❞ “أما البلاد المتخلفه فان كيمياء الحظوظ هي التي تصنع القادة وهي التي قال فيها ابن الرومي
ان للحظ كيمياء اذا ما مسّ كلبا أحاله انسانا
يرفع الله مايشاء كما شاء متى شاء كائنا ماكانا”. ❝ ⏤محمد الغزالى السقا
❞ أما البلاد المتخلفه فان كيمياء الحظوظ هي التي تصنع القادة وهي التي قال فيها ابن الرومي
ان للحظ كيمياء اذا ما مسّ كلبا أحاله انسانا
يرفع الله مايشاء كما شاء متى شاء كائنا ماكانا”. ❝
❞ \" والذي يقول لك في سذاجة :
أن الله رحيم وسوف يدخل كل الناس الجنة وهل من المعقول أن يضع الله رأسه برأسنا ويحاسبنا على كلام قلناه وأفعال فعلناها ونحن بالنسبة لله ولعظمة الله كالنمل أو ذرات التراب أو ذرات الهباء ؟! .. غير معقول .. أن الله كبير جدًا أكبر من أن يعذبنا ..
الذي يتصور الله بهذه الصورة ويظن أنه يؤمن به إيمانًا رفيعًا .. ينسى هذا الساذج أنه يطالب الله بالظلم و بأن يسوي بين الأسود و الأبيض ويجعل الظالم كالمظلوم والقاتل كالقتيل في حكمه وهذه هي الفوضى بعينها ..
ولو أنه درس القليل من الكيمياء والطبيعة لعلم أن قوانين الله لا تسوي بين الذرات حتى الذرات. إن كل شيء يتحرك بإحكام من الإلكترون الصغير إلى أجرام السماوات العظيمة في توافق مع منطق علمي دقيق وأن الذرات تتحد وتتفاعل مع بعضها بحسب أوزانها الذرية مع أن هذه الأوزان مقادير ضئيلة جدًا جدًا جدًا .
وأنه باستقراء عجائب الكون ودقة سيرها واحكام تطورها فأن العقل ليصرخ :
بين يدي هذه القدرة لا يمكن أن يفلت ظالم
ولا أن يهرب قاتل أخطأته قوانين الأرض . إن العدالة تنتظر الجميع .؟؟. ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ ˝ والذي يقول لك في سذاجة :
أن الله رحيم وسوف يدخل كل الناس الجنة وهل من المعقول أن يضع الله رأسه برأسنا ويحاسبنا على كلام قلناه وأفعال فعلناها ونحن بالنسبة لله ولعظمة الله كالنمل أو ذرات التراب أو ذرات الهباء ؟! . غير معقول . أن الله كبير جدًا أكبر من أن يعذبنا .
الذي يتصور الله بهذه الصورة ويظن أنه يؤمن به إيمانًا رفيعًا . ينسى هذا الساذج أنه يطالب الله بالظلم و بأن يسوي بين الأسود و الأبيض ويجعل الظالم كالمظلوم والقاتل كالقتيل في حكمه وهذه هي الفوضى بعينها .
ولو أنه درس القليل من الكيمياء والطبيعة لعلم أن قوانين الله لا تسوي بين الذرات حتى الذرات. إن كل شيء يتحرك بإحكام من الإلكترون الصغير إلى أجرام السماوات العظيمة في توافق مع منطق علمي دقيق وأن الذرات تتحد وتتفاعل مع بعضها بحسب أوزانها الذرية مع أن هذه الأوزان مقادير ضئيلة جدًا جدًا جدًا .
وأنه باستقراء عجائب الكون ودقة سيرها واحكام تطورها فأن العقل ليصرخ :
بين يدي هذه القدرة لا يمكن أن يفلت ظالم
ولا أن يهرب قاتل أخطأته قوانين الأرض . إن العدالة تنتظر الجميع .؟؟. ❝
❞ حين تُلِّح عليك أنثى وقد ملكتك بالكيمياء إدمانًا وشغفًا، عليك بمطاردة أجمل غزلان الأرض، استمتع بتحطيم حواجزهن، ثم أطلق نحوهنخطافك، جرجرهن وراءك، املأ أنفك بالرحيق، ذُوق اللحم الشهي بنهم وأغرق صدرك بالدماء الحارة، أفرغ عصارتك حتى آخر قطرة واترك بقشيشًا، ثم علق جلودهن على كتفك وعراقيب السيقان في ميداليتك، وتذكر .. لا يفل الغزال إلا غزال مثله.. ❝ ⏤احمد مراد
❞ حين تُلِّح عليك أنثى وقد ملكتك بالكيمياء إدمانًا وشغفًا، عليك بمطاردة أجمل غزلان الأرض، استمتع بتحطيم حواجزهن، ثم أطلق نحوهنخطافك، جرجرهن وراءك، املأ أنفك بالرحيق، ذُوق اللحم الشهي بنهم وأغرق صدرك بالدماء الحارة، أفرغ عصارتك حتى آخر قطرة واترك بقشيشًا، ثم علق جلودهن على كتفك وعراقيب السيقان في ميداليتك، وتذكر . لا يفل الغزال إلا غزال مثله. ❝
❞ حوار مع صديقي الملحد
هل الدين افيون ..؟
قال لي صاحبي الدكتور وهو يغمز بعينيه :
وما رايك في الذين يقولون ان الدين افيون ...!!
وانه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم ويحلموا بالجنة والحور العين ..
في حين يثبت الاغنياء على غناهم باعتبار انه حق ..
وان الله خلق الناس درجات ...؟.
وما رايك في الذين يقولون ان الدين لم ينزل من عند الله ..
وانما هو طلع من الارض من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة ..؟
وهو يشير بذلك الى الماديين وافكارهم ..
قلت :
ليس ابعد من الخطأ القائل بان الدين افيون .. فالدين في حقيقته اعباء وتكاليف وتبعات ..
وليس تخفيفاً وتحللاً .. وبالتالي ليس مهرباً من المسئوليات وليس افيوناً ..
وديننا عمل وليس كسل ..
( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم )
ونحن نقول بالتوكل وليس التواكل ..
والتوكل يقتضي عندنا العزم واستفراغ الوسع ..
وبذل غاية الطاقة والحيلة .
ثم التسليم بعد ذلك لقضاء الله وحكمه .
( فاذا عزمت فتوكل على الله )
العزم اولاً ..
والنبي يقول لمن اراد ان يترك ناقته سائبة توكلاً على حفظ الله ( اعقلها وتوكل )
أي ابذل وسعك اولا فثبتها في عقالها ثم توكل ..
والدين صحو وانتباه ويقظة . ومحاسبة للنفس ومراقبة للضمير ..
في كل فعل وفي كل كلمة وكل خاطر . وليس هذا حال اكل الافيون .
انما اكل الافيون الحقيقي هو المادي الذي ينكر الدين هرباً من تبعاته ومسئولياته .
ويتصور ان لحظته ملكه . وانه لاحسيب ولا رقيب ولا بعث بعد الموت ..
