❞ لا يُنكر أن الطباع تحب المال ، لأنه سبب بقاء الأبدان ، لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوبا لذاته لا للتوصل به إلى المقاصد ، فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب ويمنعها اللذات وتصير لذاته جمع المال ، هذه جِبلَّة في خلق كثير .. ❝ ⏤أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي
❞ لا يُنكر أن الطباع تحب المال ، لأنه سبب بقاء الأبدان ، لكنه يزيد حبه في بعض القلوب حتى يصير محبوبا لذاته لا للتوصل به إلى المقاصد ، فترى البخيل يحمل على نفسه العجائب ويمنعها اللذات وتصير لذاته جمع المال ، هذه جِبلَّة في خلق كثير. ❝
❞ أكثر الذين عبدوا الله و زعموا أنهم يعبدونه واحداً جعلوا له شركاء .. أكثرهم فعلوا هذا من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون .. أخناتون الذي بلغ القمة في التوحيد ، عاد فجعل من نفسه إبناً للإله فقال في نشيده مخاطباً ربه ، إنك في قلبي. و ليس هناك من يعرفك غير ابنك الذي وُلد من صُلبك ، ملكُ مِصْر السفلىٰ و العليا ، الذي يحيا في الحق ، سيد الأرضين أخناتون .
لقد وقع برغم بصيرته الشفافه في هذا الإفك القديم و ظن نفسه إبنا لله من صلبه ، و في فارس تصوره الذين عبدوا إلهين اثنين .. (هرمز و اهرمن ) : أحدهما إلهاً للخير و الآخر للشر " و في الهند ثالوثاً "براهما و فشنوا و شيفا" و من تحت الثالوث عددوا كثرة من صغار الأرباب وصلت إلى ثلاثمائة و ثلاثين مليوناً من الآلهة ، بعدد ما ظنوا من حيوانات و دواب و مخلوقات تحل فيها أرواح تلك الآلهة ..
و في اليونان عبدوا زيوس كبير الأرباب ثم جعلوا لهذا الكبير عصابة بعدد ما تصوروا من قوى الطبيعة .
و عبد اليهود الرب " يهوا " إلهاً واحداً ثم جعلوا من النبي عزيرا ابناً له مخالفين بذلك ما علمهم موسى من وحدانية الخالق ..
و جاء عيسى بالتوحيد فاختلف من بعده الأتباع و جعلوا من المسيح ابناً و جعلوا الحقيقة الإلهية الواحدة ثالوثاً ..
ثم جاء الإسلام بختام الكلمة في التوحيد فالله أحدٌ صمد لا صاحبة و لا ولد ، ليس له ند و لا ضد و لا مثيل و لا شبيه ، لا يتحيز في مكان و لا يتزمن في زمان ، و لا يتحدد في كم ، و لا يتمثل في مقدار ، و لا يتقيد في إطار ، و لا تحيط به صورة و لا يتجسد في جسد ، ليس من هذا العالم ، بل هو فوقه و متعالٍ عليه ؛ فهو في الإطلاق و هذا العالم في القيد ، و هو في كلمة بسيطة بليغة .. أحدٌ .. أحد .. ليس كمثله شئ .
واعتقد المسلمون بهذا التوحيد بواقع الشهادة التي يُقرّونها خمس مرات كل يوم و في كل أذان ، أنه لا إله إلا الله .. و أن الله أكبر من كل شيء مطلقاً .. و لكن الكثرة الغالبة منهم عادت فوقعت في ألوان جديدة من الشرك الخفي ، و بات أكثر توحيد المسلمين باللسان بأن الله أكبر .. على حين أن سلوك هذه الكثرة و مشاعرها يقول إن الدنيا أكبر ، و تحصيل المال أكبر ، و حيازة القصور و الضياع أكبر ، و الفوز برضا المرأه أكبر و التقرب للسلطة أكبر ، و هوى النفس أكبر .
الكثرة تقول لا نعبد إلا الله و لا نخاف إلا الله ، و لكن سلوكها يقول إنها تخاف الموت و الفقر و المرض و الميكروب و الفيروس و الشيخوخة أكثر ، و كأنما هذه الأشياء لها سلطة الضرر بذواتها ..
الكثرة تطلب الشفاء من يدي الطبيب و تلتمس الدواء و يقع الواحد منهم في يأس لأنه لم يجد الحقن المستوردة كذا أو المضاد الحيوي كذا و ينسى أن الله من وراء الأسباب ، و أنه هو الذي أودع صفات الشفاء في هذا المضاد أو هذه الحقنة و أنه هو الذي قدر البرء على يد هذا الجراح ..
و أنه هو الذي خلق الفيروس و الميكروب و البكتريا ، و أنه الذي نشرها و أرسلها و أنه هو الذي أقام حواجز المناعة في أجسامنا ، و أنه إن شاء هدم هذه المناعة ، و إن شاء أعانها و أنه خالق الحر و البرد و الصقيع ، و أنه الذي وضع خاصية التغذية فالغذاء ، و الإرواء في الماء ، و خاصية القتل في السم ، و خاصية النفع في الترياق ..
' لا شئ له سلطة النفع بذاته ..و لا شئ له سلطة الضرر بذاته'
و إنما هو الله الضار النافع و ما عدا ذلك أسباب أقامها الله لتعمل بمشيئته ، و التوحيد الصحيح أن نخافه هو ، لأنه لا شئ يستطيع أن يضرنا بدون مشيئته ، و أن نطمع فيه وحده لأنه لا شئ يستطيع أن ينفعنا بدون إذنه ، إنه وحده الذي يعمل طوال الوقت - بالرغم من كثرة الأيدي التي تبدو في الصورة - ألم يقل للمقاتلين في بدر :
قال تعالى :
(( فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى ))
مع أن الظاهر أنهم هم الذين قتلوا المشركين .. و أن النبي عليه الصلاة و السلام هو الذي رمى .
هذا هو الظاهر ..
و لكن الحقيقة أنها أدوار اختار الله أبطالها منذ الأزل .. اختار للشر نفوساً و عرف أنها لا تصلح إلا للشر بحكم ما أخفته في سرها .. و لهذا اختار إبليس للغواية .. لأنه علم فيه الكِبر .. و اختار محمداً عليه الصلاة و السلام للهداية لما عَلِمَ فيه من مودة و رحمة .. و هكذا وزع الأدوار بحكم استحقاقات علمها أزلاً .. ثم أعان كل واحد على ما يصلح له .. أعان المضل على الضلال و أعان الهادى على الهدى ..
قال تعالى : (( كلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظوراً ))
قال تعالى : (( فأما من أعطى و أتقى ، و صدق بالحسنى ، فسنيسرهُ لليسرى ، و أما من بخل و استغنى ، و كذّب بالحسنى ، فسنيسرهُ للعسرى ))
من طلب المعونة على جريمة أعانه عليها و عليه وزر احتياره ، و من طلب المعونة على خير أعانه عليه و له ثواب اخياره . و إنما دور كل منا هو توجيه طاقته .
