان والتفهم: "مالك يا ماما، سلمتك، إن شاء الله خير." لكن عايدة، التي كانت غارقة في خوفها العميق، ردّت بتشاؤم وسوداوية: "وهيجي الخير منين بس، ربنا يستر من اللي جاي." سمر، التي كانت تبحث عن طريقة لتهدئة أعصاب والدتها، حاولت أن تكون صبورة وتدعمها، قائلة: "لا بقولك إيه يا ماما، أنا مش فيا أعصاب للحرقه دي، انتِ تستهدي بالله كده علشان أطمن. آه، ما هو العمر مش بعزقه." نطقت عايده بغضب: "قومى يا بت، أخرجي بره لجوزك، عاوزه نام شويه، قومى" عندما طلبت عايدة من سمر أن تخرج وتتركها، كانت هذه الحركة تعبيرًا عن رغبتها في الهروب من الضغط الذي تواجهه، مما جعل سمر ترد بحنان: "حاضر، نامي يا ماما، نامي." خرجت سمر إلى غرفة المعيشة، حيث كان عيسى يجلس، وعيناها كانتا تلمعان بلمحة من الغضب والضيق. عندما توجهت إليه، سألها بسخرية: "فى اى، امك فين" كان صوتها مليئًا بالاستياء: "تعبانة شوية، هتنام، بتقول عاوزة ترتاح." عيسى، الذي كان يبدو غير مكترث بحجم الكارثة، رد بسخرية مزعجة، مما زاد من قلق سمر: "هو اللي حصل النهاردة دا كان شوية." سمر، التي كانت قد بدأت تفقد صبرها، صرخت بقلق وتوتر، وكأن كل ضغوطها قد تفجرت في تلك اللحظة: "على رأيك، يلا ربنا يستر من اللي جاي." عيسى، الذي كان يضحك بسخرية، أضاف تعليقاته المزعجة، مما جعل سمر تشعر بالغضب المتزايد: "يسترها من إيه ولا من إيه، دا لو آسر قال حاجة لزين، تعرفي كدا إن حبل المشنقة حوالين رقبتك." سمر، التي كانت تتألم من الكلمات التي كانت تضيف إلى قلقها، صرخت بوجه عيسى، تضرب على صدرها بتوتر: "يالهوي، لا بقولك إيه، أنت وأمي في إيه كدا؟ أنا مرعوبة لوحدي، وأنت بتزودها عليا." عيسى، الذي كان مستهزئًا وساخرًا، ألقى بعبارته الأخيرة، مما جعل سمر تشعر بالهزيمة واليأس: "الرعب لسه جاي، ما تستعجليش يا أختي، أنا داخل أنام جوه، كفاية عليا كدا أوي، عيلة هم." ترك عيسى سمر في الغرفة المعيشه، ودخل غرفة نومه في منزل عايده، فهرولت سمر إلى غرفة النوم، حيث حاولت أن تجد القليل من الراحة بجانب زوجها، وهي تتلوى من الألم النفسي الذي عانت منه. عايدة، التي لم تستطع النوم، ظلت مستيقظه في غرفتها، متشبثة بصورة ولدها وكأن وجوده هو الوحيد الذي يمكن أن يخفف من وطأة خوفها وحزنها في تلك اللحظة. ........................... عندما بدأت الشمس تعلن عن قدوم يوم جديد، كان زين ما يزال غارقًا في نومه العميق، وكأنه يهرب من العالم بأسره. شعاع الشمس الذي تسلل عبر الستائر لم يكن كافيًا لإيقاظه، وكأن جسده وعقله استسلما معًا لحاجة ملحة للراحة. ولكن، عندما أتى وقت الظهيرة، انقطع نومه على صوت دقٍ قوي على باب شقته. كان الدق مستمرًا وصاخبًا، مما جعله يتأفف بضيق وهو يحاول أن يستعيد وعيه البطيء. قام من السرير بتكاسل شديد، وكأن كل حركة كانت تعادل جهدًا كبيرًا. في تلك اللحظة، كانت أفكاره مشوشة ومثقلة بالإرهاق، تمتم بصوت خافت ومتعكر وهو يتجه نحو الباب، قائلاً لنفسه بنبرة مليئة بالضيق: "في إيه كده على الصبح؟ حاضر، حاضر." فتح الباب بنصف وعيه، ولم يكلف نفسه عناء النظر إلى الطارق. أداره ظهرة لعماد، الذي كان واقفًا هناك، وكأنه لم يكن لديه وقت أو رغبة في الحديث. "في إيه يا عماد على الصبح؟" عماد، الذي كان مستمتعًا برؤية زين في هذه الحالة النادرة من الإرهاق، رد عليه بابتسامة صغيرة: "صبح إيه يا قائد، احنا في الظهر." توقف زين للحظة، محاولًا استيعاب ما سمعه. رفع عينيه المرهقتين نحو عماد ببطء، وكأن الكلمات استغرقت وقتًا لتخترق ضباب عقله. "أنا نمت دا كله؟" تسللت نبرة من الاستغراب إلى صوته، وكأن نفسه لا تصدق ما يسمعه. كان التعب والإرهاق واضحين في كل جزء من جسمه، وكان عماد يحاول كتم ضحكة صغيرة وهو يرد بخفة: "باين كده فعلاً." زين، الذي لم تعجبه النبرة المازحة في صوت عماد، عبس بوجهه، وأدار ظهره ودخل إلى الغرفة المعيشة، متجهًا نحو الأريكة. جلس ببطء، وأراح ظهره على الوسائد، وكأنه يحاول جمع ما تبقى من طاقته. عماد، الذي كان يراقب تصرفات زين بصمت، ظل واقفًا حتى أمره زين: "اقعد يا عماد، مش عارف إزاي دا حصل، أول مرة أنام لحد دلوقتي." عماد جلس بهدوء، محاولًا أن يظهر التفهم بينما قال بلهجة هادئة: "عادي يا قائد، اللي حصل امبارح ما كانش سهل بردو، وانت تعبت طول اليوم." زين أومأ برأسه بإقرار، لكنه سرعان ما استعاد جديته وسأل: "عملت إيه في اللي قلت لك عليه؟" عماد، الذي كان مستعدًا لهذا السؤال، أخرج ملفًا من حقيبته وقدمه لزين قائلاً: "حصل يا قائد، وده ملف فيه كل حاجة، شغل مباحث يعني ما فيش كلام." ابتسم زين ابتسامة خفيفة، وكأن إرهاقه بدأ يتلاشى قليلاً: "وكمان ليك نفس تهزر." عماد ضحك بخفة، وكان حديثه مليئًا بالراحة: "آهوه يعني يا قائد." زين، الذي كان يشعر بأن المزاح قد يكون مريحًا في هذه اللحظة، قال بلهجة نصف جادة: "خلاص، خلاص يا عماد، بلاش إحراج." عماد، الذي كان قد استشعر تحسن مزاج زين قليلاً، قال: "هعمل قهوة ليك يا قائد، إنما إيه، هتدعيلي." زين، الذي لم يستطع منع ابتسامته هذه المرة، رد: "خايف أدعي عليك." عماد ضحك وهو يتجه نحو المطبخ، قائلاً بمرح: "لا ما تقلقش، يعني هي أول مرة أعملك قهوة؟" زين، الذي تذكر كل المرات التي أفسد فيها عماد قهوته، قال بلهجة ساخرة: "وكل مرة أنت اللي بتشربها لوحدك." أردف زين وهو يفتح الملف الذي كان يحمله بين يديه، وبدأ يقرأ فيه بتركيز. وبينما كان يقرأ، تحولت ملامحه إلى جدية وحذر، وكأنه لا يصدق ما يراه. دخل عماد عليه وهو يحمل صينية مليئة بأطعمة متنوعة، مما زاد من دهشة زين، الذي كان مفاجئًا مما يراه، قال: "إيه ده كله؟" عماد رد بابتسامة مريحة، وكأنه كان يعرف أن زين بحاجة إلى طاقة: "يعني قولت أعملك حاجة تفطرها، عارف إنك ما أكلتش من امبارح." زين، الذي كان ما يزال مستغرقًا في أفكاره وقراءاته، قال بنبرة جادة: "ما ليش نفس بجد يا عماد، افطر أنت، أنا هاخد القهوة بس، يارب تكون كويسة." عماد، الذي كان واثقًا من نفسه هذه المرة، رد بابتسامة مليئة بالتحدي: "كويسة أكيد، كفاية إني أنا اللي عاملها." كان الجو