فيفعل ما يخطر على باله . وأين هذا الرجل من المتدين المسلم الذي يعتبر نفسه مسئولاً عن سابع جار ..
واذا جاع فرد في امته او ضربت دابة عاتب نفسه بانه لم يقم بواجب الدين في عنقه ..
وليس صحيحاً ان ديننا خرج من الارض .. من الظروف والدواعي الاجتماعية ..
ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة وتثبيتاً لغنى الاغنياء وفقر الفقراء ..
والعكس هو الصحيح ...
فالاسلام جاء ثورة على الاغنياء والكانزين المال والمستغلين الظالمين ..
فامر صراحة بالا يكون المال دولة بين الاغنياء يحتكرونه ويتداولونه بينهم ..
وانما يكون حقاً للكل ..
( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم )
والانفاق يبدا من زكاة اجبارية ( 2،5 ) في المائة ..
ثم يتصاعد اختيارياً الى كل ما في الجيب وكل ما في اليد .
فلا تبقي لنفسك الا خبزك .. كفافك ..
( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو )
والعفو هو كل ما زاد على الكفاف والحاجة ..
وبهذا جمع الاسلام بين التكليف الجبري القانوني والتكليف الاختياري القائم على الضمير ..
وهذا اكرم للانسان من نزع املاكه بالقهر والمصادرة ..
ووصل إلى الانفاق إلى ما فوق التسعين في المائة بدون ارهاق ..
ولم يأت الاسلام ليثبت ظلم الظالمين . بل جاء ثورة صريحة على كل الظالمين .
وجاء سيفاً وحربا على رقاب الطواغين والمستبدين ..
اما التهمة التي يسوقها الماديون بأن الدين رجعي وطبقي بدليل الايات ..
( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق )
( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات )
فنحن نرد بان هذه الايات تنطبق على لندن وباريس وبرلين وموسكو ..
بمثل ما تنطبق على القاهرة ودمشق وجدة ..
واذا مشينا في شوارع موسكو فسوف نجد من يسير على رجليه ..
ومن يركب بسكليت . ومن يركب عربة موسكوفتش ..
ومن يركب عربة زيم فاخرة ..
وماذا يكون هذا الا التفاضل في الرزق بعينه والدرجات والرتب الاقتصادية ..
والتفاوت بين الناس حقيقة جوهرية ..
ولم تستطع الشيوعية ان تلغي التفاوت ..
ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة ..
والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين ..
الناس يولدون من لحظة الميلاد غير متساوين في الذكاء والقوة والجمال والمواهب ..
يولدون درجات في كل شيء ..
واقصى ما طمعت فيه المذاهب الاقتصادية هي المساواة في الفرص وليس المساواة بين الناس ..
ان يلقى كل واحد نفس الفرصة في التعليم والعلاج والحد الادنى للمعيشة ..
وهو نفس ما تحض عليه الاديان ..
اما الغاء الدرجات والغاء التفاوت فهو الظلم بعينه والامر الذي ينافي الطبيعة ..
والطبيعة تقوم كلها على اساس التفاضل والتفاوت والتنوع في ثمار الارض وفي البهائم وفي الناس ..
في القطن نجد طويل التيلة . وقصير التيلة ..
وفي الحيوان والانسان نجد الرتب والدرجات والتفاوت اكثر ..
هذا هو قانون الوجود كله .. التفاضل ..
وحكمة هذا القانون واضحة . فلو كان جميع الناس يولدون بخلقة واحدة وقالب واحد ونسخة واحدة ..
لما كان هناك داع لميلادهم اصلا .
وكان يكفي ان نأتي بنسخة واحدة فتغني عن الكل ..
وكذلك الحال في كل شيء ..
ولانتهي الامر إلى فقر الطبيعة وافلاسها ..
وانما غنى الطبيعة وخصبها لايظهر الا بالتنوع في ثمارها وغلاتها والتفاوت في الوانها واصنافها ..
ومع ذلك فالدين لم يسكت على هذا التفاوت بين الاغنياء والفقراء ..
بل امر بتصحيح الاوضاع وجعل للفقير نصيباً من مال الغني .
وقال ان هذا التفاوت فتنة وامتحان ..
( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون )
سوف نرى ماذا يفعل القوي بقوته .
هل ينجد بها الضعفاء او يضرب ويقتل ويكون جباراً في الارض ...؟
وسوف نرى ماذا يفعل الغني بغناه ..
هل يسرف ويطغى ..؟ او يعطف ويحسن ..؟
وسوف نرى ماذا يفعل الفقير بفقره ..
هل يحسد ويحقد ويسرق ويختلس ..
او يعمل ويكد ويجتهد ليرفع مستوى معيشته بالشرع والعدل ..
وقد امر الدين بالعدل وتصحيح الاوضاع بالمساواة بين الفرص ..
وهدد بعذاب الاخرة وقال ان الاخرة ستكون ايضاً درجات اكثر تفاوتاً لتصحيح ما لم يجر تصحيحه في الارض .
(( وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا ))
وللذين يتهمون الإسلام بالرجعية السياسية نقول إن الإسلام أتى بأكثر الشرائع تقدمية في نظم الحكم .
احترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة .. وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه .. فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام إنه يساوي الإنسانية كلها .
( من قتل نفا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) .
لا تغني المنجزات ولا الإصلاحات المادية ولا التعمير ولا السدود ولا المصانع .. إذا قتل الحاكم فردا واحدا ظلما في سبيل هذا الإصلاح ، فإنه يكون قد قتل الناس جميعا.
ذروة في احترام الفرد لم يصل إليها مذهب سياسي قديم أو جديد .. فالفرد في الإسلام له قيمة مطلقة بينما في كل المذاهب السياسية له قيمة نسبية .. والفرد في الإسلام آمن في بيته .. وفي أسراره " لا تجسس ولا غيبة " آمن في ماله ورزقه وملكيته وحريته .
كل شيء حتى التحية حتى إفساح المجلس حتى الكلمة الطيبة لها مكان في القرآن .
وقد نهى القرآن عن التجبر والطغيان والإنفراد بالحكم .
وقال الله للنبي " وهو من هو في كماله وصلاحيته " .
( وما أنت عليهم بجبار ) .
( فذكر إنما أنت مذكر .. لست عليهم بمسيطر ) .
( إنما المؤمنون إخوة ) .
ونهى عن عبادة الحاكم وتأليه العظيم :
( لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) .
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) .
ونهى عن الغوغائية وتملق الدهماء والسوقة والجري وراء الأغلبية المضللة وقال أن :
( بل أكثر الناس لا يعلمون ) .
( بل أكثرهم لا يعقلون ) .
( أكثر الناس لا يؤمنون ) .
( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) . " يكذبون "
( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ) .
ونهى عن العنصرية والعرقية :
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) .
وبالمعنى العلمي كان الإسلام تركيبا جدليا جامعا بين مادية اليهودية وروحانية المسيحية ، بين العدل الصارم الجاف الذي يقول : السن بالسن والعين بالعين . وبين المحبة والتسامح المتطرف الذي يقول : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر .
وجاء القرآن وسطا بين التوراة التي حرفت حتى أصبحت كتابا ماديا ليس فيه حرف واحد عن الآخرة ، وبين الإنجيل الذي مال إلى رهبانية تامة ، ونادى القرآن بناموس الرحمة الجامع بين العدل والمحبة فقال بشرعية الدفاع عن النفس ولكنه فضل العفو والصفح والمغفرة .
( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) .
وإذا كانت الرأسمالية أطلقت للفرد حرية الكسب إلى درجة استغلال الآخرين .. وإذا كانت الشيوعية سحقت هذه الحرية تماما .. فإن الإسلام قدم الحل الوسط .
( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) .
الفرد حر في الكسب ولكن ليس له أن يأخذ ثمرة أرباحه كلها .. وإنما له فيها نصيب .. وللفقير نصيب يؤخذ زكاة وإنفاقا من 2.5 في المائة إلى 90% جبرا واختيارا .. وهذا النصيب ليس تصدقا وتفضلا وإنما هو حق الله في الربح .. وبهذه المعادلة الجميلة حفظ الإسلام للفرد حريته وللفقير حقه .
ولهذا أصاب القرآن كل الصواب حينما خاطب أمة الإسلام قائلا :
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
فقد اختار الإسلام الوسط العدل في كل شيء .
وهو ليس الوسط الحسابي وإنما الوسط الجدلي أو التركيب الذي يجمع النقيضين " اليمين واليسار " ويتجاوزهما ويزيد عليهما .. ولذلك ليس في الإسلام يمين ويسار وإنما فيه " صراط " الاعتدال الوسط الذي نسميه الصراط المستقيم من خارج عنه باليمين أو اليسار فقد انحرف .
ولم يقيدنا القرآن بدستور سياسي محدد أو منهج مفصل للحكم لعلم الله بأن الظروف تتغير بما يقتضي الاجتهاد في وضع دساتير متغيرة في الأزمنة المتغيرة ، وحتى يكون الباب مفتوحا أمام المسلمين للأخذ والعطاء من المعارف المتاحة في كل عصر دون انغلاق على دستور بعينه .
ولهذا اكتفى القرآن بهذه التوصيات السياسية العامة السالفة كخصائص للحكم الأمثل .. ولم يكبلنا بنظرية وهذا سر من أسرار إعجازه وتفوقه وليس فقرا ولا نقصا فيه .
وتلك لمسة أخرى من تقديمة القرآن التي سبقت كل التقديمات .
ونرد على القائلين بأن الدين جمود وتحجر .. بأن الإسلام لم يكن أبدا دين تجمد وتحجر وإنما كان دائما وأبدا دين نظر وفكر وتطوير وتغيير بدليل آياته الصريحة .
( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) .
( فلينظر الإنسان مم خلق .. خلق من ماء دافق .. يخرج من بين الصلب والترائب )
( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى
لأرض كيف سطحت ) .
أوامر صريحة بالنظر في خلق الإنسان وفي خلق الحيوان وفي خلق الجبال وفي طبقات الأرض وفي السماء وأفلاكها .. والتشريح والفسيولوجيا والبيولوجيا وعلم الأجنة .
أوامر صريحة بالسير في الأرض وجمع الشواهد واستنباط الأحكام والقوانين ومعرفة كيف بدأ الخلق .. وهو ما نعرفه الآن بعلوم التطور .
ولا خوف من الخطأ .
فالإسلام يكافئ الذي يجتهد ويخطئ بأجر والذي يجتهد ويصيب بأجرين .
وليس صحيحا ما يقال من أننا تخلفنا بالدين وتقدم الغرب بالإلحاد .. والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا .
وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقا كان هناك تقدم وكانت هناك دولة من المحيط إلى الخليج وعلماء مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضيات وابن النفيس في التشريح وجابر بن حيان في الكيمياء .
وكانت الدنيا تأخذ عنا علومنا .. وما زالت مجمعات النجوم وأبراجها تحتفظ إلى الآن بأسمائها العربية في المعاجم الأوروبية .. وما زالوا يسمون جهاز التقطير بالفرنسية imbique ومنه الفعل من كلمة أمبيق العربية . imbiquer ولم يتقدم الغرب بالإلحاد بل بالعلم .
وإنما وقع الخلط مما حدث في العصور الوسطى من طغيان الكنيسة ومحاكم التفتيش وحجرها على العلم والعلماء وما حدث من سجن غاليليو وحرق جيوردانو برونو .
حينما حكمت الكنيسة وانحرف بها البابوات عن أهدافها النبيلة فكانت عنصر تأخر .. فتصور النقاد السطحيون أن هذا ينسحب أيضا على الإسلام وهو خطأ .. فالإسلام ليس بابوية ولا كهنوت ..
الله لم يقم بينه وبين المسلمين أوصياء ولا وسطاء .
وحينما حكم الإسلام بالفعل كان عنصر تقدم كما شرحنا وكما يقول التاريخ مكذبا هذه المزاعم السطحية .
وآيات القرآن الصريحة تحض على العلم وتأمر بالعلم ولا تقيم بين العلم والدين أي تناقض :
( وقل رب زدني علما ) .
( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) .
( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ) .
جعل الله الملائكة وأولي العلم في الآية مقترنين بشرف اسمه ونسبته .
وأول آية في القران وأول كلمة كانت " اقرأ " والعلماء في القرآن موعودون بأرفع الدرجات :
( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .
وتتكرر كلمة العلم ومشتقاته في القرآن نحوا من ثمانمائة وخمسين مرة .
فكيف يتكلم بعد هذا متكلم عن تناقض بين الدين والعلم أو حجر من الدين على العلم .
والنظر في الدين وتطوير فهمه مطلوب ، وتاريخ الإسلام كله حركات إحياء وتطوير .. والقرآن بريء من تهمة التحجير على الناس وكل شيء في ديننا يقبل التطوير .. ما عدا جوهر العقيدة وصلب الشريعة .. لأن الله واحد ولن يتطور إلى اثنين أو ثلاثة .. هذا أمر مطلق .. وكذلك الشر شر والخير خير .. لن يصبح القتل فضيلة ولا السرقة حسنة ولا الكذب حلية يتحلى بها الصالحون .
وفيما عدا ذلك فالدين مفتوح للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير .
وجوهر الإسلام عقلاني منطقي يقبل الجدل والحوار ويحض على استخدام العقل والمنطق .
وفي أكثر من مكان وفي أكثر من صفحة في القرآن نعثر على التساؤل .. " أفلا يعقلون " .. " أفلا يفقهون " .
وأهل الدين عندنا هم " أولو الألباب " .
( شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) .
( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) .
احترام العقل في لب وصميم الديانة .
والإيجابية عصبها والثورة روحها .
لم يكن الإسلام أبدا خانعا ولا سلبيا .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) .
( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) .
والجهاد بالنفس والمال والأولاد .. والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب ، ومواجهة اليأس والمصابة والمرابطة في صلب ديننا .