و لكن الله - سبحانه و تعالى - هو صاحب الطاقة الكلية و لا يمكن إنفاذ فعل بدونه فهو الوكيل القائم على إنقاذ جميع الأفعال ، و هو اليد الفاعلة و إنما دور القاتل أنه أضمر القتل و اختاره و فكر فيه و عزم عليه و هذا هو إسهامه الذي سيُحاسب عليه .. أما إنفاذ جميع الأفعال فالله منفرد بها
و لهذا قال لمحاربي بدر :
(( فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم ))
و هذا هو المعنى الحقيقي للتوحيد أن الله هو الفاعل الوحيد .. و أنه إذا كانت لنا أعمال فهي سرائرنا و نياتنا و ما نعزم عليه و ما نوجه إليه طاقتنا و ما نبادر إليه ، لهذا قال الله عن نفسه إنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء .
قال تعالى (( و من يضلل الله فما له من هاد ))
(( و من يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ))
و لكنه شاء سبحانه وتعالى أن يطمئنا فقال :
(( و يضل الله الظالمين ))
(( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ))
(( كذلك يضل الله الكٰفرين ))
' فجعل الفعل الإلهي قائما على استحقاق . و هذا يجعل من الدنيا كلها تحصيل حاصل لاستحقاقات أزلية استحقتها نفوس الخلائق بحكم منازلها التي تفاضلت بها أزلاً ..
و إنما أراد الله أن نخرج ما نكتم في قلوبنا فخلق هذه الدنيا ليشهد كل منا على نفسه :
قال تعالى :(( و الله مخرجٌ ما تكتمون ))'
قال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ} [التوبة : 64]
و هذا يعني أن هذه الدنيا هي الفصل الثاني من رواية ، و إنه كان هناك فصل سابق عشناه و لا نذكر عنه شيئاً . و إننا بحكم ما قدمناه في هذا الفصل السالف استحققنا ما نجد الآن من خير و شر .. و أن ما يجد كلٍ منا في حياته هو أشبه بكشف النقاب عما يكتم و عما يخفي في ذات نفسه .
و الله يعلم حقيقتنا منذ القدم ، و يعلم عنا كل شئ ، و لكنه أراد أن نعلم عن أنفسنا بعض ما يعلم عنا فخلق لنا الدنيا لنرى أنفسنا في أعمالنا .
و ليس هناك قولاً بتناسخ فأنا لا أؤمن بالتناسخ الذي يتكلم عنه الهنود ، و لا في تقمص الأرواح الذي يعتقد فيه الدروز..
و لا أظن أن الفصل الأول من هذه الرواية كان على هذه الأرض و لا أنه كان تقمصاً سابقاً لحياة بشرية ..
' إنما هو أمر من أمور الغيب لا يعلمه إلا الله و هو ماضٍ محجوب لن يُهتك عنه الستر إلا يوم يبعث الله من في القبور و يحصل ما في الصدور .
يومئذٍ تنكشف الأسرار و يعرف المجرمون أنفسهم على حقيقتها فيقولون معترفين :
{قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} [غافر : 11]
و لا خروج .. فهل يستطيع الإنسان أن يخرج من نفسه أو يتبرأ إنسان من يديه " هيهات " ..
و يسأل سائل .. لمن الملك اليوم ؟
و تجيب السماوات و الأرض و الملائكة و كل الخلق .. لله الواحد القهار ، و هو أمر ليس بجديد .. فالملك كان لله دائما في ذلك اليوم و في كل يوم ..'' و لكن ظاهر الدنيا يخدع كل من يراه " .. كان يبدو أن لبعض الناس مُلكاً ، و كان يبدو أن الطبيب يشفي و أن السلطان يرزق ، و أن السم يُميت و أن الرصاصة تقتل ، و أن هذا ينفع و أن ذاك يضر ، و أن هناك جبارين غير الله يحكمون .
و نسينا ما وصف الله به نفسه بأنه :
قال تعالى : {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد : 3]
فإذا كان الطبيب يشفي ، و السلطان يرزق ، و السم يُميت ، و الرصاصة تقتل ، فإن الله هو الظاهر في كل هذه المظاهر و هو الفعل الخالص فيها .. و ما يجري على جميع الأيدي هو الوجه المنظور للمشيئة في تلك اللحظة .. سبحانه كل يوم هو في شأن .. و تلك شؤونه ..
و إذا كنا رأينا جبارين من غير الله يحكمون فما حكموا في الحقيقة إلا به .. و إنما تجلى الاسم الجبار على نفوسهم لأن تلك النفوس لم تكن لتقبل بحكم استعدادها الأزلي إلا هذا النوع من التجلي .. لم تكن تصلح لأن يتجلى عليها الودود و لا الرحيم و لا الرءوف .. لم تكن تقبل التجليات الجمالية للأسماء الحليم و الكريم و المنان و اللطيف ..
فنحن ما زلنا مع الله لم يظهر فينا غيره .. هو الظاهر في كل شئ بأفعاله و أسمائه .. و لكن من وراء ستار الأسباب ومن خلف نقاب الكثرة .
و برغم هذه الكثرة فإنه لا إله إلا الله.. لا فعال سواه ، و لا شافٍ و لا رازق و لا نافع و لا ضار و لا مميت و لا جبار و لا مهيمن غيره .. إنها ذاته الواحدة الفاعلة أبداً و أزلاً ..
ألا تبدو الطاقة الكهربائية في كل مصباح بشكل مختلف حسب نوع الفتيل المعدني داخله ..!؟
ألا تبدو الكهرباء في مصابيح النيون بألوان و تألقات متفاوتة حسب نوع الغازات في تلك الأنابيب المفرغة.. ؟!
' ما أشبهها جميعاً بنفوسنا التي تختلف استعداداتها فتختلف أفعالها مع أن الفاعل فيها واحد .. مجرد مثال .'
"و الدنيا كلها مثال رامز للقدره قدرة الواحد الأحد الذي ليس كمثله شئ و إذا رأيت هذا الواحد من وراء الكثرة و إذا أنت لم تعبأ بهذه الكثرة و شعرت بنفسك تتعامل طول الوقت وجهاً لوجه مع الله فلم تر شافياً لك غيره برغم تعاطيك الدواء و استسلامك للجراح ، و إذا رأيته هو الذي يطعمك و يسقيك و شعرت بنفسك تأكل من يديه و تشرب من يديه برغم كثرة المشارب و المطاعم التي تتردد عليها ، و إذا نسيت نفسك و لم تر غيره فأنت المسلم الموحد على وجه التحقيق "
وإنما يأتي فساد الأعمال من تصور الواحد منا أنه يأتيها وحده .. كما تصور قارون أنه صاحب العلم و صاحب المال و صاحب الفضل و قال مختالاً و هو يتحدث عن ماله و جاهه قال تعالى :
{قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ} [القصص : 78]
فلم ير غير نفسه و لم يشهد غير علمه الذاتي و نسي أنه لا يملك علماً ذاتياً و لا قدرة ذاتية ، و إنما قدرته وعلمه و ذكاؤه كانت هبات سيده و هذا هو الشرك الخفي ..
حينما يصبح إله الواحد نفسه و هواه و ملكاته ..
قال تعالى :
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاىٰهُ} [الجاثية : 23]
ولهذا يتبرأ العارفون عن أعمالهم الصالحة و يسندوها إلى الله و إلى توفيقه .'