مشحونًا بمزيج من الجدية والمزاح، بينما غاص زين في قراءة الملف مرة أخرى، وعماد ينتظر رد فعل زين على قهوته، وكأن كل شيء في تلك اللحظة كان يتوقف على تلك القهوة. بينما كانت ملامح زين تتغير بشكل ملحوظ، شعر عماد بأن هناك شيئًا ثقيلًا يجثم على صدر قائده. رآه وهو يتصفح الملف، يزداد ضيقه وضيق عينيه، وكأن الصدمة والحزن يغمران قلبه ببطء. ارتسمت علامات الغضب على وجهه، وعروق رقبته بدأت تبرز بشكل واضح، مما أظهر أن ما قرأه لم يكن مجرد كلمات على ورق، بل كان حقيقة مزعجة تجتاح روحه. كان عماد يعلم أن القادم لن يكون سهلًا، لكنه لم يجرؤ على قطع هذا الصمت الثقيل. انتظر أن يتحدث زين بنفسه، وكانت تلك اللحظة مليئة بالتوتر والترقب. أخيرًا، كسر زين الصمت بنبرة مشوبة بالمرارة: "هو أحمد كان عارف كل دا؟ ازاي هيامن عليهم؟ معاهم دول؟ عاوزين اللي يحميهم!" كانت الكلمات تخرج منه وكأنها طلقات مدوية، معبرة عن مزيج من الخوف والغضب. شعر عماد بأن قلب زين مثقل بالقلق، فرد بهدوء، محاولًا التخفيف عنه: "دي بيان البداية بس يا قائد." لكن زين لم يكن بحاجة إلى الطمأنة. كان يعرف تمامًا أن ما وراء هذا التقرير يحمل المزيد من التعقيدات. رد بحزم: "عارف إنهم وراهم حاجات كتير." تساءل عماد، محاولًا فهم ما يجول في ذهن قائده: "وهنعمل إيه يا قائد؟" توقف زين للحظة، يتأمل في الخيارات المتاحة أمامه. ثم تحدث بنبرة مليئة بالحزم: "بعد اللي قريته دا، آسر مش هيكون في أمان هناك، وخصوصًا لو فضلوا عايشين. بره الخطر هيكون أكبر." كان عماد يعلم مدى أهمية آسر بالنسبة لزين، لكنه سأل بقلق: "لو فضلوا في مصر، هتقولهم؟" زين أجاب بوضوح، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه: "أيوه، وقتها هقدر أحمي آسر، وهيكون في أمان. لو حصل أي حاجة، هكون موجود. كمان أنا وعدت جدته إني مش هبعده عنها." لم يكن عماد متأكدًا إن كان ما يسمعه هو القرار الصائب، فسأل بتحفظ: "يعني أفهم من كده إنهم مش هيعرفوا بوجوده؟" رد زين بحزم أكبر، وكأنه يقطع أي مجال للنقاش: "أيوه، لو صمموا على السفر، مش هقول لهم على آسر." كان عماد يشعر بأن هذه القرارات تحمل في طياتها مخاطرة كبيرة، فحاول أن يوضح موقفه: "بس دا كده..." لكن زين، الذي كانت عصبيته تتصاعد مع كل لحظة، قاطعه بصوت عالٍ مليء بالغضب: "في إيه يا عماد؟ عاوزني يعني أبعده عن جدته؟ انت ما شفتهاش وهي بتترجاني! مش هقدر أكسر بخاطرها، ودا اللي فاضل ليها من ابنها. دي أم، مهما كان، وليها حق في حفيدها." توقف زين لبرهة، وكأنه يتذكر مشهد الأم وهي تترجاه، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا: "وبعدين أحمد وصاني على مراته علشان أمه مش بتحبها، وخلاص الدكتورة الله يرحمها هي معاه دلوقتي. أما آسر، أكيد جدته مش هتأذيه." حاول عماد أن يوضح نواياه، لكنه كان حذرًا في كلماته: "أنا ما قصدتش يا قائد. أنا بس كنت بفكرك بالوصية." كان زين يعلم أن عماد ليس له نية سيئة، لكنه كان يشعر بالضغط من جميع الاتجاهات. أجابه بصوت هادئ، لكنه مشحون بالمسؤولية: "عارف يا عماد، مش ناسي. بس برضو ما ينفعش أحرمها من حفيدها وتشوفه كل كم سنة مرة. وبعدين حياتهم فيها مخاطر كتير." أكمل زين حديثه، وهو يقذف الملف نحو عماد: "مش دي التحريات اللي عملتها؟ شوفها كويس، شكلك انت اللي ناسي. دول أعدائهم أكتر من حبايبهم، آسر يعمل إيه في كل دا؟ أحمد حكم عليهم من أيام ما كانوا في مصر، بعد لما سافروا ما يعرفش كل دا، ولو كان يعرف ما كنش كتب الوصية دي." كانت كلمات زين ثقيلة ومليئة بالحسرة. كان يعبر عن ألم داخلي، يعلم أن وصية أحمد وضعته في موقف صعب، ولكنه يعرف أيضًا أنه لا يمكن أن يخذل صديقه الراحل، مهما كانت العواقب. عماد، بعدما سمع كلمات زين الأخيرة، شعر بالارتياح رغم كل التوتر الذي ساد الحوار. كان يدرك تمامًا أن زين يتحمل عبئًا كبيرًا، وأن عليه أن يكون إلى جانبه، مهما كانت التحديات. فرد بصوت مملوء بالثقة والولاء: "تمام يا قائد، أنا معاك في أي حاجة، قول لي بس ناوي على إيه." زين، الذي بدا أكثر هدوءًا الآن، أجاب بحزم واضح: "كل حاجة تمشي طبيعي، وأنا هقول لأم المقدم أحمد لو جم ما تجيبش سيرة عن آسر خالص. وأنا اللي هتصرف." عماد، وهو ينهض من مكانه، وافق قائده بإخلاص: "تمام يا قائد. استأذن أنا دلوقتي، لو عوزت حاجة كلمني." زين، بنبرة أخوية تملؤها الجدية والاطمئنان، ودعه: "مع السلامة، انت يا عماد، ومتنساش اللي قلت لك عليه. وأنا شوية وهروح لامه واخته، أشوفهم عاوزين حاجة قبل ما أسافر البلد." عماد، بابتسامة خفيفة، ودع زين متمنيًا له السلامة: "توصل بالسلامة يا قائد." بعد خروج عماد، غلّق زين الباب خلفه بهدوء، ثم وقف لدقائق يستجمع فيها أفكاره. توجه بعد ذلك إلى أداء الصلاة، محاولة منه لتهدئة النفس واستعادة التوازن الداخلي. كان يعرف أن ما هو مقبل عليه يتطلب هدوءًا وتركيزًا كاملين. بعد انتهائه، خرج من شقته متجهًا إلى منزل المقدم أحمد. . ❝ ⏤ياسمين خاطر
تقدم زين نحو الغرفة الذي كان يرقد فيها أحمد للمرة الأخيرة. كانت خطواته ثقيلة، محملة بالوجع والحزن. دخل الغرفة ببطء، واقترب من جثمان صديقه الذي كان يرتدي زيه العسكري الملطخ بالدماء. مدّ يده المرتعشة نحو جيب أحمد، وأخرج منه الورقة التي تركها له. قبل رأس أحمد للمرة الأخيرة، وودعه بدموع حارقة لم تتوقف عن الانهمار. شعر بثقل الفراق في كل جزء من كيانه، وكأن الروح تغادر جسده مع رحيل أحمد. أمسك بالورقة بيده المرتعشة، كانت مبللة بالدماء، وخرج من الغرفة بخطوات مثقلة نحو القطاع. لم يكن قادراً على فتح الورقة في البداية، كان خائفاً مما سيجده بين السطور. لكن في النهاية، استجمع قوته وفتحها ببطء. بدأت عينيه بالقراءة، بينما كان قلبه يخفق بقوة مع كل كلمة. في البداية، قرأ الآية القرآنية: "بسم الله الرحمن الرحيم. (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون ) صدق الله العظيم." شعر زين بوخز في قلبه، وكأن أحمد يخاطبه من مكان بعيد، يطمئنه أنه ما زال موجودًا بطريقة ما. استمر في القراءة، وكل جملة ....... [المزيد]