فكيف يمكن لدين بهذه المرونة والعقلانية والعلمية والإيجابية والثورة أن يتهم بالتحجر والجمود إلا من صديق عزيز مثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوليات دينه شيئا ولم يقرأ في قرآنه حرفا .
من كتاب : حوار مع صديقي الملحد
للدكتور : مصطفى محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ حوار مع صديقي الملحد
هل الدين افيون .؟
قال لي صاحبي الدكتور وهو يغمز بعينيه :
وما رايك في الذين يقولون ان الدين افيون ..!!
وانه يخدر الفقراء والمظلومين ليناموا على ظلمهم وفقرهم ويحلموا بالجنة والحور العين .
في حين يثبت الاغنياء على غناهم باعتبار انه حق .
وان الله خلق الناس درجات ..؟.
وما رايك في الذين يقولون ان الدين لم ينزل من عند الله .
وانما هو طلع من الارض من الظروف والدواعي الاجتماعية ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة .؟
وهو يشير بذلك الى الماديين وافكارهم .
قلت :
ليس ابعد من الخطأ القائل بان الدين افيون . فالدين في حقيقته اعباء وتكاليف وتبعات .
وليس تخفيفاً وتحللاً . وبالتالي ليس مهرباً من المسئوليات وليس افيوناً .
وديننا عمل وليس كسل .
( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم )
ونحن نقول بالتوكل وليس التواكل .
والتوكل يقتضي عندنا العزم واستفراغ الوسع .
وبذل غاية الطاقة والحيلة .
ثم التسليم بعد ذلك لقضاء الله وحكمه .
( فاذا عزمت فتوكل على الله )
العزم اولاً .
والنبي يقول لمن اراد ان يترك ناقته سائبة توكلاً على حفظ الله ( اعقلها وتوكل )
أي ابذل وسعك اولا فثبتها في عقالها ثم توكل .
والدين صحو وانتباه ويقظة . ومحاسبة للنفس ومراقبة للضمير .
في كل فعل وفي كل كلمة وكل خاطر . وليس هذا حال اكل الافيون .
انما اكل الافيون الحقيقي هو المادي الذي ينكر الدين هرباً من تبعاته ومسئولياته .
ويتصور ان لحظته ملكه . وانه لاحسيب ولا رقيب ولا بعث بعد الموت .
فيفعل ما يخطر على باله . وأين هذا الرجل من المتدين المسلم الذي يعتبر نفسه مسئولاً عن سابع جار .
واذا جاع فرد في امته او ضربت دابة عاتب نفسه بانه لم يقم بواجب الدين في عنقه .
وليس صحيحاً ان ديننا خرج من الارض . من الظروف والدواعي الاجتماعية .
ليكون سلاحاً لطبقة على طبقة وتثبيتاً لغنى الاغنياء وفقر الفقراء .
والعكس هو الصحيح ..
فالاسلام جاء ثورة على الاغنياء والكانزين المال والمستغلين الظالمين .
فامر صراحة بالا يكون المال دولة بين الاغنياء يحتكرونه ويتداولونه بينهم .
وانما يكون حقاً للكل .
( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم )
والانفاق يبدا من زكاة اجبارية ( 2،5 ) في المائة .
ثم يتصاعد اختيارياً الى كل ما في الجيب وكل ما في اليد .
فلا تبقي لنفسك الا خبزك . كفافك .
( يسألونك ماذا ينفقون قل العفو )
والعفو هو كل ما زاد على الكفاف والحاجة .
وبهذا جمع الاسلام بين التكليف الجبري القانوني والتكليف الاختياري القائم على الضمير .
وهذا اكرم للانسان من نزع املاكه بالقهر والمصادرة .
ووصل إلى الانفاق إلى ما فوق التسعين في المائة بدون ارهاق .
ولم يأت الاسلام ليثبت ظلم الظالمين . بل جاء ثورة صريحة على كل الظالمين .
وجاء سيفاً وحربا على رقاب الطواغين والمستبدين .
اما التهمة التي يسوقها الماديون بأن الدين رجعي وطبقي بدليل الايات .
( والله فضل بعضكم على بعض في الرزق )
( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات )
فنحن نرد بان هذه الايات تنطبق على لندن وباريس وبرلين وموسكو .
بمثل ما تنطبق على القاهرة ودمشق وجدة .
واذا مشينا في شوارع موسكو فسوف نجد من يسير على رجليه .
ومن يركب بسكليت . ومن يركب عربة موسكوفتش .
ومن يركب عربة زيم فاخرة .
وماذا يكون هذا الا التفاضل في الرزق بعينه والدرجات والرتب الاقتصادية .
والتفاوت بين الناس حقيقة جوهرية .
ولم تستطع الشيوعية ان تلغي التفاوت .
ولم يقل حتى غلاة المادية والفوضوية بالمساواة .
والمساواة غير ممكنة فكيف نساوي بين غير متساويين .
الناس يولدون من لحظة الميلاد غير متساوين في الذكاء والقوة والجمال والمواهب .
يولدون درجات في كل شيء .
واقصى ما طمعت فيه المذاهب الاقتصادية هي المساواة في الفرص وليس المساواة بين الناس .
ان يلقى كل واحد نفس الفرصة في التعليم والعلاج والحد الادنى للمعيشة .
وهو نفس ما تحض عليه الاديان .
اما الغاء الدرجات والغاء التفاوت فهو الظلم بعينه والامر الذي ينافي الطبيعة .
والطبيعة تقوم كلها على اساس التفاضل والتفاوت والتنوع في ثمار الارض وفي البهائم وفي الناس .
في القطن نجد طويل التيلة . وقصير التيلة .
وفي الحيوان والانسان نجد الرتب والدرجات والتفاوت اكثر .
هذا هو قانون الوجود كله . التفاضل .
وحكمة هذا القانون واضحة . فلو كان جميع الناس يولدون بخلقة واحدة وقالب واحد ونسخة واحدة .
لما كان هناك داع لميلادهم اصلا .
وكان يكفي ان نأتي بنسخة واحدة فتغني عن الكل .
وكذلك الحال في كل شيء .
ولانتهي الامر إلى فقر الطبيعة وافلاسها .
وانما غنى الطبيعة وخصبها لايظهر الا بالتنوع في ثمارها وغلاتها والتفاوت في الوانها واصنافها .
ومع ذلك فالدين لم يسكت على هذا التفاوت بين الاغنياء والفقراء .
بل امر بتصحيح الاوضاع وجعل للفقير نصيباً من مال الغني .
وقال ان هذا التفاوت فتنة وامتحان .
( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة اتصبرون )
سوف نرى ماذا يفعل القوي بقوته .
هل ينجد بها الضعفاء او يضرب ويقتل ويكون جباراً في الارض ..؟
وسوف نرى ماذا يفعل الغني بغناه .
هل يسرف ويطغى .؟ او يعطف ويحسن .؟
وسوف نرى ماذا يفعل الفقير بفقره .
هل يحسد ويحقد ويسرق ويختلس .
او يعمل ويكد ويجتهد ليرفع مستوى معيشته بالشرع والعدل .