و أكثر من هذا يتبرأ الواحد من إرادته الخيرة و من نياته الطيبة و يرى أنها من أفضال سيده .. ثم يتبرأ من نفسه التي بين جنبيه و ينسى ذاته .. و يشهد أنه لا يملك من نفسه إلا العدم و أن كل ماله من الله ..و لا يعود يختار و إنما الله يختار له في كل لحظة .. ثم لا يعود يشهد إلا الله في كل شئ .. فذلك هو التوحيد الكامل ..
وهذه هي لا إله إلا الله حينما تصبح حياة ..
و نرى في دعاء أبي الحسن الشاذلي في هذه الحالة من الوجد : رب خذني إليك مني و ارزقني الفناء عني ، و لا تجعلني مفتوناً بنفسي ، محجوباً بحسي ، ونقرأ في المواقف والمخاطبات للنفري ما يقوله الله للعبد العارف " ألق الاختيار ألق المسألة البتة " .
فثواب مثل ذلك التوحيد الكامل الذي يلقي فيه العبد باختياره و يأخذ باختيار الله في كل شيء هو المغفرة الكاملة و عدم المحاسبة، يقول الله في حديثه القدسي إلى المذنب : لو جئتني بملء قراب الأرض خطايا و لقيتني لا تشرك بي شيئاً لوجدت عندي ملء قراب الأرض مغفرة .
فتلك ثمرة التوحيد ، و هذا ثواب كلمة لا إله إلا الله ، إذا جعلها الواحد منا حياته و نبضه و سلوكه و تنفسه و ذوب قلبه، وهذا ما أراده القرآن الكريم بإسلام الوجه لله سبحانه و تعالى ، و هذا ما أراده رسولنا العظيم محمد عليه الصلاة و السلام، حينما سأله أحدهم أن يوجز الدين الذي تلقاه عن ربه في كلمتين .. فقال كلمته الجامعه : ' قل آمنت بالله ثم استقم ' ..
و هذه هي الملة الحنيفية ملة أبينا إبراهيم الذي لم يعرف لنفسه إلهاً و لا خالقاً و لا رازقاً و لا شافياً و لا منقذاً إلا الله.. و الذي أُلقي به في النار فظهر له جبريل يسأله حاجته .. فقال له النبي العارف الموحد ، أما لك فلا ..
إنه في ساعة الخوف و الهول و الفزع لا يسأل أحداً إلا ربه .. لأنه لا يرى أحداً يملك له شيئاً و لو كان كبير الملائكه الروح القدس نفسه .. فلا فاعل في الكون إلا الله..
و لا يملك أحد أن ينفع أو يضر إلا بإذنه ..
و تلك مرتبة عرفانية لا يصل إليها إلا نبي ..
و هذا معنى التوحيد ..
مقال : كلمة التوحيد .. ماذا تعني
من كتاب : الإسلام ما هو ؟
للدكتور / مصطفي محمود (رحمه الله). ❝ ⏤مصطفى محمود
❞ أكثر الذين عبدوا الله و زعموا أنهم يعبدونه واحداً جعلوا له شركاء . أكثرهم فعلوا هذا من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون . أخناتون الذي بلغ القمة في التوحيد ، عاد فجعل من نفسه إبناً للإله فقال في نشيده مخاطباً ربه ، إنك في قلبي. و ليس هناك من يعرفك غير ابنك الذي وُلد من صُلبك ، ملكُ مِصْر السفلىٰ و العليا ، الذي يحيا في الحق ، سيد الأرضين أخناتون .
لقد وقع برغم بصيرته الشفافه في هذا الإفك القديم و ظن نفسه إبنا لله من صلبه ، و في فارس تصوره الذين عبدوا إلهين اثنين . (هرمز و اهرمن ) : أحدهما إلهاً للخير و الآخر للشر ˝ و في الهند ثالوثاً ˝براهما و فشنوا و شيفا˝ و من تحت الثالوث عددوا كثرة من صغار الأرباب وصلت إلى ثلاثمائة و ثلاثين مليوناً من الآلهة ، بعدد ما ظنوا من حيوانات و دواب و مخلوقات تحل فيها أرواح تلك الآلهة .
و في اليونان عبدوا زيوس كبير الأرباب ثم جعلوا لهذا الكبير عصابة بعدد ما تصوروا من قوى الطبيعة .
و عبد اليهود الرب ˝ يهوا ˝ إلهاً واحداً ثم جعلوا من النبي عزيرا ابناً له مخالفين بذلك ما علمهم موسى من وحدانية الخالق .
و جاء عيسى بالتوحيد فاختلف من بعده الأتباع و جعلوا من المسيح ابناً و جعلوا الحقيقة الإلهية الواحدة ثالوثاً .
ثم جاء الإسلام بختام الكلمة في التوحيد فالله أحدٌ صمد لا صاحبة و لا ولد ، ليس له ند و لا ضد و لا مثيل و لا شبيه ، لا يتحيز في مكان و لا يتزمن في زمان ، و لا يتحدد في كم ، و لا يتمثل في مقدار ، و لا يتقيد في إطار ، و لا تحيط به صورة و لا يتجسد في جسد ، ليس من هذا العالم ، بل هو فوقه و متعالٍ عليه ؛ فهو في الإطلاق و هذا العالم في القيد ، و هو في كلمة بسيطة بليغة . أحدٌ . أحد . ليس كمثله شئ .
واعتقد المسلمون بهذا التوحيد بواقع الشهادة التي يُقرّونها خمس مرات كل يوم و في كل أذان ، أنه لا إله إلا الله . و أن الله أكبر من كل شيء مطلقاً . و لكن الكثرة الغالبة منهم عادت فوقعت في ألوان جديدة من الشرك الخفي ، و بات أكثر توحيد المسلمين باللسان بأن الله أكبر . على حين أن سلوك هذه الكثرة و مشاعرها يقول إن الدنيا أكبر ، و تحصيل المال أكبر ، و حيازة القصور و الضياع أكبر ، و الفوز برضا المرأه أكبر و التقرب للسلطة أكبر ، و هوى النفس أكبر .
الكثرة تقول لا نعبد إلا الله و لا نخاف إلا الله ، و لكن سلوكها يقول إنها تخاف الموت و الفقر و المرض و الميكروب و الفيروس و الشيخوخة أكثر ، و كأنما هذه الأشياء لها سلطة الضرر بذواتها .
الكثرة تطلب الشفاء من يدي الطبيب و تلتمس الدواء و يقع الواحد منهم في يأس لأنه لم يجد الحقن المستوردة كذا أو المضاد الحيوي كذا و ينسى أن الله من وراء الأسباب ، و أنه هو الذي أودع صفات الشفاء في هذا المضاد أو هذه الحقنة و أنه هو الذي قدر البرء على يد هذا الجراح .
و أنه هو الذي خلق الفيروس و الميكروب و البكتريا ، و أنه الذي نشرها و أرسلها و أنه هو الذي أقام حواجز المناعة في أجسامنا ، و أنه إن شاء هدم هذه المناعة ، و إن شاء أعانها و أنه خالق الحر و البرد و الصقيع ، و أنه الذي وضع خاصية التغذية فالغذاء ، و الإرواء في الماء ، و خاصية القتل في السم ، و خاصية النفع في الترياق .
' لا شئ له سلطة النفع بذاته .و لا شئ له سلطة الضرر بذاته'
و إنما هو الله الضار النافع و ما عدا ذلك أسباب أقامها الله لتعمل بمشيئته ، و التوحيد الصحيح أن نخافه هو ، لأنه لا شئ يستطيع أن يضرنا بدون مشيئته ، و أن نطمع فيه وحده لأنه لا شئ يستطيع أن ينفعنا بدون إذنه ، إنه وحده الذي يعمل طوال الوقت - بالرغم من كثرة الأيدي التي تبدو في الصورة - ألم يقل للمقاتلين في بدر :
قال تعالى :
(( فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم و ما رميت إذ رميت و لكن الله رمى ))
مع أن الظاهر أنهم هم الذين قتلوا المشركين . و أن النبي عليه الصلاة و السلام هو الذي رمى .
هذا هو الظاهر .
و لكن الحقيقة أنها أدوار اختار الله أبطالها منذ الأزل . اختار للشر نفوساً و عرف أنها لا تصلح إلا للشر بحكم ما أخفته في سرها . و لهذا اختار إبليس للغواية . لأنه علم فيه الكِبر . و اختار محمداً عليه الصلاة و السلام للهداية لما عَلِمَ فيه من مودة و رحمة . و هكذا وزع الأدوار بحكم استحقاقات علمها أزلاً . ثم أعان كل واحد على ما يصلح له . أعان المضل على الضلال و أعان الهادى على الهدى .
قال تعالى : (( كلاً نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ما كان عطاء ربك محظوراً ))
قال تعالى : (( فأما من أعطى و أتقى ، و صدق بالحسنى ، فسنيسرهُ لليسرى ، و أما من بخل و استغنى ، و كذّب بالحسنى ، فسنيسرهُ للعسرى ))
من طلب المعونة على جريمة أعانه عليها و عليه وزر احتياره ، و من طلب المعونة على خير أعانه عليه و له ثواب اخياره . و إنما دور كل منا هو توجيه طاقته .
و لكن الله - سبحانه و تعالى - هو صاحب الطاقة الكلية و لا يمكن إنفاذ فعل بدونه فهو الوكيل القائم على إنقاذ جميع الأفعال ، و هو اليد الفاعلة و إنما دور القاتل أنه أضمر القتل و اختاره و فكر فيه و عزم عليه و هذا هو إسهامه الذي سيُحاسب عليه . أما إنفاذ جميع الأفعال فالله منفرد بها
و لهذا قال لمحاربي بدر :
(( فلم تقتلوهم و لكن الله قتلهم ))
و هذا هو المعنى الحقيقي للتوحيد أن الله هو الفاعل الوحيد . و أنه إذا كانت لنا أعمال فهي سرائرنا و نياتنا و ما نعزم عليه و ما نوجه إليه طاقتنا و ما نبادر إليه ، لهذا قال الله عن نفسه إنه يضل من يشاء و يهدي من يشاء .
قال تعالى (( و من يضلل الله فما له من هاد ))
(( و من يضلل الله فلن تجد له سبيلاً ))
و لكنه شاء سبحانه وتعالى أن يطمئنا فقال :
(( و يضل الله الظالمين ))
(( كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ))
(( كذلك يضل الله الكٰفرين ))
' فجعل الفعل الإلهي قائما على استحقاق . و هذا يجعل من الدنيا كلها تحصيل حاصل لاستحقاقات أزلية استحقتها نفوس الخلائق بحكم منازلها التي تفاضلت بها أزلاً .
و إنما أراد الله أن نخرج ما نكتم في قلوبنا فخلق هذه الدنيا ليشهد كل منا على نفسه :
قال تعالى :(( و الله مخرجٌ ما تكتمون ))'
قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة : 64]
و هذا يعني أن هذه الدنيا هي الفصل الثاني من رواية ، و إنه كان هناك فصل سابق عشناه و لا نذكر عنه شيئاً . و إننا بحكم ما قدمناه في هذا الفصل السالف استحققنا ما نجد الآن من خير و شر . و أن ما يجد كلٍ منا في حياته هو أشبه بكشف النقاب عما يكتم و عما يخفي في ذات نفسه .
و الله يعلم حقيقتنا منذ القدم ، و يعلم عنا كل شئ ، و لكنه أراد أن نعلم عن أنفسنا بعض ما يعلم عنا فخلق لنا الدنيا لنرى أنفسنا في أعمالنا .
و ليس هناك قولاً بتناسخ فأنا لا أؤمن بالتناسخ الذي يتكلم عنه الهنود ، و لا في تقمص الأرواح الذي يعتقد فيه الدروز.
و لا أظن أن الفصل الأول من هذه الرواية كان على هذه الأرض و لا أنه كان تقمصاً سابقاً لحياة بشرية .
' إنما هو أمر من أمور الغيب لا يعلمه إلا الله و هو ماضٍ محجوب لن يُهتك عنه الستر إلا يوم يبعث الله من في القبور و يحصل ما في الصدور .
يومئذٍ تنكشف الأسرار و يعرف المجرمون أنفسهم على حقيقتها فيقولون معترفين :
﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ﴾ [غافر : 11]
و لا خروج . فهل يستطيع الإنسان أن يخرج من نفسه أو يتبرأ إنسان من يديه ˝ هيهات ˝ .
و يسأل سائل . لمن الملك اليوم ؟
و تجيب السماوات و الأرض و الملائكة و كل الخلق . لله الواحد القهار ، و هو أمر ليس بجديد . فالملك كان لله دائما في ذلك اليوم و في كل يوم .'' و لكن ظاهر الدنيا يخدع كل من يراه ˝ . كان يبدو أن لبعض الناس مُلكاً ، و كان يبدو أن الطبيب يشفي و أن السلطان يرزق ، و أن السم يُميت و أن الرصاصة تقتل ، و أن هذا ينفع و أن ذاك يضر ، و أن هناك جبارين غير الله يحكمون .
و نسينا ما وصف الله به نفسه بأنه :
قال تعالى : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد : 3]
فإذا كان الطبيب يشفي ، و السلطان يرزق ، و السم يُميت ، و الرصاصة تقتل ، فإن الله هو الظاهر في كل هذه المظاهر و هو الفعل الخالص فيها . و ما يجري على جميع الأيدي هو الوجه المنظور للمشيئة في تلك اللحظة . سبحانه كل يوم هو في شأن . و تلك شؤونه .
و إذا كنا رأينا جبارين من غير الله يحكمون فما حكموا في الحقيقة إلا به . و إنما تجلى الاسم الجبار على نفوسهم لأن تلك النفوس لم تكن لتقبل بحكم استعدادها الأزلي إلا هذا النوع من التجلي . لم تكن تصلح لأن يتجلى عليها الودود و لا الرحيم و لا الرءوف . لم تكن تقبل التجليات الجمالية للأسماء الحليم و الكريم و المنان و اللطيف .