وقد امر الدين بالعدل وتصحيح الاوضاع بالمساواة بين الفرص .
وهدد بعذاب الاخرة وقال ان الاخرة ستكون ايضاً درجات اكثر تفاوتاً لتصحيح ما لم يجر تصحيحه في الارض .
(( وللاخرة اكبر درجات واكبر تفضيلا ))
وللذين يتهمون الإسلام بالرجعية السياسية نقول إن الإسلام أتى بأكثر الشرائع تقدمية في نظم الحكم .
احترام الفرد في الإسلام بلغ الذروة . وسبق ميثاق حقوق الإنسان وتفوق عليه . فماذا يساوي الفرد الواحد في الإسلام إنه يساوي الإنسانية كلها .
( من قتل نفا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ) .
لا تغني المنجزات ولا الإصلاحات المادية ولا التعمير ولا السدود ولا المصانع . إذا قتل الحاكم فردا واحدا ظلما في سبيل هذا الإصلاح ، فإنه يكون قد قتل الناس جميعا.
ذروة في احترام الفرد لم يصل إليها مذهب سياسي قديم أو جديد . فالفرد في الإسلام له قيمة مطلقة بينما في كل المذاهب السياسية له قيمة نسبية . والفرد في الإسلام آمن في بيته . وفي أسراره " لا تجسس ولا غيبة " آمن في ماله ورزقه وملكيته وحريته .
كل شيء حتى التحية حتى إفساح المجلس حتى الكلمة الطيبة لها مكان في القرآن .
وقد نهى القرآن عن التجبر والطغيان والإنفراد بالحكم .
وقال الله للنبي " وهو من هو في كماله وصلاحيته " .
( وما أنت عليهم بجبار ) .
( فذكر إنما أنت مذكر . لست عليهم بمسيطر ) .
( إنما المؤمنون إخوة ) .
ونهى عن عبادة الحاكم وتأليه العظيم :
( لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ) .
( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) .
ونهى عن الغوغائية وتملق الدهماء والسوقة والجري وراء الأغلبية المضللة وقال أن :
( بل أكثر الناس لا يعلمون ) .
( بل أكثرهم لا يعقلون ) .
( أكثر الناس لا يؤمنون ) .
( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) . " يكذبون "
( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ) .
ونهى عن العنصرية والعرقية :
( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .
( هو الذي خلقكم من نفس واحدة ) .
وبالمعنى العلمي كان الإسلام تركيبا جدليا جامعا بين مادية اليهودية وروحانية المسيحية ، بين العدل الصارم الجاف الذي يقول : السن بالسن والعين بالعين . وبين المحبة والتسامح المتطرف الذي يقول : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر .
وجاء القرآن وسطا بين التوراة التي حرفت حتى أصبحت كتابا ماديا ليس فيه حرف واحد عن الآخرة ، وبين الإنجيل الذي مال إلى رهبانية تامة ، ونادى القرآن بناموس الرحمة الجامع بين العدل والمحبة فقال بشرعية الدفاع عن النفس ولكنه فضل العفو والصفح والمغفرة .
( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) .
وإذا كانت الرأسمالية أطلقت للفرد حرية الكسب إلى درجة استغلال الآخرين . وإذا كانت الشيوعية سحقت هذه الحرية تماما . فإن الإسلام قدم الحل الوسط .
( للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ) .
الفرد حر في الكسب ولكن ليس له أن يأخذ ثمرة أرباحه كلها . وإنما له فيها نصيب . وللفقير نصيب يؤخذ زكاة وإنفاقا من 2.5 في المائة إلى 90% جبرا واختيارا . وهذا النصيب ليس تصدقا وتفضلا وإنما هو حق الله في الربح . وبهذه المعادلة الجميلة حفظ الإسلام للفرد حريته وللفقير حقه .
ولهذا أصاب القرآن كل الصواب حينما خاطب أمة الإسلام قائلا :
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا ) .
فقد اختار الإسلام الوسط العدل في كل شيء .
وهو ليس الوسط الحسابي وإنما الوسط الجدلي أو التركيب الذي يجمع النقيضين " اليمين واليسار " ويتجاوزهما ويزيد عليهما . ولذلك ليس في الإسلام يمين ويسار وإنما فيه " صراط " الاعتدال الوسط الذي نسميه الصراط المستقيم من خارج عنه باليمين أو اليسار فقد انحرف .
ولم يقيدنا القرآن بدستور سياسي محدد أو منهج مفصل للحكم لعلم الله بأن الظروف تتغير بما يقتضي الاجتهاد في وضع دساتير متغيرة في الأزمنة المتغيرة ، وحتى يكون الباب مفتوحا أمام المسلمين للأخذ والعطاء من المعارف المتاحة في كل عصر دون انغلاق على دستور بعينه .
ولهذا اكتفى القرآن بهذه التوصيات السياسية العامة السالفة كخصائص للحكم الأمثل . ولم يكبلنا بنظرية وهذا سر من أسرار إعجازه وتفوقه وليس فقرا ولا نقصا فيه .
وتلك لمسة أخرى من تقديمة القرآن التي سبقت كل التقديمات .
ونرد على القائلين بأن الدين جمود وتحجر . بأن الإسلام لم يكن أبدا دين تجمد وتحجر وإنما كان دائما وأبدا دين نظر وفكر وتطوير وتغيير بدليل آياته الصريحة .
( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) .
( فلينظر الإنسان مم خلق . خلق من ماء دافق . يخرج من بين الصلب والترائب )
( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى
لأرض كيف سطحت ) .
أوامر صريحة بالنظر في خلق الإنسان وفي خلق الحيوان وفي خلق الجبال وفي طبقات الأرض وفي السماء وأفلاكها . والتشريح والفسيولوجيا والبيولوجيا وعلم الأجنة .
أوامر صريحة بالسير في الأرض وجمع الشواهد واستنباط الأحكام والقوانين ومعرفة كيف بدأ الخلق . وهو ما نعرفه الآن بعلوم التطور .
ولا خوف من الخطأ .
فالإسلام يكافئ الذي يجتهد ويخطئ بأجر والذي يجتهد ويصيب بأجرين .
وليس صحيحا ما يقال من أننا تخلفنا بالدين وتقدم الغرب بالإلحاد . والحق أننا تخلفنا حينما هجرنا أوامر ديننا .
وحينما كان المسلمون يأتمرون بهذه الآيات حقا كان هناك تقدم وكانت هناك دولة من المحيط إلى الخليج وعلماء مثل ابن سينا في الطب وابن رشد في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضيات وابن النفيس في التشريح وجابر بن حيان في الكيمياء .
وكانت الدنيا تأخذ عنا علومنا . وما زالت مجمعات النجوم وأبراجها تحتفظ إلى الآن بأسمائها العربية في المعاجم الأوروبية . وما زالوا يسمون جهاز التقطير بالفرنسية imbique ومنه الفعل من كلمة أمبيق العربية . imbiquer ولم يتقدم الغرب بالإلحاد بل بالعلم .