فنحن ما زلنا مع الله لم يظهر فينا غيره . هو الظاهر في كل شئ بأفعاله و أسمائه . و لكن من وراء ستار الأسباب ومن خلف نقاب الكثرة .
و برغم هذه الكثرة فإنه لا إله إلا الله. لا فعال سواه ، و لا شافٍ و لا رازق و لا نافع و لا ضار و لا مميت و لا جبار و لا مهيمن غيره . إنها ذاته الواحدة الفاعلة أبداً و أزلاً .
ألا تبدو الطاقة الكهربائية في كل مصباح بشكل مختلف حسب نوع الفتيل المعدني داخله .!؟
ألا تبدو الكهرباء في مصابيح النيون بألوان و تألقات متفاوتة حسب نوع الغازات في تلك الأنابيب المفرغة. ؟!
' ما أشبهها جميعاً بنفوسنا التي تختلف استعداداتها فتختلف أفعالها مع أن الفاعل فيها واحد . مجرد مثال .'
˝و الدنيا كلها مثال رامز للقدره قدرة الواحد الأحد الذي ليس كمثله شئ و إذا رأيت هذا الواحد من وراء الكثرة و إذا أنت لم تعبأ بهذه الكثرة و شعرت بنفسك تتعامل طول الوقت وجهاً لوجه مع الله فلم تر شافياً لك غيره برغم تعاطيك الدواء و استسلامك للجراح ، و إذا رأيته هو الذي يطعمك و يسقيك و شعرت بنفسك تأكل من يديه و تشرب من يديه برغم كثرة المشارب و المطاعم التي تتردد عليها ، و إذا نسيت نفسك و لم تر غيره فأنت المسلم الموحد على وجه التحقيق ˝
وإنما يأتي فساد الأعمال من تصور الواحد منا أنه يأتيها وحده . كما تصور قارون أنه صاحب العلم و صاحب المال و صاحب الفضل و قال مختالاً و هو يتحدث عن ماله و جاهه قال تعالى :
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص : 78]
فلم ير غير نفسه و لم يشهد غير علمه الذاتي و نسي أنه لا يملك علماً ذاتياً و لا قدرة ذاتية ، و إنما قدرته وعلمه و ذكاؤه كانت هبات سيده و هذا هو الشرك الخفي .
حينما يصبح إله الواحد نفسه و هواه و ملكاته .
قال تعالى :
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاىٰهُ﴾ [الجاثية : 23]
ولهذا يتبرأ العارفون عن أعمالهم الصالحة و يسندوها إلى الله و إلى توفيقه .'
و أكثر من هذا يتبرأ الواحد من إرادته الخيرة و من نياته الطيبة و يرى أنها من أفضال سيده . ثم يتبرأ من نفسه التي بين جنبيه و ينسى ذاته . و يشهد أنه لا يملك من نفسه إلا العدم و أن كل ماله من الله .و لا يعود يختار و إنما الله يختار له في كل لحظة . ثم لا يعود يشهد إلا الله في كل شئ . فذلك هو التوحيد الكامل .
وهذه هي لا إله إلا الله حينما تصبح حياة .
و نرى في دعاء أبي الحسن الشاذلي في هذه الحالة من الوجد : رب خذني إليك مني و ارزقني الفناء عني ، و لا تجعلني مفتوناً بنفسي ، محجوباً بحسي ، ونقرأ في المواقف والمخاطبات للنفري ما يقوله الله للعبد العارف ˝ ألق الاختيار ألق المسألة البتة ˝ .
فثواب مثل ذلك التوحيد الكامل الذي يلقي فيه العبد باختياره و يأخذ باختيار الله في كل شيء هو المغفرة الكاملة و عدم المحاسبة، يقول الله في حديثه القدسي إلى المذنب : لو جئتني بملء قراب الأرض خطايا و لقيتني لا تشرك بي شيئاً لوجدت عندي ملء قراب الأرض مغفرة .
فتلك ثمرة التوحيد ، و هذا ثواب كلمة لا إله إلا الله ، إذا جعلها الواحد منا حياته و نبضه و سلوكه و تنفسه و ذوب قلبه، وهذا ما أراده القرآن الكريم بإسلام الوجه لله سبحانه و تعالى ، و هذا ما أراده رسولنا العظيم محمد عليه الصلاة و السلام، حينما سأله أحدهم أن يوجز الدين الذي تلقاه عن ربه في كلمتين . فقال كلمته الجامعه : ' قل آمنت بالله ثم استقم ' .
و هذه هي الملة الحنيفية ملة أبينا إبراهيم الذي لم يعرف لنفسه إلهاً و لا خالقاً و لا رازقاً و لا شافياً و لا منقذاً إلا الله. و الذي أُلقي به في النار فظهر له جبريل يسأله حاجته . فقال له النبي العارف الموحد ، أما لك فلا .
إنه في ساعة الخوف و الهول و الفزع لا يسأل أحداً إلا ربه . لأنه لا يرى أحداً يملك له شيئاً و لو كان كبير الملائكه الروح القدس نفسه . فلا فاعل في الكون إلا الله.
و لا يملك أحد أن ينفع أو يضر إلا بإذنه .
و تلك مرتبة عرفانية لا يصل إليها إلا نبي .
و هذا معنى التوحيد .
مقال : كلمة التوحيد . ماذا تعني
من كتاب : الإسلام ما هو ؟
للدكتور / مصطفي محمود (رحمه الله). ❝
❞ كُل ذي عاقةٍ جبار.
كانت هناك أسرة ثرية، تمتلك الثراء الفاحش، تعيش في إحدى محافظات الصعيد، ألا وهي في محافظة «بني سويف».
الأسرة مكونة من 10 أشخاص:
*الجد وهو حامد السيوفي لديه من العمر 70 عامًا وهو رجل صارم حاد الطباع يخاف على عائلته كثيرًا، ولكن سيتغير خوفه لظلم كبير.
*الابن الأكبر وهو عبد العزيز السيوفي لديه من العمر 50 عامًا وهو رجل جشع، يحب المال والسلطة وأفسد بين والده وأخيه الأصغر من أجل المال.
*زوجته وهي شهيرة المنياوي لديها من العمر 45 عامًا امرأة تحب المال والمظاهر فقط، تسهر كثيرًا وتملأ رأس زوجها، وتجعله يكره أخيه.
*أولادهم فراس وفارس السيوفي توأم متماثل لديهما من العمر 20 عامًا، ولكن يختلفان في الطباع فراس ذو شخصية طيبة وهادئ تمامًا بعكس أخيه فارس فدائمًا عصبي ويمتلك طباع جده حامد السيوفي.
* الابن الأصغر محمد السيوفي لديه من العمر 43 عامًا يحب أخيه كثيرًا.
* زوجته جميلة العرباوي لديها من العمر 40 عامًا حنونة على أولادها وأولاد العائلة.
*أولادهم آدم السيوفي لديه من العمر 17 عامًا طيب يحب عائلته كثيرًا وآسر السيوفي لديه من العمر 14 عامًا، مثل أخيه تمامًا طيب وحنون يشبهان والديهما تمامًا.
*ابنتهم حور السيوفي «وهي بطلتنا» لديها من العمر 10 سنوات فتاة مرحة للغاية ولكن سيتبدل حالها .
_____________________
في ليلة من ليالي الشتاء القارص داخل قصر حامد السيوفي، شجار دام بالساعات، بين حامد السيوفي وابنه الأصغر محمد السيوفي، انتهت بخروجه من القصر الكبير متجهًا إلى مصر؛ ليعيش بها هو وزوجته وأولاده.
كان في بداية الأمر يعيش هو وأسرته الصغيرة حياة هادئة؛ حتى حدث الغير متوقع وهو موت جميلة العرباوي، كان موتها صدمةً لأسرتها البسيطة، وبالأخص صدمة على بطلتنا؛ فهي كانت أختًا ورفيقةً ليست أمًا فقط، كانت حور لديها من العمر في ذلك الوقت 10 أعوام، لا تدرك معنى الفقد، ولكنها كانت تبكي كثيرًا؛ حتى دخلت فى غيبوبة لمدة عامين، دائمًا أبيها كان يجلس معها بالساعات ويتحدث معها لكن دون جدوى، حتى جاءت لها والدتها في خيالها، وهي نائمة وقالت لها: الموت أخذني؛ لأننا لم نجد مالًا؛ لنجلب علاجي، يحتاجونكي لكي تُعيني الفقير عند حاجته، اصنعي لكِ مستقبلًا واسمًا يخلد في التاريخ، وعند انتهاء هذا الحلم أصبحت الأجهزة تصدر صوتًا، وتفيق بطلتنا من الغيبوبة أخيرًا، ولكن مبدلةٌ تمامًا من فتاة مرحة إلى فتاة عابسة تجتهد وتجتهد من أجل حلمها فقط، وبعد مرور سبع سنوات أصبحت حور لديها 19 عامًا وتنتظر نتيجة الثانوية العامة، دقائق قليلة وأخوتها يبحثون عن النتائج، ينظرون لها وهي تبكي من الخوف، نعم، تبكي خوفًا على ضياع حلمها والحلم الذي قامت من الغيبوبة لأجله، سرعان ما تعالت الأصوات وأخواتها يهتفون 99,5%، سجدت باكية تشكر ربها على تحقيق حلمها، وضحكت كثيرًا، وكانت هذه المرة الأولى التي ضحكت بها منذ لحظة وفاة والدتها، وقالت: لقد حققت حلم أمي، في هذا الوقت كان أخوها آسر في آخر سنة من الهندسة، وآدم أكمل دراسة الأعمال وأكمل في الشركة الصغيرة التي أعدها والده بعد وفاة زوجته، قام آدم بافتتاح الكثير من الشركات، وأصبح أكثر ثراءً من جده حامد السيوفي، مرت السنوات وتخرجت حور من كلية الطب البشري، قسم جراحة قلب، وأصبحت طبيبة مشهورة، تُدعي بالطبيبة المعجزة، وفي ذلك الوقت في قرية بني سويف كان فارس وفراس لديهما من العمر 32 عامًا، وكان الجد حامد السيوفي مريضًا نائمًا على فراش الموت، يحتاج أن يخضع لعملية خطيرة في القلب، ولكن لم يجدوا الطبيب ذا المهارة الكافية، في ذلك الوقت كانا فارس وفراس يبحثان عن أطباء في جميع أنحاء العالم؛ لعلاج الجد، وبعض أصدقاءهما أخبرهما بالطبيبة المعجزة، ذهبوا لزيارتها، لتعالج جدهما، ولكن لا يعلمان من تكون، التقوا بها، وحددوا معها ميعادًا لجلب جدهم لها، وإلى الآن، لا يعلمان أنها ابنة عمهم الذي يبحثون عنه فى كل مكان، ووقت العملية جاء أبيها ليأخذها، لأنه هو وأخواتها كانوا يجهزون لها حفلة بمناسبة نجاحها، وعند رؤية أباه بكي صامتًا، وظل خائفًا حتي خرج من العمليات وأصبح بخير، وتم إنقاذ حياته بفضل الله ثم ابنة ابنه الذي طرده سابقًا، وهم الآن لا يحتاجون إلى أمواله وقاموا ببناء أنفسهم، وأصبحت لا تحتاج لأحد، بل العكس، والآن يمكننا قول كل عاقةٍ جبار.
لِ گ/إنجي محمد \"بنت الأزهر\". ❝ ⏤گ/انجى محمد \"أنجين\"
❞ كُل ذي عاقةٍ جبار.
كانت هناك أسرة ثرية، تمتلك الثراء الفاحش، تعيش في إحدى محافظات الصعيد، ألا وهي في محافظة «بني سويف».
الأسرة مكونة من 10 أشخاص:
الجد وهو حامد السيوفي لديه من العمر 70 عامًا وهو رجل صارم حاد الطباع يخاف على عائلته كثيرًا، ولكن سيتغير خوفه لظلم كبير.
الابن الأكبر وهو عبد العزيز السيوفي لديه من العمر 50 عامًا وهو رجل جشع، يحب المال والسلطة وأفسد بين والده وأخيه الأصغر من أجل المال.
زوجته وهي شهيرة المنياوي لديها من العمر 45 عامًا امرأة تحب المال والمظاهر فقط، تسهر كثيرًا وتملأ رأس زوجها، وتجعله يكره أخيه.
أولادهم فراس وفارس السيوفي توأم متماثل لديهما من العمر 20 عامًا، ولكن يختلفان في الطباع فراس ذو شخصية طيبة وهادئ تمامًا بعكس أخيه فارس فدائمًا عصبي ويمتلك طباع جده حامد السيوفي.
الابن الأصغر محمد السيوفي لديه من العمر 43 عامًا يحب أخيه كثيرًا.
زوجته جميلة العرباوي لديها من العمر 40 عامًا حنونة على أولادها وأولاد العائلة.
أولادهم آدم السيوفي لديه من العمر 17 عامًا طيب يحب عائلته كثيرًا وآسر السيوفي لديه من العمر 14 عامًا، مثل أخيه تمامًا طيب وحنون يشبهان والديهما تمامًا.
ابنتهم حور السيوفي «وهي بطلتنا» لديها من العمر 10 سنوات فتاة مرحة للغاية ولكن سيتبدل حالها .
____________________
في ليلة من ليالي الشتاء القارص داخل قصر حامد السيوفي، شجار دام بالساعات، بين حامد السيوفي وابنه الأصغر محمد السيوفي، انتهت بخروجه من القصر الكبير متجهًا إلى مصر؛ ليعيش بها هو وزوجته وأولاده.