وإنما وقع الخلط مما حدث في العصور الوسطى من طغيان الكنيسة ومحاكم التفتيش وحجرها على العلم والعلماء وما حدث من سجن غاليليو وحرق جيوردانو برونو .
حينما حكمت الكنيسة وانحرف بها البابوات عن أهدافها النبيلة فكانت عنصر تأخر . فتصور النقاد السطحيون أن هذا ينسحب أيضا على الإسلام وهو خطأ . فالإسلام ليس بابوية ولا كهنوت .
الله لم يقم بينه وبين المسلمين أوصياء ولا وسطاء .
وحينما حكم الإسلام بالفعل كان عنصر تقدم كما شرحنا وكما يقول التاريخ مكذبا هذه المزاعم السطحية .
وآيات القرآن الصريحة تحض على العلم وتأمر بالعلم ولا تقيم بين العلم والدين أي تناقض :
( وقل رب زدني علما ) .
( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) .
( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ) .
جعل الله الملائكة وأولي العلم في الآية مقترنين بشرف اسمه ونسبته .
وأول آية في القران وأول كلمة كانت " اقرأ " والعلماء في القرآن موعودون بأرفع الدرجات :
( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات ) .
وتتكرر كلمة العلم ومشتقاته في القرآن نحوا من ثمانمائة وخمسين مرة .
فكيف يتكلم بعد هذا متكلم عن تناقض بين الدين والعلم أو حجر من الدين على العلم .
والنظر في الدين وتطوير فهمه مطلوب ، وتاريخ الإسلام كله حركات إحياء وتطوير . والقرآن بريء من تهمة التحجير على الناس وكل شيء في ديننا يقبل التطوير . ما عدا جوهر العقيدة وصلب الشريعة . لأن الله واحد ولن يتطور إلى اثنين أو ثلاثة . هذا أمر مطلق . وكذلك الشر شر والخير خير . لن يصبح القتل فضيلة ولا السرقة حسنة ولا الكذب حلية يتحلى بها الصالحون .
وفيما عدا ذلك فالدين مفتوح للفكر والاجتهاد والإضافة والتطوير .
وجوهر الإسلام عقلاني منطقي يقبل الجدل والحوار ويحض على استخدام العقل والمنطق .
وفي أكثر من مكان وفي أكثر من صفحة في القرآن نعثر على التساؤل . " أفلا يعقلون " . " أفلا يفقهون " .
وأهل الدين عندنا هم " أولو الألباب " .
( شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون ) .
( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) .
احترام العقل في لب وصميم الديانة .
والإيجابية عصبها والثورة روحها .
لم يكن الإسلام أبدا خانعا ولا سلبيا .
( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ) .
( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) .
والجهاد بالنفس والمال والأولاد . والقتال والثبات وعدم النكوص على الأعقاب ، ومواجهة اليأس والمصابة والمرابطة في صلب ديننا .
فكيف يمكن لدين بهذه المرونة والعقلانية والعلمية والإيجابية والثورة أن يتهم بالتحجر والجمود إلا من صديق عزيز مثل الدكتور القادم من فرنسا لا يعرف من أوليات دينه شيئا ولم يقرأ في قرآنه حرفا .
من كتاب : حوار مع صديقي الملحد
للدكتور : مصطفى محمود (رحمه الله). ❝
❞ بين الحياة و الموت .. خيط رفيع
حينما دبت الحياة على مسرح الدنيا منذ ملايين السنين .. كان المسرح مختلف كثيراً عن حاله الآن .. كانت الأرض ساخنة و الجو مثقلاً بالبخار .. و لم يكن الأكسجين بهذه الكثرة و إنما كان نادراً .. و كان الغاز المنتشر بكثرة هو الآيدروجين و النوشادر و الميثان و أول أكسيد الكربون .. و كان ومض البرق و قرقعة الرعد و الضوء فوق البنفسجي و الإشعاع الذري و الشحنات الكهربائية العالية لا تنقطع .. و كانت المياه تغمر مساحات واسعة في برك ضحلة .. و لم تكن المياه صافية رائقة يطفو عليها الطحلب الأخضر كمياه الغدران الآن .. و إنما كانت مياهاً عكرة كثيفة كالحساء مليئة بأملاح الفوسفور و الكالسيوم و الصوديوم و البوتاسيوم و الحديد و الكبريت ..
في هذا المسرح الكيميائي النشط .. بدأت الحياة .. و لهذا لا بد لنا أن نتكلم قليلاً في الكيمياء .. و لا بد للقارئ أن يتحمل معنا عناء رحلة في مجاهل عالم الكيمياء .. إذا أراد أن يعرف سر وجوده .
* * *
استطاعت المعامل أن تثبت أن مادة الحياة واحدة تقريباً في كل الكائنات الحية .. و أن الفوارق بين تركيب لحم الحمار و لحم البني آدم و لحم الحشرة .. فوارق طفيفة لا تذكر .. و أن كل المواد التي تتألف منها البنية الحية لا تخرج عن كونها سكريات و نشويات و دهنيات و بروتينات .
و أثبتت المعامل أيضاً أن هذه المواد جميعها هي تعقيدات مختلفة لمادة واحدة و هي الآيدروكربون .. كل المواد الحية مشتقات من مادة هيدروكربونية .. من غاو الميثان .. و هو غاز يتألف من الكربون و الآيدروجين .. فما هو الشيء السحري الذي جعل مادة الكربون بالذات هي المادة المختارة لنشأة الحياة .
السر أن هذه المادة قلقة غير مستقرة .. غير مشبعة .. فيها قابلية لا نهائية للارتباط بعدد لا نهائي من المركبات و المبادلة عليها بذراتها في كل وقت ..
و قد ثبت أن المواد المستقرة التي يسمونها في الكيمياء المواد النبيلة كالذهب و البلاتين و غاز الهيليوم و الأرجون و الكربتون .. كل هذه المواد ظلت مواداً عاطلة خاملة مثل الأمراء الخاملين .. بدأت و انتهت على حالها دون أن تعطي إمكانيات جديدة .. و السبب أن ذراتها مشبعة متوازنة مستقرة لدرجة الموت .. و لهذا لم يدخل أي واحد من هذه العناصر في تركيب الجسم الحي . و إنما اختارت الحياة مادة واحدة بعينها شديدة القلق ناقصة غير مشبعة كثيرة الانفكاك و الارتباط بالمواد حولها لتكون مستقراً لها .. هي مادة الكربون لأنها مستودع لطاقة كيماوية لا نهائية و محل لتفاعلات لا آخر لها ..
إنها هي ذاتها فيها صفات الحياة .. الفاعلية و التحول و التكاثر و التعقد ..
إن مفتاح الحياة هو .. الكربون .. لأنه مادة جائعة غير مشبعة تنقصها أربعة إلكترونات في مدارها الذري لتصل إلى الراحة و التوازن .. و لهذا فهي دائماً تدخل في علاقات و تفاعلات محاولة الوصول إلى هذا التوازن .. و تكون نتيجة هذه التفاعلات متتاليات كيميائية لا حصر لها .. تبدأ من غاو الميثان .. الهيدروكربون .. إلى المواد الكربوهيدراتية كالسكريات و النشويات .. إلى الجلسرين و الدهون .. إلى البروتينات .