كان في بداية الأمر يعيش هو وأسرته الصغيرة حياة هادئة؛ حتى حدث الغير متوقع وهو موت جميلة العرباوي، كان موتها صدمةً لأسرتها البسيطة، وبالأخص صدمة على بطلتنا؛ فهي كانت أختًا ورفيقةً ليست أمًا فقط، كانت حور لديها من العمر في ذلك الوقت 10 أعوام، لا تدرك معنى الفقد، ولكنها كانت تبكي كثيرًا؛ حتى دخلت فى غيبوبة لمدة عامين، دائمًا أبيها كان يجلس معها بالساعات ويتحدث معها لكن دون جدوى، حتى جاءت لها والدتها في خيالها، وهي نائمة وقالت لها: الموت أخذني؛ لأننا لم نجد مالًا؛ لنجلب علاجي، يحتاجونكي لكي تُعيني الفقير عند حاجته، اصنعي لكِ مستقبلًا واسمًا يخلد في التاريخ، وعند انتهاء هذا الحلم أصبحت الأجهزة تصدر صوتًا، وتفيق بطلتنا من الغيبوبة أخيرًا، ولكن مبدلةٌ تمامًا من فتاة مرحة إلى فتاة عابسة تجتهد وتجتهد من أجل حلمها فقط، وبعد مرور سبع سنوات أصبحت حور لديها 19 عامًا وتنتظر نتيجة الثانوية العامة، دقائق قليلة وأخوتها يبحثون عن النتائج، ينظرون لها وهي تبكي من الخوف، نعم، تبكي خوفًا على ضياع حلمها والحلم الذي قامت من الغيبوبة لأجله، سرعان ما تعالت الأصوات وأخواتها يهتفون 99,5%، سجدت باكية تشكر ربها على تحقيق حلمها، وضحكت كثيرًا، وكانت هذه المرة الأولى التي ضحكت بها منذ لحظة وفاة والدتها، وقالت: لقد حققت حلم أمي، في هذا الوقت كان أخوها آسر في آخر سنة من الهندسة، وآدم أكمل دراسة الأعمال وأكمل في الشركة الصغيرة التي أعدها والده بعد وفاة زوجته، قام آدم بافتتاح الكثير من الشركات، وأصبح أكثر ثراءً من جده حامد السيوفي، مرت السنوات وتخرجت حور من كلية الطب البشري، قسم جراحة قلب، وأصبحت طبيبة مشهورة، تُدعي بالطبيبة المعجزة، وفي ذلك الوقت في قرية بني سويف كان فارس وفراس لديهما من العمر 32 عامًا، وكان الجد حامد السيوفي مريضًا نائمًا على فراش الموت، يحتاج أن يخضع لعملية خطيرة في القلب، ولكن لم يجدوا الطبيب ذا المهارة الكافية، في ذلك الوقت كانا فارس وفراس يبحثان عن أطباء في جميع أنحاء العالم؛ لعلاج الجد، وبعض أصدقاءهما أخبرهما بالطبيبة المعجزة، ذهبوا لزيارتها، لتعالج جدهما، ولكن لا يعلمان من تكون، التقوا بها، وحددوا معها ميعادًا لجلب جدهم لها، وإلى الآن، لا يعلمان أنها ابنة عمهم الذي يبحثون عنه فى كل مكان، ووقت العملية جاء أبيها ليأخذها، لأنه هو وأخواتها كانوا يجهزون لها حفلة بمناسبة نجاحها، وعند رؤية أباه بكي صامتًا، وظل خائفًا حتي خرج من العمليات وأصبح بخير، وتم إنقاذ حياته بفضل الله ثم ابنة ابنه الذي طرده سابقًا، وهم الآن لا يحتاجون إلى أمواله وقاموا ببناء أنفسهم، وأصبحت لا تحتاج لأحد، بل العكس، والآن يمكننا قول كل عاقةٍ جبار.
❞ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
قوله : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم
قوله تعالى : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه . والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان ; وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه .
ثم استخرجها من وعاء أخيه يعني بنيامين ; أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : ولمن جاء به فذكر ; فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رءوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين ! ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك " راحيل " أخوين لصين ! قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي . ويروى أنهم قالوا له : يا بنيامين ! أسرقت ؟ قال : لا والله ; قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله - عز وجل - تائبا من فعله ذلك ; وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ; لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ; فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ; ففتش فأخرج السقاية ; وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سرقهم برأيه ; فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ; ويقوي ذلك قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف .
قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : " كدنا " معناه صنعنا ; عن ابن عباس . والقتبي : دبرنا . ابن الأنباري : أردنا ; قال الشاعر :
كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى
وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .
الثانية : أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة ; وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرق . وقال مالك : إذا فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول ، أخذا منه بقوله - عليه السلام - : " خشية الصدقة " . وقال أبو حنيفة : إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضره ; لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله : خشية الصدقة إلا حينئذ . قال ابن العربي : سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره يقول : كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرات آلاف دينار من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم : كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه ; فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا : يا أبانا ! إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما دمت حيا ; أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ; يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرق ; وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاري - رضي الله عنه - في جامعه كتابا مقصودا فقال : " كتاب الحيل " .
قلت : وترجم فيه أبوابا منها : " باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة " . وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ; وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس . الحديث ; وفي آخره : أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق . وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ; فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ; ثم أردف بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ويقول أنا كنزك الحديث ، قال المهلب : إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : أفلح إن صدق أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ، ولا يقوم بذلك عذره عند الله ; وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة ; ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط ، والله حسيبه ; وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم ، واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين ; فالوعيد متوجه عليه ; ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا كيف تطؤه الإبل ، ويمثل له ماله شجاعا أقرع ؟ ! وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة لا يحل ، وهو مطالب بذلك في الآخرة .
الثالثة : قال ابن العربي : قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه . دليل على وجه الحيلة إلى المباح ، واستخراج الحقوق ; وهذا وهم عظيم ; وقوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف في الأرض قيل فيه : كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز ، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره . قال الشفعوي : ومثله قوله - عز وجل - : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وهذا ليس حيلة ، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد . قال الشفعوي : ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جنيب الحديث ; ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه - عليه السلام - أمره أن يبيع جمعا ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره . وقالت المالكية : معناه من غيره ; لئلا يكون جنيبا بجمع ، والدراهم ربا ; كما قال ابن عباس : جريرة بجريرة والدراهم ربا .
قوله تعالى : في دين الملك أي سلطانه ، عن ابن عباس . ابن عيسى : عاداته ، أي يظلم بلا حجة . مجاهد : في حكمه ; وهو استرقاق السراق .
إلا أن يشاء الله أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تعلة وعذرا له . وقال قتادة : بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين ، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل ، على ما تقدم .
قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء أي بالعلم والإيمان . وقرئ " نرفع درجات من نشاء " بمعنى : نرفع من نشاء درجات ; وقد مضى في " الأنعام "
قوله : وفوق كل ذي علم عليم روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا ، والله فوق كل عالم . وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس - رحمه الله - فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال : سبحان الله ! وفوق كل ذي علم عليم ; فقال ابن عباس : بئس ما قلت ; الله العليم وهو فوق كل عالم .. ❝ ⏤محمد رشيد رضا
❞ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
قوله : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم
قوله تعالى : فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه إنما بدأ يوسف برحالهم لنفي التهمة والريبة من قلوبهم إن بدأ بوعاء أخيه . والوعاء يقال بضم الواو وكسرها ، لغتان ; وهو ما يحفظ فيه المتاع ويصونه .
ثم استخرجها من وعاء أخيه يعني بنيامين ; أي استخرج السقاية أو الصواع عند من يؤنث ، وقال : ولمن جاء به فذكر ; فلما رأى ذلك إخوته نكسوا رءوسهم ، وظنوا الظنون كلها ، وأقبلوا عليه وقالوا ويلك يا بنيامين ! ما رأينا كاليوم قط ، ولدت أمك ˝ راحيل ˝ أخوين لصين ! قال لهم أخوهم : والله ما سرقته ، ولا علم لي بمن وضعه في متاعي . ويروى أنهم قالوا له : يا بنيامين ! أسرقت ؟ قال : لا والله ; قالوا : فمن جعل الصواع في رحلك ؟ قال : الذي جعل البضاعة في رحالكم . ويقال : إن المفتش كان إذا فرغ من رحل رجل استغفر الله - عز وجل - تائبا من فعله ذلك ; وظاهر كلام قتادة وغيره أن المستغفر كان يوسف ; لأنه كان يفتشهم ويعلم أين الصواع حتى فرغ منهم ، وانتهى إلى رحل بنيامين فقال : ما أظن هذا الفتى رضي بهذا ولا أخذ شيئا ، فقال له إخوته : والله لا نبرح حتى تفتشه ; فهو أطيب لنفسك ونفوسنا ; ففتش فأخرج السقاية ; وهذا التفتيش من يوسف يقتضي أن المؤذن سرقهم برأيه ; فيقال : إن جميع ذلك كان أمر من الله تعالى ; ويقوي ذلك قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف .
قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف فيه ثلاث مسائل :
الأولى : قوله تعالى : ˝ كدنا ˝ معناه صنعنا ; عن ابن عباس . والقتبي : دبرنا . ابن الأنباري : أردنا ; قال الشاعر :
كادت وكدت وتلك خير إرادة لو عاد من عهد الصبا ما قد مضى
وفيه جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل إذا لم تخالف شريعة ، ولا هدمت أصلا ، خلافا لأبي حنيفة في تجويزه الحيل وإن خالفت الأصول ، وخرمت التحليل .
الثانية : أجمع العلماء على أن للرجل قبل حلول الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة إذا لم ينو الفرار من الصدقة ; وأجمعوا على أنه إذا حال الحول وأظل الساعي أنه لا يحل له التحيل ولا النقصان ، ولا أن يفرق بين مجتمع ، ولا أن يجمع بين متفرق . وقال مالك : إذا فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول ، أخذا منه بقوله - عليه السلام - : ˝ خشية الصدقة ˝ . وقال أبو حنيفة : إن نوى بتفريقه الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا يضره ; لأن الزكاة لا تلزم إلا بتمام الحول ، ولا يتوجه إليه معنى قوله : خشية الصدقة إلا حينئذ . قال ابن العربي : سمعت أبا بكر محمد بن الوليد الفهري وغيره يقول : كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي الدامغاني صاحب عشرات آلاف دينار من المال ، فكان إذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال لهم : كبرت سني ، وضعفت قوتي ، وهذا مال لا أحتاجه فهو لكم ، ثم يخرجه فيحمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه ; فإذا جاء رأس الحول ودعا بنيه لأمر قالوا : يا أبانا ! إنما أملنا حياتك ، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما دمت حيا ; أنت ومالك لنا ، فخذه إليك ، ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه ، فيرده إلى موضعه ; يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في التفريق بين المجتمع ، والجمع بين المتفرق ; وهذا خطب عظيم وقد صنف البخاري - رضي الله عنه - في جامعه كتابا مقصودا فقال : ˝ كتاب الحيل ˝ .
قلت : وترجم فيه أبوابا منها : ˝ باب الزكاة وألا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة ˝ . وأدخل فيه حديث أنس بن مالك ، وأن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة ; وحديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثائر الرأس . الحديث ; وفي آخره : أفلح إن صدق أو دخل الجنة إن صدق . وقال بعض الناس : في عشرين ومائة بعير حقتان ; فإن أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شيء عليه ; ثم أردف بحديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ويقول أنا كنزك الحديث ، قال المهلب : إنما قصد البخاري في هذا الباب أن يعرفك أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فإن إثم ذلك عليه ; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما منع من جمع الغنم وتفريقها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى ، وفهم من قوله : أفلح إن صدق أن من رام أن ينقض شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح ، ولا يقوم بذلك عذره عند الله ; وما أجازه الفقهاء من تصرف صاحب المال في ماله قرب حلول الحول إنما هو ما لم يرد بذلك الهرب من الزكاة ; ومن نوى ذلك فالإثم عنه غير ساقط ، والله حسيبه ; وهو كمن فر من صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم ، واستعمل سفرا لا يحتاج إليه رغبة عن فرض الله الذي كتبه الله على المؤمنين ; فالوعيد متوجه عليه ; ألا ترى عقوبة من منع الزكاة يوم القيامة بأي وجه متعمدا كيف تطؤه الإبل ، ويمثل له ماله شجاعا أقرع ؟ ! وهذا يدل على أن الفرار من الزكاة لا يحل ، وهو مطالب بذلك في الآخرة .
الثالثة : قال ابن العربي : قال بعض علماء الشافعية في قوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه . دليل على وجه الحيلة إلى المباح ، واستخراج الحقوق ; وهذا وهم عظيم ; وقوله تعالى : كذلك كدنا ليوسف في الأرض قيل فيه : كما مكنا ليوسف ملك نفسه عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز ، أو مثله مما لا يشبه ما ذكره . قال الشفعوي : ومثله قوله - عز وجل - : وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وهذا ليس حيلة ، إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد . قال الشفعوي : ومثله حديث أبي سعيد الخدري في عامل خيبر أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بتمر جنيب الحديث ; ومقصود الشافعية من هذا الحديث أنه - عليه السلام - أمره أن يبيع جمعا ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره . وقالت المالكية : معناه من غيره ; لئلا يكون جنيبا بجمع ، والدراهم ربا ; كما قال ابن عباس : جريرة بجريرة والدراهم ربا .
قوله تعالى : في دين الملك أي سلطانه ، عن ابن عباس . ابن عيسى : عاداته ، أي يظلم بلا حجة . مجاهد : في حكمه ; وهو استرقاق السراق .
إلا أن يشاء الله أي إلا بأن يشاء الله أن يجعل السقاية في رحله تعلة وعذرا له . وقال قتادة : بل كان حكم الملك الضرب والغرم ضعفين ، ولكن شاء الله أن يجري على ألسنتهم حكم بني إسرائيل ، على ما تقدم .
قوله تعالى : نرفع درجات من نشاء أي بالعلم والإيمان . وقرئ ˝ نرفع درجات من نشاء ˝ بمعنى : نرفع من نشاء درجات ; وقد مضى في ˝ الأنعام ˝
قوله : وفوق كل ذي علم عليم روى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال : يكون ذا أعلم من ذا وذا أعلم من ذا ، والله فوق كل عالم . وروى سفيان عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير قال : كنا عند ابن عباس - رحمه الله - فتحدث بحديث فتعجب منه رجل فقال : سبحان الله ! وفوق كل ذي علم عليم ; فقال ابن عباس : بئس ما قلت ; الله العليم وهو فوق كل عالم. ❝