كل هذه المتتالية الحية هي تعقيد و اشتقاق من مادة واحدة هي الكربون أو الفحم ..
و قدا قام ميللر بتقليد ظروف الحياة الأولى في المعمل فأحدث تفريغاً كهربائياً في جو خال من الأكسجين و به ميثان و نشادر و بخار ماء .. فكانت النتيجة مجموعة مدهشة من المركبات العضوية تشتمل على الأحماض الآمينية .. و هي نواة البروتينات .
و اختيار الحياة لعنصر الكربون بالذات لتتخذ منه الطوب الذي تبنى به معمارها اختيار فيه حكمة .. لأن الكربون عنصر نشيط .. احتمالاته الكيميائية لا حصر لها .. و قد ثبت بالحساب أن الجزيء الذي يحتوي على عشرين ذرة من الكربون يمكنه أن يعطي مليون صورة لتركيبات جديدة .
إنه عنصر مثل الحياة مفتوح على آفاق لانهائية .. ذرة تزيد و ذرة تنقص في الميثان تؤدي إلى تركيب الكلوروفورم .. الكحول .. النفتالين .. البنزول .. إلخ .. ملايين المواد الممكنة .
و كل مادة عضوية لها تعقيدات .
سكر القصب و سكر الفاكهة و سكر الشعير كلها تعقيدات لسكر العنب البسيط الجلوكوز .
و زيت الزيتون و زيت بذرة القطن و زيت الفول السوداني و زيت السمك و شحم الخنزير و شحم البقر .. كلها تعقيدات للجليسرين و الأحماض الدهنية ..
و مادة الأظافر و مادة الجلد و مادة الشعر و مادة العظم و الغضاريف و العضلات و الأعصاب و الدم و الريش و الأجنحة و قشر الحشرات و زلال البيض و الهرمونات .. كلها تعقيدات و اشتقاقات مختلفة من المادة البروتينية ..
و أنواع البروتينات التي تتألف من 24 حامض آميني يمكنها أن تعطي إمكانيات مثل التي تعطيها حروف الهجاء الـ26 .. يمكنها أن تعطي ألوف الكلمات و ملايين الجمل .. كل جملة تختلف عن الأخرى لأن تحت يدها 24 حرفاً كيميائياً تصنع منها تباديل و توافيق ..
و أهم مادة حية هي البروتين لأن جزيء البروتين ثقيل فيه أكثر من خمسة آلاف ذرة في المتوسط .. متعدد الاحتمالات بدرجة مذهلة .
و ذرات المادة البروتينية لا تعطي فقط إمكانيات متعددة للتوليف الكيماوي .. و لكنها أيضاً في التحامها تصنع أشكالاً متعددة من الالتحام . فهي تكون ملضومة أحياناً على شك مجمعات كروية و أحياناً على شكل سلاسل حلزونية .. و أحياناً على شكل حبال مبرومة كأسلاك التلغراف و في كل مرة تؤدي إلى شكل تركيبي جديد في وظيفته و طعمه و ملمسه مع أن التركيب الواحد في الكل ..
* * *
و السؤال الثاني الذي خطر ببال الكيميائيين هو الماء .. سر الماء ..
لماذا تبدو الحياة كأنها منقوعة كلها في الماء .
لماذا يؤلف الماء معظم النسيج الحي .. و لماذا يدخل كشرط في كل بنية حية ..
لقد تعودنا أن نتعلم في المدارس أن الماء سائل لا طعم له و لا لون و لا رائحة .. و هذه أكذوبة كبرى .. لأن الماء هو أكثر السوائل نشاطاً لأن تركيبه هو الآخر تركيب قلق غير مستقر غير مشبع .
أثبت الفحص الذري للماء أن ذرة الآيدروجين في جزيئه عارية بدون إلكترونات .. و لهذا كانت شديدة الشوق إلى استعارة الكترونات من أي مادة تلامسها .. و هذا سر قدرة الماء على إذابة المواد و التفاعل معها و تحليها إلى إيواناتها .
الماء ليس خاملاً .. و ليس عديم الطعم .. عديم النشاط .
الماء توازنه الكهربائي ناقص .. و لهذا فهو يروي من العطش أن له طعماً حيوياً ..
بدليل أن الماء الثقيل المشبع لا يروي .. و إذا شربت منه صفيحة فإنك لا بد هالك عطشاً .
و الماء له فعل آخر .. إنه يحول مادة البروتين إلى كتل غروية جيلاتينية في حالة تماسك كهربائي لا هو بالتجبن و لا هو بالتخشر .. و بهذا يصنع خامة حية شديدة الحساسية و عدم الثبات و القلق و التغير و التحول .
هذا البحث يثبت لنا في النهاية أن مادة الحياة فيها حياة .. فيها صفات الحياة .. و أن نشأة الحياة من مركبات الكربون و الماء لم تكن مصادفة .. و أن الحياة لو لم تنشأ من الكربون لنشأت من الكربون .. و أن الاحتمال أكبر من أن يكون مجرد خبطة عشوائية .
إنه ضرورة ..
و هذا يجعلنا نسأل .. ما هي المادة ..
و ما حقيقتها
. ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ بين الحياة و الموت . خيط رفيع
حينما دبت الحياة على مسرح الدنيا منذ ملايين السنين . كان المسرح مختلف كثيراً عن حاله الآن . كانت الأرض ساخنة و الجو مثقلاً بالبخار . و لم يكن الأكسجين بهذه الكثرة و إنما كان نادراً . و كان الغاز المنتشر بكثرة هو الآيدروجين و النوشادر و الميثان و أول أكسيد الكربون . و كان ومض البرق و قرقعة الرعد و الضوء فوق البنفسجي و الإشعاع الذري و الشحنات الكهربائية العالية لا تنقطع . و كانت المياه تغمر مساحات واسعة في برك ضحلة . و لم تكن المياه صافية رائقة يطفو عليها الطحلب الأخضر كمياه الغدران الآن . و إنما كانت مياهاً عكرة كثيفة كالحساء مليئة بأملاح الفوسفور و الكالسيوم و الصوديوم و البوتاسيوم و الحديد و الكبريت .
في هذا المسرح الكيميائي النشط . بدأت الحياة . و لهذا لا بد لنا أن نتكلم قليلاً في الكيمياء . و لا بد للقارئ أن يتحمل معنا عناء رحلة في مجاهل عالم الكيمياء . إذا أراد أن يعرف سر وجوده .
**
استطاعت المعامل أن تثبت أن مادة الحياة واحدة تقريباً في كل الكائنات الحية . و أن الفوارق بين تركيب لحم الحمار و لحم البني آدم و لحم الحشرة . فوارق طفيفة لا تذكر . و أن كل المواد التي تتألف منها البنية الحية لا تخرج عن كونها سكريات و نشويات و دهنيات و بروتينات .
و أثبتت المعامل أيضاً أن هذه المواد جميعها هي تعقيدات مختلفة لمادة واحدة و هي الآيدروكربون . كل المواد الحية مشتقات من مادة هيدروكربونية . من غاو الميثان . و هو غاز يتألف من الكربون و الآيدروجين . فما هو الشيء السحري الذي جعل مادة الكربون بالذات هي المادة المختارة لنشأة الحياة .
السر أن هذه المادة قلقة غير مستقرة . غير مشبعة . فيها قابلية لا نهائية للارتباط بعدد لا نهائي من المركبات و المبادلة عليها بذراتها في كل وقت .
و قد ثبت أن المواد المستقرة التي يسمونها في الكيمياء المواد النبيلة كالذهب و البلاتين و غاز الهيليوم و الأرجون و الكربتون . كل هذه المواد ظلت مواداً عاطلة خاملة مثل الأمراء الخاملين . بدأت و انتهت على حالها دون أن تعطي إمكانيات جديدة . و السبب أن ذراتها مشبعة متوازنة مستقرة لدرجة الموت . و لهذا لم يدخل أي واحد من هذه العناصر في تركيب الجسم الحي . و إنما اختارت الحياة مادة واحدة بعينها شديدة القلق ناقصة غير مشبعة كثيرة الانفكاك و الارتباط بالمواد حولها لتكون مستقراً لها . هي مادة الكربون لأنها مستودع لطاقة كيماوية لا نهائية و محل لتفاعلات لا آخر لها .
إنها هي ذاتها فيها صفات الحياة . الفاعلية و التحول و التكاثر و التعقد .
إن مفتاح الحياة هو . الكربون . لأنه مادة جائعة غير مشبعة تنقصها أربعة إلكترونات في مدارها الذري لتصل إلى الراحة و التوازن . و لهذا فهي دائماً تدخل في علاقات و تفاعلات محاولة الوصول إلى هذا التوازن . و تكون نتيجة هذه التفاعلات متتاليات كيميائية لا حصر لها . تبدأ من غاو الميثان . الهيدروكربون . إلى المواد الكربوهيدراتية كالسكريات و النشويات . إلى الجلسرين و الدهون . إلى البروتينات .
كل هذه المتتالية الحية هي تعقيد و اشتقاق من مادة واحدة هي الكربون أو الفحم .
و قدا قام ميللر بتقليد ظروف الحياة الأولى في المعمل فأحدث تفريغاً كهربائياً في جو خال من الأكسجين و به ميثان و نشادر و بخار ماء . فكانت النتيجة مجموعة مدهشة من المركبات العضوية تشتمل على الأحماض الآمينية . و هي نواة البروتينات .
و اختيار الحياة لعنصر الكربون بالذات لتتخذ منه الطوب الذي تبنى به معمارها اختيار فيه حكمة . لأن الكربون عنصر نشيط . احتمالاته الكيميائية لا حصر لها . و قد ثبت بالحساب أن الجزيء الذي يحتوي على عشرين ذرة من الكربون يمكنه أن يعطي مليون صورة لتركيبات جديدة .
إنه عنصر مثل الحياة مفتوح على آفاق لانهائية . ذرة تزيد و ذرة تنقص في الميثان تؤدي إلى تركيب الكلوروفورم . الكحول . النفتالين . البنزول . إلخ . ملايين المواد الممكنة .
و كل مادة عضوية لها تعقيدات .
سكر القصب و سكر الفاكهة و سكر الشعير كلها تعقيدات لسكر العنب البسيط الجلوكوز .
و زيت الزيتون و زيت بذرة القطن و زيت الفول السوداني و زيت السمك و شحم الخنزير و شحم البقر . كلها تعقيدات للجليسرين و الأحماض الدهنية .
و مادة الأظافر و مادة الجلد و مادة الشعر و مادة العظم و الغضاريف و العضلات و الأعصاب و الدم و الريش و الأجنحة و قشر الحشرات و زلال البيض و الهرمونات . كلها تعقيدات و اشتقاقات مختلفة من المادة البروتينية .
و أنواع البروتينات التي تتألف من 24 حامض آميني يمكنها أن تعطي إمكانيات مثل التي تعطيها حروف الهجاء الـ26 . يمكنها أن تعطي ألوف الكلمات و ملايين الجمل . كل جملة تختلف عن الأخرى لأن تحت يدها 24 حرفاً كيميائياً تصنع منها تباديل و توافيق .
و أهم مادة حية هي البروتين لأن جزيء البروتين ثقيل فيه أكثر من خمسة آلاف ذرة في المتوسط . متعدد الاحتمالات بدرجة مذهلة .
و ذرات المادة البروتينية لا تعطي فقط إمكانيات متعددة للتوليف الكيماوي . و لكنها أيضاً في التحامها تصنع أشكالاً متعددة من الالتحام . فهي تكون ملضومة أحياناً على شك مجمعات كروية و أحياناً على شكل سلاسل حلزونية . و أحياناً على شكل حبال مبرومة كأسلاك التلغراف و في كل مرة تؤدي إلى شكل تركيبي جديد في وظيفته و طعمه و ملمسه مع أن التركيب الواحد في الكل .
**
و السؤال الثاني الذي خطر ببال الكيميائيين هو الماء . سر الماء .
لماذا تبدو الحياة كأنها منقوعة كلها في الماء .
لماذا يؤلف الماء معظم النسيج الحي . و لماذا يدخل كشرط في كل بنية حية .
لقد تعودنا أن نتعلم في المدارس أن الماء سائل لا طعم له و لا لون و لا رائحة . و هذه أكذوبة كبرى . لأن الماء هو أكثر السوائل نشاطاً لأن تركيبه هو الآخر تركيب قلق غير مستقر غير مشبع .
أثبت الفحص الذري للماء أن ذرة الآيدروجين في جزيئه عارية بدون إلكترونات . و لهذا كانت شديدة الشوق إلى استعارة الكترونات من أي مادة تلامسها . و هذا سر قدرة الماء على إذابة المواد و التفاعل معها و تحليها إلى إيواناتها .
الماء ليس خاملاً . و ليس عديم الطعم . عديم النشاط .
الماء توازنه الكهربائي ناقص . و لهذا فهو يروي من العطش أن له طعماً حيوياً .
بدليل أن الماء الثقيل المشبع لا يروي . و إذا شربت منه صفيحة فإنك لا بد هالك عطشاً .
و الماء له فعل آخر . إنه يحول مادة البروتين إلى كتل غروية جيلاتينية في حالة تماسك كهربائي لا هو بالتجبن و لا هو بالتخشر . و بهذا يصنع خامة حية شديدة الحساسية و عدم الثبات و القلق و التغير و التحول .
هذا البحث يثبت لنا في النهاية أن مادة الحياة فيها حياة . فيها صفات الحياة . و أن نشأة الحياة من مركبات الكربون و الماء لم تكن مصادفة . و أن الحياة لو لم تنشأ من الكربون لنشأت من الكربون . و أن الاحتمال أكبر من أن يكون مجرد خبطة عشوائية .
إنه ضرورة .
و هذا يجعلنا نسأل . ما هي المادة .
و ما حقيقتها. ❝